في عرين الذئب ج1
قراءة ممتعة 🍒🌸
_ما إن أغلق الباب وراءه حتى اندفعت فردوس نحو زينة، أمسكتها من ذراعها بقوة، عيناها المتسعتان تشعّان قلقًا، وصوتها ينضح بالفضول واللهفة:
ــ "ماذا حدث؟! ماذا تكلمتِ معه؟!"
ارتسمت الدهشة على ملامح زينة، تطلعت إليها بتعجب، فلم ترَ فردوس بهذه الهيئة من قبل... شاحبة، متوترة، وكأنها تحاول كبح موجة من الاضطراب. بصوت هادئ، تمتمت:
ــ "لا شيء... لم نتحدث...لماذا؟!"
أطلقت فردوس زفيرًا عميقًا، وكأن حملًا ثقيلًا قد أُزيح عن صدرها، ثم سرعان ما تبدّل التوتر إلى ابتسامة واسعة، استعادت نبرتها المعتادة وقالت بمكر:
ــ "إذاً، كيف هو؟ وسيم هذا الرجل الروسي، أليس كذلك؟"
احمرّت وجنتا زينة فورًا، فآدم لم يكن مجرد رجل وسيم... كان مختلفًا تمامًا عن أي شخص رأته في حياتها، وكأنه خرج من بين سطور الروايات أو من مشهد سينمائي ساحر. لكنها، وبحركة لا إرادية، استغفرت بصوت مسموع، محاولة طرد الأفكار التي بدأت تتسلل إلى عقلها.
قهقهت فردوس ساخرة، وعقدت ذراعيها قائلة:
ــ "هيا، لنجد لك مكانًا لتنامي فيه!"
لكن زينة، التي كانت لا تزال غارقة في أفكارها، أمسكت بيدها فجأة وقالت بقلق:
ــ "فردوس، ألم تقولي إنهم يوفرون مساكن للموظفين؟!"
رفعت فردوس حاجبها باستهزاء، ثم لوّحت بيدها بإهمال:
ــ "أها... هل أنتِ غبية أم ماذا؟! لم تبدئي العمل بعد، ناقشي ذلك مع مسؤول شؤون الموظفين غدًا!"
ثم أمسكت بمعصمها وسحبتها خارجًا، غير مبالية بالعيون التي كانت تتابعهما بنظرات فضولية، وأحاديث جانبية تكاد تكون همسات متشابكة. أما فردوس، تلك الشقراء ذات الحضور الطاغي، فلم تكترث، كما لو كانت معتادة على كونها محط الأنظار.
عندما ركبت السيارة، سنحت الفرصة لزينة أخيرًا للنظر حولها. كان المكان يعجّ بالرجال ببدلاتهم الرسمية، لكن عينيها انجذبتا بلا إرادة نحو شخص واحد... آدم.
كان يقف وسط مجموعة من الرجال الأقوياء، وكأنه ملك بين حراسه، هالة من السلطة والغموض تحيط به. لم تستطع منع نفسها من التفكير... أيمكن أن يكون هناك رجل بهذه الهيبة؟ كأنه أمير من حكاية قديمة، أو ملك في عالم لا ينتمي إليه أحد سواه.
"سيدي، سيدي... لقد نظفت عجلات السيارة، انظر!"
قال الرجل بخنوع، لكن آدم لم يكلّف نفسه حتى عناء النظر إليه، فقط قال بصوت بارد:
ــ "اجلب لي الـ BMW."
هزّ الرجل رأسه بطاعة، وركض سريعًا نحو المرآب. أما آدم، فتوجّه إلى مكتبه، عازمًا على استرجاع شيء كان قد نسيه هناك.
دخل إلى مكتبه الهادئ، الساعة قد تجاوزت السابعة مساءً. جلس على كرسيه، زفر ببطء وكأنه يحاول تفريغ توتره، ثم مدّ يده نحو كومة من الملفات المكدسة على الطاولة.
أمسك بأحد الملفات، وعندما وقعت عيناه على العنوان، زوى حاجبيه بملل:
ــ "ما هذه النفايات؟"
بدأ يتصفح الأوراق بلا اهتمام، جميعها تتحدث عن الوظائف السابقة لصاحبتها... حتى وصل إلى سيرتها الذاتية
الإسم واللقب :زينة حسيني...
