الصديقتان - في عرين الذئب ج2 - بقلم Rafif006 | روايتك

اسم الرواية: الصديقتان
المؤلف / الكاتب: Rafif006
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: في عرين الذئب ج2

في عرين الذئب ج2

قراءة ممتعة ❤️🍒 _خرجت زينة من المكتب بخطوات متسارعة، قلبها يدق كأنها هاربة من جريمة، يدها تشد الحقيبة بقوة، وأفكارها تتزاحم في رأسها. كيف أمكنها قضاء الليل في مكتب آدم؟ مجرد تخيل ردة فعله لو اكتشف ذلك جعل الرعب يزحف في أوصالها. خرجت إلى الحديقة، المكان الوحيد الذي يمنحها بعض الراحة، بعيدًا عن أعين الجميع. جلست على أحد المقاعد، أنفاسها متلاحقة، ثم أمسكت هاتفها واتصلت بأمها. — "صباح الخير أمي، كيف حالك؟" جاءها صوت أمها، دافئًا، مشتاقًا، لكنه يحمل حزنًا خفيًا: — "أوه زينة، يا ابنتي… كيف حالك؟!" ابتسمت بوجع، وكأنها تحاول التمسك بقناع الطمأنينة. — "بخير أمي… ماذا عنكِ؟ وعن جميلة؟ وأبي؟ كيف حالكم؟" — "بخير… أما والدك، فلا… يحتاج أشياء كثيرة، لكن لم أستطع توفيرها… الديون تزداد، والمنزل يحتاج، وأنا وحدي، يا ابنتي…ماذا عسانا أن نقول سوى الحمد الله انت ما أحوالك, ما أحوال العمل الجديد أعجبك...!!" عضت زينة شفتيها، وانحنت للأمام، تشبك أصابعها ببعضها وكأنها تحاول أن تتشبث بشيء ما قبل أن تنهار. — "بخير...الجميع هنا متعاون معي..لقد رحبوا بي وساعدوني في العمل.." " الحمد الله يا ابنتي..وظائفك السابقة كانت متعبة جيد أنك تأقلمتي سريعا مع هذا العمل..ماذا عن الراتب أهو جيد ؟!" أغمضت عينيها للحظة، تشعر بثقل العالم على كتفيها، لكنها أجبرت صوتها على الثبات: — " آه إنه جيد..ما إن أقبض راتبي سأرسل لك أمي..فقط حاولي أن تتماسكي أكثر بقليل.." — " لا تقلقي علي زينة...جدتك ستساعدنا وعمك أيضا لكن كما تعلمين لا أريد أن أثقل عليهم " "آه أعلم..أمي سأغلق الآن سلمي على جميلة وعلى جدتي.." أنهت المكالمة وهي تشعر بأن الأرض سحبت من تحتها. أغلقت الهاتف ببطء، ثم ضربت جبهتها بكفها. عملت ليوم واحد، والراتب في نهاية الشهر… كيف ستتدبر الأمر؟! نهضت بسرعة واتجهت إلى الشركة، تبحث عن إجابة، عن مخرج، عن أي شيء يمكن أن يساعدها. لكنها كلما سألت أحد  من الموظفين، تلقت نظرات مريبة.. وقفت أمام موظفة الاستقبال، تحاول التظاهر بالهدوء: — "مرحبًا، أريد أن أسأل عن شيء." — "تفضلي، كيف يمكنني مساعدتك؟" رغم التوتر الذي تسلل إلى صوتها، قالت: — "متى يتم دفع الرواتب؟" نظرت إليها الموظفة باستغراب قبل أن تبتسم محاولة كبح ضحكتها: — "في بداية كل شهر، مع الزيادات حسب رتب الموظفين." — "إذن، باعتباري موظفة جديدة، متى سيتم الدفع لي؟" ازدادت ابتسامة الموظفة اتساعًا، وكأنها سمعت نكتة سخيفة: — "أعتقد أنكِ ستحصلين عليه في بداية الشهر القادم." — "الشهر القادم؟!" خرجت منها الكلمة بذهول، حتى إن بعض الموظفين التفتوا إليها. شعرت بالإحراج، فابتسمت بخفوت وقالت: — "شكرًا لكِ." لكن قبل أن تستدير، تجمدت مكانها عندما رأت الجميع يسكت فجأة، وكأن الهواء نفسه توقف عن الحركة. آدم دخل. بذلته السوداء جعلته يبدو كأنه خرج لتوّه من أحد أفلام الجريمة لم تكن البذلة الرسمية التي رأته بها من قبل ,الرجال حوله يسيرون بخطوات متناسقة، كأنهم