حطام - الزجاج يهمس - بقلم من المجهول | روايتك

اسم الرواية: حطام
المؤلف / الكاتب: من المجهول
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الزجاج يهمس

الزجاج يهمس

الزجاج يهمس "أحيانًا لا تأتي الرسائل على ورق… بل تُكتب على الضباب." كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية عشرة وربعًا بعد منتصف الليل حين غادرت نفق الأرشيف. كان كل شيء ساكنًا… على نحو يثير القشعريرة. الهواء بارد، والسماء محشوّة بسحب رمادية لم تُمطر لكنها حجبت حتى ضوء القمر. ركبت سيارتي ببطء، أغلقت الأبواب أوتوماتيكيًا. أحبّ هذا الطراز، بسيط، عتيق، لكنه عملي. ضغطت زر التشغيل، خرير المحرك طمأنني قليلاً. وضعت الورقة الملفوفة بعناية التي تحمل كلمات المساعد في جيب سترتي، ثم مال رأسي تلقائيًا للخلف، أغمضت عيني، كأنني كنت أستعد للحظة نوم مؤقتة على مقعد السائق. لم اشعر في حياتي برغبة في النوم ولكن الان ، اشعر بأن النعاس يدفع بدمي للغليان في رأسي ، ربما لاني لا اقدر على ذلك الان كل ما لا يتاح للمرء يغري روحه حد الهلاك ....نحن لا نشتهي شيئا الا ان كنا محرمين منه . الضباب هنا كثيفً حدّ الخنق. يمتدّ على الطريق كأن السماء انسكبت ولم تجد سبيلًا للرجوع، يتلوى ككائنٍ زئبقي يغلف زجاج السيارة، يمنع الرؤية ويُغرق الطريق في رمادية خانقة. كانت يداي على المقود ثابتتين ظاهريًا… لكن داخلي؟ يعجّ بارتجاف غير مرئي. كنت أقود عائدة للمنزل، بصمت ثقيل، مستعيدة كل تفصيل مما حدث قبل ساعة فقط في ذلك المكتب اللعين . ذلك المكان الذي لا يقصده أحد، المهجور، الغارق بالعتمة والغبار. الصناديق المبعثرة، الملفات الممزقة وذلك الصرير الذي لا يُفهم إن كان خشبًا أم همسًا. والرجل… ذلك الشخص لم يكن يهجم بجنون… بل بقوة باردة، مدروسة، كأنه يعرف جيدا ما يفعله ، ترى ما الذي كان سيفعله بذلك الملف ؟ على الارجح كان سيخفيه ...لكن ممن ؟ ان كان طرفا في الجريمة فلما قد يخفي دليلها عن باقي اطرافها ؟ او انه من جهة امنية ؟ لكن لما هاجمني اذا ؟ الن يساعده الاتحاد معي ان كان لنا نفس العدو ؟ اللعنة ! كيف سأقضي الليلة مع هذه الاسئلة ؟ الورقة كانت دليلي الأول، دمي الأول في رقعة الشطرنج هذه. لكن حتى الدمى تتناثر إن لم أحسن الحركة. تنفست بعمق، مسحت بخار الزجاج بباطن كفيّ، وأكملت السير. كنت أحتاج إلى لحظة هدوء… لحظة واحدة فقط. شيء ما… لا يسير كما يجب. تحركت بعيني نحو المرآة، ومن ثم إلى الزجاج الجانبي مرآة السيارة العلوية عكست ضوءًا باهتًا لا يكاد يُرى. ثم مرة أخرى… ضوء… ثم اختفاء. حدقتُ أكثر....