سنة الميلاد : 25\03\ 2000
الطول :1.68
الشهادة الجامعية: شهادةالترجمة في اللغات الأجنبية فرنسية_ إنجليزية_ ألمانية_إسبانية
وفجأة عيناه توقفتا عند الصورة الموجودة في أعلى الاستمارة
شفتان مضمومتان في ابتسامة هادئة، وعيون واسعة كنظرة غزال، ملامح تجمع بين الحدة والسكينة... للحظة، شعر بشيء غريب يتسلل إلى صدره.
همس ساخرًا، وكأنه يسترجع صوتها حين كانت تتفاخر بمستواها التعليمي:
ــ "ههه... ومنذ متى يتحدث الغزال بكل هذا التفاخر أمامي؟!"
بلا اكتراث، رمى بالملف على الطاولة، وأسند ظهره بقوة على الكرسي، محدقًا في السقف. لكنه شعر بشيء تحت قدميه، فانحنى قليلًا وسحب حقيبة سوداء صغيرة.
ــ "ما هذا؟"
فتحها بفضول، ليجد بداخلها ملابس مطوية، بعض الأغراض الشخصية، صابون، فرشاة أسنان، وزجاجة عطر صغيرة وعندما مدّ يده ليرى محتوياتها جيدًا، لمس بأصابعه قماشًا ناعمًا... ملابس داخلية نسائية.
نظر إليها للحظة، ثم رفعها ببطء، مقربا إياها من أنفه مستنشقًا رائحتها. كان العطر بسيطًا، خليطًا بين الصابون وأزهار الطبيعة. للحظة، شعر بجاذبية غريبة تجاه تلك الرائحة... تجاه تلك القطعة الصغيرة التي تنتمي لصاحبتها.
ابتسم بسخرية، ثم أطلق ضحكة خافتة:
ــ "إنها ملابس ذلك الغزال... رائحة الطبيعة..آه"
*****************
ركنت فردوس السيارة أمام المنزل الفخم، وهبطت زينة، عيناها متسعتان بانبهار. نظرت إلى المبنى الراقي أمامها، بنوافذه الزجاجية الضخمة، وتصميمه الذي بدا وكأنه خرج من مشهد سينمائي.
ــ "هذا لا شيء أمام المنزل الذي أملكه في دبي"
قالت فردوس بغرور، لكن زينة تجاهلت تعليقها وأجابت بلطافة:
ــ "إنه جميل، فردوس "
دخلت إلى الداخل، وفي اللحظة التي رأت فيها الجدار الزجاجي المطل على المدينة، وجدت نفسها مدهوشة تمامًا، المشهد كان ساحرًا، يسرق الأنفاس.
مدّت يدها بحذر، وكأنها تخشى أن يسقط بها الزجاج. ضحكت فردوس بسخرية، قائلة:
ــ "لن يسقط بكِ، لا تخافي!"
احمرّت وجنتا زينة وشعرت بالإحراج، ثم جلست في الصالة العصرية، متمتمة بإعجاب:
ــ "منزلك جميل، فردوس...لم أرى مثله في حياتي..واو"
رمت فردوس حذاءها بعشوائية، وانهارت فوق الأريكة متذمرة، نفثت أنفاسها بضيق بينما أمالت رأسها للخلف، وكأنها تحاول التخلص من تعب يوم طويل. على الجانب الآخر، جلست زينة تحدق فيها بصمت، غارقة في شرود غريب، مما جعل فردوس ترفع حاجبًا ساخرة قبل أن تقطع الصمت بوقاحة:
- "ماذا؟ لمَ تنظرين إليّ هكذا؟!"
أفاقت زينة من شرودها، وارتسمت على وجهها ابتسامة دافئة قبل أن تخفض رأسها قليلًا وتهمس بحنين:
- "إنه المنزل الذي كنا نحلم به أنا وأنتِ عندما كنا صغارًا..."