امتداد لظله. كان المشهد مهيبًا، أقرب إلى استعراض قوة صامت. خفضت رأسها مثل الجميع، لم تكن تجرؤ حتى على التنفس بصوت عالٍ. لكنه كان يقترب. لا تأتِ إليّ… لا تأتِ إليّ… لكن عينيه كانتا مثبتتين عليها، نظرة باردة، حادة، كأنها مجرد عائق في طريقه. توقّف أمامها، فقالت في نفسها: انتهى أمري… لكن صوته جاء حادًا، مجرد أمر لا يحتمل التأخير: — "ابتعدي عن الطريق." رفعت رأسها بسرعة، مصدومة، لكنها أدركت سذاجتها فورًا. لم يكن يقصدها… بل كان يريد التحدث إلى موظفة الاستقبال. — "آه… هاه… نعم… أجل… آسفة…" "أجلي كل مواعيد الإجتماعات لهذا الأسبوع.." قال ببرود "حاضر سيدي..." كادت تتنفس الصعداء، لكنه التفت إليها ببرود، وعيناه تقرآن كل ارتجافة في وجهها قبل أن يأمرها بكلمة واحدة: — "اتبعيني." تبعته، تحدق في ظهره العريض وكتفيه المشدودتين كجدار منيع. كان يسير بخطوات هادئة لكنها واثقة، كأن كل شيء في العالم يسير وفقًا لمشيئته. دخل إلى مكتبه، ألقى بجسده على الكرسي وكأنه ملك يتربع على عرشه، ثم أشار إليها دون أن ينظر إليها حتى — "اجلسي." جلست فورًا، يداها متشابكتان على حجرها، وعقلها يبحث عن أي طريقة لفتح الموضوع دون أن تبدو يائسة. — "سيد آدم، أريد أن…" حبست أنفاسها لثوانٍ قبل أن تكمل الحديث: — "كما تعلم، أتيت إلى هنا بدافع العمل… ولا أقرباء لي في هذه المدينة… قبلت الوظيفة لأن الشركة توفر المسكن للموظفين…" — "إذن ماذا؟" كلمتان فقط، لكنهما جعلتا قلبها يهوي. خفضت رأسها، محاولة تجميع شجاعتها قبل أن تتحدث مجددًا. تنهد ببطء، ثم قال ببرود كأنه يتحدث عن أمر تافه: — "استخدمي المكتب مثل البارحة." رفعت رأسها بسرعة، عيناها متسعتان بالصدمة، ووجهها يزداد احمرارًا. — "سيد آدم… أنا أعتذر، لم ترد فردوس على اتصالاتي، ولم يكن لدي مكان آخر…ولا أعلم حتى كيف أتيت إلى... " أسند ظهره إلى الكرسي، يراقب احمرار وجنتيها وارتجاف يديها، ثم ابتسم بلا رحمة. — "من الآن فصاعدًا، سترافقينني... عملك لن يقتصر على المكتب فقط." بلعت ريقها، ثم أومأت برأسها ببطء. — "نعم… أعلم." — "إذن، فلنذهب." — "إلى أين؟" التفت إليها ببطء، وعيناه تلمعان بسخرية واضحة. — "مهمتك أن تتبعيني… وتغلقي فمك السؤال ليس من شأنك." أخفضت رأسها وتبعته...تبعته عبر الممرات الطويلة، خطواته ثابتة، لا تردد فيها، وكأنّه يسير على طريق يعرفه جيدًا. على العكس منها، كانت تتعثر بخطواتها بين الحين والآخر، تحاول ألا تُحدث أي صوت، تراقب ظهره العريض وتشعر بأنها تتبع قدَرًا مجهولًا لا تعلم إلى أين يأخذها. خرج من المبنى، فوجدت نفسها تقف أمام عدد هائل من الرجال، جميعهم يرتدون البدلات السوداء نفسها، أجسادهم ضخمة ووجوههم خالية من أي تعبير. كانوا منتشرين حول المكان كأنهم حراس قلاع قديمة، أعينهم تراقب كل شيء دون أن يبدو عليهم أدنى تأثر. عندما اقترب آدم، تحركوا بانسيابية، فتحت له الأبواب دون أن يحتاج إلى أن ينطق بأمر. كأنّهم يعرفون كل شيء عنه مسبقًا، متى يصل، متى يغادر، متى يجب أن يفسحوا له الطريق. لم يدخل مباشرة بل التفت إليها، عينيه القاسيتين تراقبانها عن كثب. كانت قد توقفت في مكانها، قدماها مغروستان في الأرض، كأنّها أصبحت جزءًا منها. لم تستطع