هناك سيارة خلفي. لما الأن بحق الجحيم ،أغلقت المصابيح، لكن خطواتها على الإسفلت كانت واثقة، قريبة… أقرب من اللازم. أبطأت ، أبطأت السيارة خلفي. انعطفت فجأة إلى اليمين، طريق مهجور تحفّه الأشجار اليابسة كأصابع ميتة… تبعتني. هذه لست مصادفة. ليس في هذه الساعة، ليس في هذا المكان. اعدت النظر للمرآة الجانبية نفس السيارة ، صامتة ، حتى اللوحة بالكاد تتضح شعرت أن الهواء ينكمش داخل رئتي ، مددت يدي بهدوء نحو درج السيارة… فتحته ببطء وسحبت المسدس ، أزلت أمانه بصمت… ويدي، الآن، ليست بثابتة كما كانت. كانت ترتجف، لا خوفًا ، بل لأنني لا أعلم ما سأواجه. ضوء السيارة الملاحِقة اختفى فجأة. لكنني كنت أعلم أنها لم تختفِ… بل توقفت. فتحت النافذة قليلا… أرهفت السمع ، صوت خطوات. ثابتة ، بطيئة ، تدوس الحصى بلامبالاة، كأن صاحبها يعلم جيدًا أنك تنتظره، لكنك لن تفعل شيئًا. تعلّقت عيناي بالمرايا، بالزجاج، بالفراغ ....رأيته. شخص واحد يسير وسط الضباب. لم أتبين ملامحه… اللعنة على الضباب . كان يرتدي معطفًا، ربما… أو لا ، صوته الوحيد هو صرير خطواته البطيئة المحسوبة خطوة بخطوة . ثم وصل ،اقترب من زجاج بابي، ببطء. لم أحرك السلاح في يدي ... كنت مأخوذة بالمشهد… أنفاسه تشكّلت على الزجاج من الخارج . ثم… رفع إصبعه وكتب شيئًا في البخار الكثيف . جملة ! من كلمتين ، لكن الحروف مقلوبة وبالكاد املك تركيزا يمكنني من فهمها ، قرأتها بعد ثواني من محاولة صفع دماغي المشلول "احذري إليوت." ارتج جسدي دفعة واحدة. "إليوت؟ " هززت رأسي، عدت للواقع ، مستفيقة من صدمة ما حدث توا ، وهو لا يزال متصنما يتربص بي خلف الزجاج كمجنون يراقب بصيرته تغادر عقله . ضربت باب السيارة بكل قوتي . الباب صدم رأسه بقوة جعلت صوته يرتطم بالهواء كأن أحدهم سقط من علُ. تراجع مترًا كاملًا، ارتطم بالأرض، أنينه مكتوم. نزلت من السيارة بسرعة ، ثبّتّ المسدس بين عينيه، يداي ترتجفان، لكني كنت غاضبة بما يكفي لأن أخفي ذلك جيدًا. "من أنت؟ تكلّم الآن!" كان يتنفس ببطء و وضوح اثار جنوني ، امسكت رقبته بذراعي ضاغطة عليها محاولة خنقه " ما علاقتك بإليوت ، هيا لا تجعلني اقدمك وجبة لضباع هاته الغابة " اشار بعينيه ليدي ، ابعدتها عن رقبته ، رفع رأسه قليلًا، قال بجفاف: "انه القاتل… و " توقف لثانية، تنفس بعمق. "والتالية… متيلدا." شعرت بكهرباء تتسرب من أطراف أصابعي حتى صدري. موجة باردة من الرعب قفزت إلى عنقي، تجمدت قدماي، عيناي اتسعتا. هذا هو… هذا هو صوته هو نفس الرجل الذي هاجمني في ذلك المكتب القديم ! تجمدت الدماء في عروقي. "ما… ماذا قلت؟" صمت لا وقت لدي لأجباره على التكلم و لا محاولة تصديق ما قاله ، على العودة للمدينة قبل قتل متيلدا . ركضت نحو السيارة، أغلقت الباب بقوة، وقلبي ينبض كأن آلاف الطرقات تنقر على صدري. ضغطت دواسة البنزين حتى لامست الأرض وانطلقت . أخرجت هاتفي . ضغطت على اسم متيلدا. رنّ… لا جواب ، مرة أخرى ، رنّ… انقطع الاتصال. أعدت المحاولة… الهاتف مغلق لما لا تجيب ؟!!! كأن الضروف تتفق على قتلي