لكن كلماتها لم تجد صدىً في نفس فردوس، فاكتفت بتثاؤب كسول قبل أن ترد بلامبالاة:
- "ماذا تريدين أن تأكلي لأطلب؟!"
- "أي شيء..."
في اللحظة التي أمسكت فيها فردوس هاتفها لطلب الطعام، شهقت زينة فجأة، واتسعت عيناها بصدمة قبل أن تهمس بفزع:
- "حقيبتي...!"
التفتت إليها فردوس بملل وقالت:
- "ما بكِ؟!"
نهضت زينة بسرعة، تتلفت حولها بقلق، ثم قالت بصوت مرتجف:
- "حقيبتي، فردوس...!! أين هي؟ أين وضعتها؟!"
أشارت إليها بلا اهتمام وردت ببرود:
- "هاه... وما أدراني أنا؟!"
تراجعت زينة خطوة إلى الخلف، واضعة يدها على جبهتها، وزفرت بضيق قبل أن تتمتم:
- "اللعنة... نسيتها في الشركة... في مكتب المدير..."
ضحكت فردوس بخفة، نظرت إليها بنظرة ساخرة قبل أن تلوّح بيدها بلا مبالاة:
- "ههه، لا تقلقي، ليست تحتوي على شيء مهم... اشتري ملابس جديدة فحسب!"
لكن زينة عضت شفتها بإحراج وقالت بحزم:
- "أشتري؟! لا، سأسترجعها غدًا!"
نهضت فردوس، سحبتها من معصمها نحو الحمام، وألقت عليها نظرة من رأسها إلى قدميها قبل أن تتأفف:
- "هيا، أدخلي واغسلي عنكِ غبار وعفن القرية... بما أنكِ موظفة في شركة مثل شركة السيد آدم، عليكِ الحفاظ على نظافتك!"
اعترضت زينة وهي تحاول التملص:
- "ألا يجب أن نأكل ق..."
لكن فردوس قاطعتها بضحكة ساخرة وهي تدفعها نحو الداخل:
- "استحمي أولًا! لا أتحمل رائحتك!"
وقفت زينة وسط الحمام، تتأمل المكان الواسع المزوّد بكل شيء... تنهدت بألم وهمست لنفسها:
- "لو كان لدينا في المنزل فقط ربع وسائل هذا الحمام..."
عندما خرجت، كانت فردوس قد رتّبت الطعام على الطاولة. وقفت فردوس للحضة مذهولة تعرف زينة منذ الطفولة، لكن ما رأته الآن جعلها تفتح عينيها بانبهار...
- "واو... فتاة القرية تبدو أجمل بكثير بشعر منسدل على كتفيها...ورقبة وكتفين عاريين"
احمرّ وجه زينة بخجل وقالت بصوت خافت:
- "فردوس... أعيريني ملابس..."
أشارت إليها فردوس بيدها وقالت وهي تتجه نحو غرفتها:
- "اتبعيني..."
دخلت زينة إلى الغرفة، واتسعت عيناها من الدهشة. كانت الغرفة واسعة بشكل مبالغ فيه، والخزانة العملاقة أمامها جعلتها تشعر للحظة وكأنها في متجر أزياء، أخرجت فردوس بيجامة، ناولتها إياها قائلة:
- "جففي شعركِ، استخدمي ما تريدين من كريمات ومرطبات، وأسرعي، الطعام سيبرد!"
ابتسمت زينة بامتنان وقالت بأدب:
- "شكرًا لكِ، فردوس..."
ما إن أغلقت الباب حتى ارتسمت على شفتي فردوس ابتسامة خبث، وتمتمت بسخرية:
- "غبية... كل هذا الجمال ولا تستغلينه في شيء..."
خرجت زينة بعد أن بدّلت ملابسها، لكنها توقفت فجأة عند الطاولة، قلبها انقبض حين وقعت عيناها على زجاجات الخمر المتراصة بين الأطباق... ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت حازم:
- "إنزعيها، لن آكل وهي على الطاولة..."
رفعت فردوس حاجبها مستغربة، ثم نظرت إليها بنصف عين قبل أن تنفجر ضاحكة:
- "ههه، عليكِ التعود، سترينها كثيرًا في عملك!"