التقدّم، لم تستطع حتى التفكير في فعل ذلك. هذه الأجواء… هذه السلطة التي تحيط به… كل شيء كان يشير إلى أنه ينتمي لعالم آخر، عالم خطير، عالم لا تعرفه.. شعرت بقشعريرة تسري في جسدها، وأدركت أنها لا تستطيع التحرك خطوة واحدة إلى الأمام. آدم، الذي لاحظ ترددها، لم يقل شيئًا في البداية. فقط وقف هناك، يراقبها وكأنه ينتظر قرارها. لكن عندما طال صمتها، انحنى قليلًا للأمام، عينيه تضيقان بازدراء واضح. — "ادخلي." كان صوته منخفضًا، لكنه كان يحمل أمرًا لا يقبل النقاش. حاولت بلع ريقها، لكن حلقها كان جافًا، قلبها ينبض بقوة وكأنّه يريد أن يهرب بعيدًا عن هذا الموقف. — "أنا…" — "لا تعجبني إضاعة الوقت." كانت كلماته واضحة، حادة، مثل شفرة تقطع الهواء بينهما. التفت قليلًا إلى أحد رجاله، فتقدم الأخير خطوة، كأنّه مستعد لإجبارها على الدخول إن لم تفعل. ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم نظرت إلى الباب المفتوح أمامها. كان عليها الدخول… لكنها لم تفعل. — "سيد آدم… أعطني العنوان، وسوف آتي في التاكسي." قالتها بصوت متردد، لكنها كانت جادّة. لم يتحرّك أحد لثوانٍ، وكأنهم لم يصدقوا ما سمعوه. ثم… دوّى صوت ضحكة قصيرة. رفع آدم حاجبه للحظة، وكأنّه لم يستوعب ما قالته، ثم انفجر ضاحكًا، ضحكة قصيرة لكن ساخرة، تبعه رجاله الذين ابتسموا لأول مرة منذ أن رأته. كان ضحكهم منخفضًا، لكنه يحمل سخرية واضحة، وكأنّهم لم يسمعوا شيئًا أكثر غرابة في حياتهم. أما هي، فقد وقفت مكانها، وجهها يحترق من الخجل، تشعر وكأنّها قالت أغبى شيء ممكن. أدركت فورًا أنها أصبحت موضع سخرية بينهم، وازدادت ارتباكًا، قبضت على حقيبتها بقوة، متمنية لو تنشق الأرض وتبتلعها. أما آدم، فكان ينظر إليها بنظرة غريبة، مزيج من التسلية والاستغراب. — "في التاكسي؟" قالها وكأنّه يحاول استيعاب الفكرة، ثم هز رأسه ببطء، وكأنّه لا يصدق غباءها. — "… هل تعتقدين أننا في رحلة مدرسية؟ أم أنّك نسيتِ من أنا؟" كانت على وشك أن ترد، أن تقول شيئًا يبرر كلامها، لكنّه لم يمنحها الفرصة. — "ادخلي السيارة، أو…" توقف عن الكلام، لكنه أمال رأسه قليلًا، نظراته أصبحت أكثر خطورة. لم يحتج إلى إنهاء الجملة، فقد فهمت تمامًا ما كان يريد قوله. أجبرت قدميها على التحرك، هذه المرة لم تتردد، صعدت إلى السيارة وجلست في الزاوية، تحاول جعل نفسها غير مرئية قدر الإمكان. عندما جلس آدم بجانبها، أُغلِق الباب، وبدأت السيارة بالتحرك، شعرت وكأنّها عبرت إلى منطقة مجهولة.. كانت السيارة تتحرك بسلاسة، لكن داخلها… كان الهواء مشحونًا ومخنوقًا، وكأن الأكسجين يختفي تدريجيًا. جلست زينة في زاوية المقعد، يداها متشابكتان على فخذيها، وعيناها تتأرجحان بين النافذة والرجل الجالس بجوارها. آدم لم يكن يتحدث، فقط يجلس هناك بجسده المسترخي وثقته المخيفة، يعبث بأزرار أكمامه بين الحين والآخر أو يراقب شاشة هاتفه. لكن حتى وهو صامت، كان حضوره ساحقًا، يُشعرها بأنها سجينة داخل هذه السيارة الفاخرة. حاولت أن تهدئ نفسها، أن تتنفس ببطء، لكنها فشلت. كانت معدتها متقلصة، وأصابعها ترتجف قليلًا رغم أنها كانت تحاول إخفاء ذلك. رفعت عينيها إلى المرآة الأمامية، ورأت عيون السائق تراقبها للحظة قبل أن يعود للتركيز على الطريق. التفتت قليلًا إلى الخلف، فوجدت سيارات أخرى تتبعهم، مليئة برجال آخرين بالبدلات السوداء. يا إلهي… إلى أين تأخذني؟ تساءلت بصمت، لكنها لم تجرؤ على السؤال بصوت عالٍ. نظرت إلى الخارج، إلى الشوارع التي بدأت تتغير. لم تعد المباني الزجاجية والمكاتب الفاخرة تحيط بهم، بل شوارع أكثر عزلة، وأضواء خافتة تضيء المكان. لم تعد تعلم أين هم، ولم تعد متأكدة من أنها قادرة على العودة وحدها إن أرادت. ضغطت على يديها أكثر، محاولة أن تثبت نفسها. — "أنتِ متوترة." صوته كان هادئًا، لكنه كان كفيلاً بجعل قلبها يقفز. التفتت إليه بسرعة، وكأنها لم تكن تتوقع أنه كان يراقبها. حاولت أن تنكر، أن تتظاهر بأنها بخير، لكنها لم تجد كلمات مناسبة، فالتزمت الصمت. ابتسم ببطء، تلك الابتسامة التي لم تكن تحمل أي دفء. — "خوفك واضح عليكِ… لكن لا تقلقي، لن نذهب لبيعك في مزاد." ضحك بخفة، لكنه لم يكن يمزح حقًا، وكانت نبرته كفيلة بجعل الرعب يزداد في عينيها. بلعت ريقها بصعوبة، ثم نظرت بعيدًا عنه، تحدق في النافذة مجددًا، وكأنها تحاول الهروب بعينيها من هذا الجو الخانق... " علي أن أظهر له موقفي..حقيقة أفكاري " هتفت في نفسها وإستجمعت شجاعتها ثم قالت " سيد آدم...هل طبيعة عملي قانوني..أنا لا أريد أتورط في أشياء غير جيدة..." نظر آدم إليها من زاوية عينه، ملامحه ظلت ثابتة، لكن جو السيارة ازداد اختناقًا. ساد الصمت للحظات، حتى كادت تندم على السؤال، لكنها رأت كيف رفع طرف حاجبه ببطء قبل أن يبتسم بسخرية باردة. "أشياء غير جيدة؟" قالها بصوت هادئ، وكأنه يردد كلماتها ليسخر منها. شعرت بالخجل من طريقة ترديده لسؤالها، لكنها ابتلعت توترها وأجابت بصوت متردد: "أقصد... أنت تعلم... أريد فقط أن أتأكد أنني لن أضطر لفعل شيء... غير قانوني." ضحك بخفة، لكن ضحكته لم تكن مريحة، بل كانت أشبه بنصل بارد يمر على جلدها دون أن يجرح، لكنه يهدد بذلك. "القانون؟" مال نحوها قليلًا، حتى كاد صوته يلامسها، ثم همس بسخرية قاتلة: "القانون يُكتب بأيدي الأقوياء، شخص بريئ ذو عقل لطيف مثلك  لا يفهم القانون الحقيقي.. وأنتِ تعملين لديّ الآن، لذا لا تسألي عن أشياء قد لا يعجبك سماع إجاباتها." ثم اعتدل في مقعده، ملامحه تعود إلى برودها المعتاد، وكأن شيئًا لم يحدث. أما هي، فبقيت متجمدة في مكانها، أناملها متشابكة فوق حقيبتها وهي تشعر أنها دخلت متاهة لا تعرف كيف ستخرج منها... "أنا يا سيد آدم..متحفظة، لا أريد أن أفعل أبدا اشياء غير قانونية وغير محترمة..لست مثل..." رفع آدم حاجبه ببطء، وكأن كلامها فاجأه، لكنه لم يعلق فورًا. بدلًا من ذلك، أطلق زفرة قصيرة، ثم قال بنبرة ساخرة : "لستِ مثل من؟ مثل فردوس؟ مثل بقية النساء  هنا؟ أم أنكِ تظنين نفسكِ مختلفة؟" شعرت بحرارة تخترق وجهها، لكنها لم ترد. لم تكن غبية لتدخل في جدال خاسر معه. نطق كلماته ببرود جعلت جسدها يقشعر، لكنها حاولت التماسك. "تريدين راتبًا... إذن اعملي، ولا تركزي في تفاصيله." كانت تعلم أن الأمور ليست بهذه البساطة، لكن طريقته الحاسمة لم تترك لها مجالًا للنقاش. زادت دقات قلبها وهي تحاول استيعاب كلماته. لم تكن ساذجة، كانت تدرك أن عالم آدم ليس مكانًا عاديًا، لكن إلى أي مدى قد تصل الأمور؟ راقب ارتباكها بنظرة هادئة، وكأنه يستمتع بصراعها الداخلي، ثم أضاف بصوت منخفض لكنه نافذ: "لا تسألي أسئلة لن يعجبك جوابها مرة أخرى...لأنني لا أحب قط ثرثرة النساء.." "كل ما أردته أن أعلمك أنني لن أفعل شيئا غير محترم.." ضحك آدم بسخرية، قاطعًا ارتباكها، ثم أمال رأسه إليها بنظرة حادة.. "محترم؟" كرر الكلمة وكأنها شيء مضحك، ثم أردف بصوت هادئ لكنه يحمل تهديدًا خفيًا: "إذاً... نزع ملابسك أمام الكاميرا يُعتبر احترامًا؟" توسعت عيناها بصدمة، وشعرت كأن الأرض اهتزت تحت قدميها... "م...ماذا؟!" نطقتها بالكاد، وصوتها كان أقرب إلى الهمس. لم تستطع حتى أن تفهم ما يقصده، لكن نظراته المريبة، والطريقة التي قبع بها في مقعده بثقة، جعلتها تدرك أنه لم يكن يتحدث جزافًا. حاولت لملمة شتات نفسها، وهتفت بارتباك: "أنا... أنا لا أفهم عن ماذا تتحدث!" ابتسم ابتسامة جانبية، لكن عينيه كانتا باردتين, قال بهدوء مخيف: " أجيبي..؟" شهقت زينة، وشعرت بدوار يلف رأسها. كاميرا؟ أي كاميرا؟ بدأت تسترجع ذاكرتها بسرعة، قلبها ينبض بجنون... همست بصوت مبحوح: "هذا... هذا غير ممكن..." "أنت...أنت تكذب ! " هتفت بإنفعال ,وعيناها تلمعان بالغضب والصدمة. رفع آدم حاجبًا وكأن ردة فعلها كانت متوقعة ثم أخرج هاتفه بهدوء ,ثم ضغط على الشاشة حتى شعرت ببرودة تغزو جسدها وكأن دماءها توقفت عن الجريان كانت هي تقف في مكتبه, تغير ملابسها... شهقت وهي تبتعد عن الهاتف بسرعة, وكأن كانت تحرقها.. "هذا ليس كما تظن ! " صاحت بصوت مختنق وجهها يشتعل بالذعر والخجل.. لكن آدم لم بيد مهتمًا بتبريراتها,بل إكتفى بالنظر إليها بإبتسامة جانبية خالية من الرحمة.. "حقيقة أما لا..هذا الفيديو موجود " قالها بهدوء قاتل ثم إضاف " و السؤال الآن ماذا ستفعلين لكي لا يراه أحد غيري !! " انعقد حاجبا زينة وشعرت بالغثيان يزحف إلى معدتها كانت تدرك أنها في مأزق...مأزق لا تعلم كيف ستخرج منه.. إنهمرت دموعها خجلا وإنحنت قليلا وهي تشعر أن الأرض تهتز تحتها,لم تستطع تحمل الإذلال فرفعت عينيها المغروقتين بالدموع إليه وتوسلت بصوت مهزوز : "سيد آدم..أتوسل إليك ...إمسح الفيديو..لا أستطيع تحمل هذا.." نظر إليها ببرود ,عينيه لا تحملان أي تعاطف ,لكن داخله كان هناك شعور غريب,ذكره بدموعها في الليلة الماضية..تلك للحضة عندما رآها ترتجف وتهمس بإسم "مرتضى" وكأنها تحاول الفرار من كابوس.. ظل صامتا للحظة,يراقبها وهي تشهق بصمت,ثم نفذ دخان سيجارته ببطء,وقال بنبرة ساخرة : "البكاء مجددا..!! هل هذه طريقتك لحل مشاكلك دائما..." إرتجفت  أكثر,لكنها لم تجد ما ترد به,فقط أغمضت عينيها بقوة وكأنها تتوسل الصمت أن يبتلعها.. نظر آدم إلى وجهها المبلل بالدموع,ثم زفر بضيق,وكأنه إنزعج من هذا المشهد أكثر مما ينبغي ,للحظة لم يعد يتحمل رؤيتها بهذا الضعف... بلا تفكير إلتقط هاتفه بيده,قبض عليه بقوة حتى سمع صوت التهشم تحت أصابعه ثم ورماه بعيدا وكأنه شيئ تافه لا قيمة له.. تجمدت زينة في مكانها,شهقت دون وعي وهي ترى مافعله, رفعت عينيها المرتبكتين إليه وكأنها غير قادرة على تصديق أنه كسر هاتفه فقط ليمحو الفيديو..!! مسح على وجهه ثم قال بنبرة باردة: "الآن توقفي عن البكاء وركزي