شفرة الضوء
الفصل الثالث: شفرة الضوء
"لا تحتاج إلى رؤية القاتل لتشعر بأنه يراقبك… يكفي أن تُخفي الحقيقة لتصبح شريكًا في الجريمة."
كان صباحًا رماديًا.
أضواء المدينة تتلاشى خلف غيمة ثقيلة، وصداع البارحة لا يزال يعصر رأسي.
ورقة الأمس بين دفاتري، مطوية بإحكام، تقرأها عيناي كل مرة كما لو أنها المرة الأولى.
توقيع "M.A.C" وحده كافٍ لإشعال جحيم من الأسئلة.
جلست قبالة متيلدا في أحد المقاهي البعيدة عن الشركة.
لم تتحدث كثيرًا، لكنها كانت تعلم — هذه بداية لا تُبشِّر إلا بالمزيد من الظلال.
"الورقة حقيقية."
قالتها بصوت منخفض وهي تمرر لي شيئًا صغيرًا من جيبها.
قرص بيانات رقمي صغير – أزرق بلاستيكي – بحجم الظفر.
"استطعنا استعادة جزء من تسجيل المصعد من يوم الحادث."
رفعت حاجبي. "كيف؟"
أجابتني:
"الأنظمة تم محوها بالفعل، لكن كل شيفرة ضوء تترك ظلاً. مساعدنا في وحدة تحليل البيانات القديمة وجد قصاصة ضوئية مشوشة في أحد السيرفرات الاحتياطية… كأن جزءًا من التسجيل لا يريد أن يُمحى."
"من هو هذا المساعد؟"
هزّت رأسها دون أن تنظر إليّ.
"اسمه لا يهم الآن. يفضّل أن يبقى مجهولًا لبعض الوقت… لأمانه وأمانك."
ارتشفت قهوتي بصمت.
"لكن إن كنت مصمّمة على المواجهة، ستقابلينه هذه الليلة في الأرشيف الرقمي. هو من طلب اللقاء."
لاحقًا في تلك الليلة – الساعة 10:03 مساءً
عدت إلى نفس الطابق السفلي… لكن ليس إلى غرفة الأرشيف القديمة.
هذه المرة، الباب الجديد كان خلف جدار زائف، فتحته متيلدا ببطاقة سوداء أكثر قدمًا من الأولى، كأنها لا تنتمي لهذا الزمن.
مررنا عبر نفقٍ خافت، والهواء صار أثقل.
غرفة صغيرة، شاشة عرض، حاسوب متهالك، وأسلاك مكشوفة.
هناك شخص يجلس أمام الشاشة، رأسه مغطى بقبعة رمادية، ظهره لنا.
لم يلتفت.
قال فقط: "كنتم محقين. الفيديو مشوّه… لكن فيه شيء غريب."
ضغط زرًا، وظهرت الصورة.
كاميرا المصعد – يوم 18 أبريل – الساعة 11:57 صباحًا.
ليزا تدخل المصعد، وحيدة… ثم تقف، تنظر للكاميرا مباشرة.
ثم… تلتفت فجأة وكأن شخصًا ما دخل معها.
لكن الكاميرا لا تُظهر أحدًا.
"هذه ليست مشكلة بالصورة اليس كذلك ؟" سألت.
ردّ بصوت منخفض:
" اجل ، في البداية ظننتها خللًا… لكن لاحظي الظل على الأرض. هناك انعكاس قدمين بجانبها، لثوانٍ معدودة."
أوقف المشهد.
فعلاً… ظلٌ مزدوج.
ليزا وحدها، لكن ظلها مزدوج.
والأخطر…
ظل الشخص الآخر لا يتحرّك إطلاقًا.
سألت متيلدا بإستغراب :"هل… هل هذا ممكن؟"
رد المساعد:
"فيزيائيًا؟ لا.
لكن البيانات لا تكذب. هذه الصورة غير معدلة. لا أحد يستطيع تزوير شفرة الضوء داخل الصورة الرقمية بهذه الطريقة… إلا إن كان يعرف الأنظمة من الداخل."
نظرت إلى متيلدا.
"هل هو المدير؟"
هزت رأسها:
"أو أحد ثقاته… أو قاتلها."
المساعد أخرج ورقة طُويت بعناية من جيبه، وضعها على الطاولة.
"وجدت هذا في صندوق الأرشفة. ليس له ملف، ولا سجل رقم. عنوانه فقط: (الممر C-6، الباب الممنوع)."