لكن زينة جلست دون أن ترد، تحاول صرف نظرها عن الزجاجات، مستغفرة في قلبها، ثم تمتمت وهي تنظر إلى كمية الطعام الضخمة:
- "فردوس، لمَ كل هذا الطعام؟! أنا وأنتِ يكفينا طبق واحد فقط..."
ردّت الأخرى بحدة:
- "كُلي واسكتي!"
تناولتا الطعام في صمت، حتى قطعت فردوس الهدوء بسؤالها:
- "إذن... هل أنتِ متشوقة لعملك؟!"
ارتبكت زينة للحظة، ترددت قبل أن تجيب بصوت خافت:
- "لا أعلم... يبدو أن المدير لم يجد فيّ الخبرة المطلوبة... عندما عرضتُ عليه شهادتي ووظائفي السابقة، بدا غير مهتم..."
ارتسمت على وجه فردوس ابتسامة مكر قبل أن تهمس بنبرة ذات مغزى:
- "إنه بغيض نوعًا ما... لكنه صعب وقاسٍ ولا يرحم... رافقيه إلى أين يذهب, افعلي كل ما يأمركِ به!"
أومأت زينة برأسها، لكن علامات القلق لم تفارق وجهها، فسألت مترددة:
- "ألن يكون العمل داخل الشركة؟!"
قهقهت فردوس وأجابت:
- "ههه، لا... عليكِ مرافقته لأي مكان يحتاج فيه لترجمتكِ!"
ظهر التوتر جليًا على ملامح زينة، لكن فردوس لم تمنحها فرصة للتفكير، بل تابعت بلهجة ساخرة:
- "خائفة منه؟! زينة، آدم لن ينظر إليكِ أكثر من خادمة... أنتِ لا شيء في عالمه... إن أجمل الفتيات يفعلن المستحيل للفت انتباهه، فتاة قرية مثلك ليس لها أي مظهر جذاب، لن تجعله حتى..."
لكن زينة قاطعتها، عيناها تلمعان بحدة وهي تقول ببرود صارم:
- "ولا أنا مثل بقية النساء... أنا مؤمنة وأحافظ على شرفي وكرامتي وقيمي... لا أراه سوى أنه رب عملي، وهذا ما في رأسي... أنتِ فقط من تهلوسين بأفكار تافهة!"
ساد الصمت لثوانٍ، نظرت إليها فردوس طويلًا، وكأنها تقيّم كلماتها... ثم ابتسمت ابتسامة باهتة، ولم تقل شيئًا...
لم ترد فردوس على كلمات زينة مباشرة، بل ظلت تراقبها بنظرة فاحصة، وكأنها تتأمل شيئًا غامضًا في ملامحها. ثم، سحبت نفسًا عميقًا، وكأنها تقيم قرارًا في قلبها. أخيرًا، تحدثت بصوت منخفض، لكن حاد:
- "أنتِ تعتقدين أن هذا كافٍ؟ أن تكوني مؤمنة ومحافظة على شرفك وكرامتك فقط؟"
تجمدت زينة في مكانها، عيناها تتسعان قليلاً، بينما تساءلت في نفسها إن كانت فردوس تمارس لعبتها المعتادة، أم أن وراء كلامها شيئًا آخر. لكنها لم ترد، فقط ابتسمت بحذر، تجنبًا لمزيد من المواجهة.
"اعلمي فقط أن الحياة ليست فقط عن القيم التي تتمسكين بها. هناك جوانب أخرى كثيرة ستكتشفينها... خصوصًا في وظيفتك..."
تحدثت فردوس بكلماتٍ باردة، تحمل في طياتها تهديدًا مبطنًا، لكن زينة لم تتأثر أكثر من ذلك. قالت بخفوت، مع قليل من الاستهزاء في نبرتها:
- "إذا كان ما تقصدينه هو أنني يجب أن أتخلى عن مبادئي كي أحقق نجاحًا، فأنا أفضل الموت..."
وهنا، بدت فردوس وكأنها تفكر لحظة، ثم ضحكت ضحكة هادئة، وقد امتلأ وجهها بتعبير غير مكترث.