في عملك مفهوم..!! " هزت رأسها بسرعة,مسحت دموعها بكمها المرتجف,بينما لا تزال أنفاسها غير مستقرة,لكنها ورغم كل شيئ شعرت براحة غريبة,وكأنها خرجت من حفرة كادت أن تبتلعها.. وصلت السيارات إلى القلعة التي كانت تُهيمن على الهضبة، شامخة كوحش مرعب, كانت تطل على البحر الأبيض المتوسط، حيث كانت الأمواج تتلاطم بهدوء، بينما كانت الغابة الكثيفة التي تحيط بها تكاد تبتلع كل شيء في محيطها، بأشجارها التي تتشابك وتغطي كل زاوية من زوايا المكان. كان المشهد ساحرًا، لكنه ساحرٌ بشكل مختلف,جماله كان عميقًا، غامضًا، وكأن القلعة تحمل في قلبها أسرارًا مظلمة لا يريد أحد أن يكتشفها. زينة، التي كانت تراقب المكان بدهشة ممزوجة بالتوتر، كان قلبها ينبض بسرعةٍ غير مألوفة،  ماهذا المكان؟ تساءلت في نفسها، لكن ملامح وجهها كانت تعكس مشاعر أخرى، مشاعر من الخوف المتنكر في ثوب الاستغراب. كانت تنظر إلى الأرض، إلى السماء، إلى البحر، ولكن كانت عيناها تغرق في دوامة من التساؤلات. فتح الرجال الأبواب الضخمة للقلعة، والأصوات التي سمعتها زينة كانت متداخلة مع الرياح الباردة التي كانت تعصف من حولهم. وبينما كان أحدهم يفتح الباب لها، ارتجفت أطرافها، وعينيها تسارعت في البحث عن أي شيء يخفف من وطأة هذا الشعور الغريب  هنا، كانت المرأة الوحيدة وسط مجموعة ضخمة من الرجال، وكأنها شعرت بأنها ترتكب ذنبا جسدها كان يقاوم الخروج.. لكن عندما نظر إليها آدم بنظرة حادة، ارتبكت أكثر. كانت عينيه تلتهمانها. "كفي عن التصرف كأنك سجينة وأنا خطفتك،" قال آدم ببرود، وهو يطأ خطواته بثبات،وسحبها بقوة من السيارة.. "إذا كان رأسك ممتلئًا بالقصص السخيفة فسأنزعها وأحشوه بالواقع." لم يكن صوته يحتمل التردد، كانت الكلمات تنساب من فمه كالرصاص، موجعة، مفاجئة. شعرت زينة كما لو أن هناك شيئًا ثقيلًا يضغط على صدرها، فتبعت خطواته وهي تكاد تلامس الأرض وأغلق الرجال الباب خلفهما، كأنما أغلقوا عليها مصيرًا غير معروف. القاعات الداخلية للقلعة كانت مظلمة، مخيفة. جدرانها كانت تئن بصمت، وأجواؤها كانت تنبض بشيء غير مريح. شعرت زينة وكأنها دخلت إلى وكرٍ مملوء بالشر، مع كل خطوة كانت تخطوها. لكن لحظة دخولها إلى غرفة المعيشة جعلتها ترتعش أكثر.. أهذا مكان للعمل..!! "ما الذي يفعلونه هنا؟ وما هو عملي هنا؟" تساءلت في نفسها، وهي تشعر بندمٍ لا يوصف على إتخاذ قرار قبول الوظيفة,شعرت أن كل يوم تزيد غرقا في بركة من الوحل.. بينما كان آدم يضع مسدسه على الطاولة، كان قلبها يزداد ارتجافًا. ارتعدت أوصالها حين شعرت بنظراته التي كانت تراقبها عن كثب. لقد تعاملت مع مدراء من قبل, البدين الغاضب, والمتشدد القاسي وحتى النسوانجي المنافق لكن مثل آدم لم ترى أبدا...!! " سيد آدم أهذه شركة أين بقية الموظفين؟" قالت زينة بصوت خافت، لكن آدم كان قد سئم من ترددها. اقترب  ببرود من خزانة للمشروبات التي تحتل نصف مساحة القاعة وقال وهو يسكب كأسًا من الشراب: "هذا منزلي." كان صوت كلامه جافًا كالصخر، ولم يكن هناك أي أثر من العاطفة. زينة حاولت بلورت أفكارها في لحظة، ولكن كلماتها كانت عالقة في حلقها، فلا هي استطاعت أن تواصل سؤالها ولا هي استطاعت أن تهدأ. ثم نظر إليها آدم بنظرة فاحصة، كأنما يسترق النظر إلى أعماق روحها. "تلك العاهرة الشقراء، ألم تعلمك بما يجب أن تفعلي؟" وأضاف بنبرة آمره: "إجلسي." سقطت الكلمات الثقيلة على قلبها كما لو أنها قنبلة انفجرت فجأة. جلست، وعينيها تتجنبان النظر إلى آدم. كان عرقها يتصبب بغزارة، وجسدها كان يرتجف. ثم قالت بصوتٍ مهزوز: "ماذا، سيد آدم؟ ماذا تريدني أن أترجم لك؟" ضحك آدم ضحكة ساخرة وهو يرفع كأسه. كان يتأملها بكل شراسة، وكأنها مجرد قطعة من الأثاث في هذا المكان,أو حتى قطة صغيرة خائفة من المكان الجديد.. ثم نزع حزام سرواله ببطء، نظراته كانت تراقب رد فعلها، وكان يبتسم بتلك الابتسامة القاسية التي لم تدم طويلاً قبل أن تشعر زينة بشيء ينهار داخلها. انفجرت بالبكاء، ولم تستطع التحكم في دموعها: "سيد آدم، أقسم لست مثل فردوس! يبدو أنك أخذت فكرة خاطئة عني!" كانت دموعها تتساقط بغزارة، وكان ألمها يعتصر قلبها. حاولت أن تبرر نفسها، ولكن الكلمات كانت تكاد تخونها. "أقسم... أنا شريفة، ولست من ذلك النوع فردوس أيضًا ضحية ... أرجوك، دعني أذهب..." كان صوتها يرتجف مثل ورقة في مهب الريح. آدم كان يتأمل بكاءها، لكنه لم يظهر أي تعاطف بل اقترب منها، وعصر فكه بقوة، وكأنما كان يحاول كبح غضبه. "أتعتقدين أنني أريدك؟!" قالها بصوت غاضب، ثم ضحك بصوتٍ عالي، صاخب، مليء بالعنف. نظرت زينة إليه، وكأنها لم تستطع فهمه، ثم قال بصوتٍ حاد: "إمسحي دموعك." كانت كلماته كالسوط على جسدها، لكنها امسحت دموعها سريعًا واعتذرت قائلة: "آسفة، سيد آدم. آسفة، فهمت خطأ." لاحظ آدم خوفها الشديد من الرجال، وكان يفكر في الأمر لحظة. ثم قال بنبرة قاطعة: "استعدي، فسيأتي بعض الزوار قريبًا، وسترافقينني." اقترب آدم منها فجأة، فشعرت زينة بقلبها يخفق بشدة كما لو أن نبضاته ستهرب من صدرها.  نظر إليها بتلك النظرة الحادة التي جعلتها تشعر وكأنها مكشوفة أمامه، وكأن كل جزء من كيانها قد أصبح عرضة للتفحص. "قفي," أمرها بصوت جاف، مشيرًا إليها بحركة من يده. ترددت لحظة، ثم وقفت على مضض، عيناها تبحثان عن مخرج، لكنها لم تجد سوى المدى البعيد لعينيه. كان فارق الطول بينهما كبيرًا، وكان حضور آدم القوي، الذي يفرض هيبته في كل زاوية من المكان، يزداد وضوحًا. أما هي، فكانت تبدو صغيرة وهشة، كما لو كانت قطعة من الزجاج القابل للكسر بسهولة. كان المشهد وكأنها الجميلة وهو الوحش، فاصلاً بينهما حاجزًا من القوة والجاذبية، كما لو أن الزمن نفسه توقف للحظة ليتأمل هذا التباين بينهما. أخرج آدم الحزام الذي نزعه في وقت سابق، وأشار إليها به، قائلاً: "ارفعي معطفك، هذا حزامك.." رفضت زينة بلطف، وحاولت أن ترفع رأسها بكل كرامة، لكن الخوف كان يملأ كلماتها   "سأفعلها بنفسي... لكن، هل يمكنني إستخدام غرفة أخرى..." استغرب آدم، لكنه ابتسم، ابتسامة ساخرة، قبل أن  يستدير و يجيب قائلاً: " حسنا أعذرينا لم نرد التطفل على كنزك" كانت زينة تجهل ما الذي كان يقصده، لكنها شعرت بتلك الابتسامة تجرح كرامتها، رغم أنها كانت مجرد ابتسامة خفيفة. مع ذلك، تناولت الحزام بيدها المرتجفة، وحاولت ربطه حول خصرها  لكن، لدهشتها وجدت نفسها غير قادرة على فعل ذلك، كانت يديها ترتجفان.. مرت ثوانٍ ثقيلة،  آدم تأفف  قائلاً: "أسرعي، لا نملك وقتًا ,رفضتي المساعدة وأنت لا تجيدين حتى ربطه" مد يديه باسطا إياهما وكأنه يمنحها حلا...أو مساعدة..!! لكن زينة لم تكن تستطيع المضي قدمًا. كانت تشعر أن عينيه تراقبان كل حركة تقوم بها، وكل زلة في تصرفاتها كانت تصبح أكثر وضوحًا. حينها، صاحت : "أرجوك... أغمض عينيك إذن!" بحركة واحدة ربط لها الحزام..دون أن يلمس ولا جزء من جسدها.. كيف أمكنه  فعل ذلك دون النظر حتى..!! عندما انتهى, أعادت إنزال معطفها الواسع، لكن ضحكة آدم التي تلت ذلك كانت لاذعة " ماحاجته إذن وهو لا يحتوي على المسدس...!!" ارتبكت زينة، وظهرت على وجهها ملامح الاستفهام والقلق. "مسدس؟ لماذا؟" قالت بصوت يكاد يكون همسًا. رد آدم، وهو يرفع حاجبيه في استغراب: "لحمايتك." "ولكنني لن أستعمله، سيد آدم، أبعده عني، ماذا لو أصابتني رصاصة منه؟" قالت زينة بحذر، عيناها تملؤهما الخوف، وكأن مجرد فكرة المسدس كانت تغرقها في الاضطراب. ضحك آدم، لكن ضحكته كانت مليئة بالاستخفاف.. "لا يعمل بلمسة هواء أو احتكاك،  ألم تري مسدسًا في حياتك؟" قالت، وقد ارتفع صوتها بشيء من التوتر "لن أستعمله، لا أريده, ليس لدي أعداء... حتى أعدائي لا يستخدمونه..." كانت كلماتها صادقة، لكن سرعان ما تغيرت ملامح آدم، وحلت مكانها نظرة غاضبة مليئة بالقسوة "لا تجعلي دمي يغلي، وإلا، أنا من سأنفجر .. هيا، ضعيه في الحزام " آدم، الذي كان يتأملها بنظرة حادة، شعر في تلك اللحظة أن هذه الفتاة ربما كانت أغبى شخص رآه في حياته. كانت تحمل المسدس كما لو أنه قنبلة مضت لحظة من الصمت الثقيل، ثم قال آدم بلهجة شديدة: " لن تستعمليه لكن من أجل الإحتياط..." "سيد آدم، هل العمل خطير؟ ولماذا نحمل المسدسات؟" ضحك آدم ضحكة ساخرة كانت أشبه بالبرد الذي ينخر العظام، ثم أطلق كلمة واحدة كانت تنطق ببرد داخلي "أنا من عمله خطير، وكل من يدخل في لعبتي يكون مهدداً." تحولت ملامح وجهها إلى مزيج من الارتباك والخوف, لم تستطع إخفاء رعشة أصابتها، وكانت أطراف أصابعها ترتعش حين شدّت قبضتها دون أن تقصد. لاحظ آدم ارتعابها البادي على وجهها، حتى أنه لمح تلك النظرات الخائفة التي أصبحت تعكس حيرة قلبها في عينيها. وبينما هو يراقب التوتر الذي انعكس في وجهها، قال بصوت بارد لا يخلو من غموض: "لن يصيبك أذى أبداً... يمكنك أن تسألي من عملن قبلك... فقط لو أردتِ الأذى لنفسك، هذا شيء آخر." كلماته كانت قاطعة، لكنها تركت وراءها سحابة من التوجس في قلبها. لم يكن لديها القوة الكافية لطرح سؤال آخر أو مقاومة شبح الشك الذي بدأ يتسلل داخل عقلها بل، فهمت ما كان يقصده، لكنها فضلت الصمت. وفي تلك الأثناء، كان صوت  ينبعث من الخارج  حيث توقفت السيارات السوداء الفاخرة أمام المبنى خرج منها رجال ذوو هيبة، ذو سطوة وسلطة، مثل ظلال تعكس قوتها على الأرض. كان من بينهم رجال أعمال، سياسيون، وذوو مكانة واضحة، وكنت تستطيع أن تلاحظ كيف كانت هيبتهم تسيطر على كل خطوة من خطواتهم. صمت المكان لدقائق معدودة، وكأن الهواء نفسه كان يرتجف في صمت تام. رحب آدم بهؤلاء الضيوف بنفسه، بابتسامة لا تفارق وجهه، كان وجهه خالياً من أي تعبير يفضح ما يخبئه قلبه، بل كان يبدو وكأنه يخطط لشيء بعيداً عن أنظار الجميع... يتبع...