- "إذاً، ستبقين كما أنتِ، وستخسرين الكثير في هذه الرحلة... سيتطلب الأمر أكثر من مجرد إيمانك في هذا العالم."
ثم نظرت إلى الساعة، وأخذت نفسًا طويلًا، قبل أن تغير الموضوع فجأة، كأنها أرادت أن تبعد الجو المشحون.
"لنتوقف عن الحديث الآن,الطعام سيبرد كما لدينا الكثير لنفعله غدًا."
رفعت زينة حاجبها، لا تدري إذا كان كلام فردوس نوعًا من التحفيز أو مجرد مزحة مريرة. لكنها أدركت في تلك اللحظة أنها لا تملك سوى الانتظار والترقب لمعرفة حقيقة هذا العالم الذي دخلت فيه...
"القيم التي تشبعت بها لن تتزعزع، ولو كان الثمن غاليًا "
************
المكان:
قاعة اجتماعات سرّية تحت الأرض في موناكو، طاولتها من خشب الأبنوس، وإضاءتها خافتة، تسطع فقط على الوجوه.
الساعة: 11:00 مساءً.
في القاعة، جلس سبعة من أكبر رجال الأعمال الدوليين. أمريكي، إيطالي، لبناني، ألماني، مغربي، إماراتي، وبرازيلي.
كل منهم أمامه كأس ويسكي قديم الطراز..
ثم دخل آدم...
وقف أمام الطاولة، نظر إلى كل واحدٍ منهم بنظرة طويلة...
بذلته السوداء مع قميص بلون النبيذ، ساعته الذهبية، وصمته الثقيل... جعل القاعة ترتجف دون أن يتحرك أحد...
ثم قال بهدوء:
"أعلم أنكم تحبّون البترول…أحبه أيضا...طعمه لذيذ,لكن أحبه أكثر عندما أذيب به أجساد من يقفون في وجهي.."
رفع عينيه نحو الإيطالي:
"ماركو، تعلم أن شركتك في إفريقيا تحت الحماية الروسية، صحيح؟"
أجابه بخوف: "صحيح..."
"وروسيا لا تحمي من يخالف مصالح الذئاب..."
ثم التفت للبناني:
"طارق… ميناءك في بنغازي لا يزال في نطاقنا...سمعت أن لك يد في تفجيرات لبنان الأخيرة.."
وبدأ يمرّ على الجميع، الواحد تلو الآخر، يهمس بفضائح، بديون، بأسماء...
ثم قال:
"أنا لا أهدد… أنا أمد لكم يدي... أمامكم خياران: تقفون معي، فنقسم الأرباح مثل الإخوة… أو تدخلون المزاد، ولن تكون هناك مزادات أخرى في حياتكم.."
صمت، ثم رمقهم بنظرة أخيرة:
"تذكروا هذا: من يدخل الصحراء دون إذن الذئاب، لن يخرج منها حيا.."
تنفّس الألماني بقلق:
"ما المطلوب؟"
جلس، فتح حقيبته، وأخرج وثيقة شراكة مغرية:
"إنسحابُكم من المزاد، يجعلني اللاعب الوحيد… وحين أستحوذ على البئر، سأمنحكم أرباحًا أكثر مما تحلمون به… لكن ليس الآن، بل حين أقرر..."
سأل الإماراتي:
"لماذا نثق بك؟"
آدم أخرج هاتفه، ضغط زرًا…
وانفجرت سيارة في أحد موانئ إفريقيا، ظهرت صورها فورًا على الشاشة..
ثم قال بابتسامة خفيفة:
"لأن البديل... هو أن تثقوا بالقبر..."
أحنى الجميع رؤوسهم...
آدم (بصوت حاسم):
"الصفقة الزرقاء… ملك للذئاب..."
************
_استيقظت زينة على صوت المنبه، لكنه لم يكن السبب الحقيقي لفتح عينيها. شعور غريب من الترقب والخوف جعلها تستيقظ قبل أن يرن حتى. كانت الغرفة مظلمة بعض الشيء، ستائرها الثقيلة تحجب ضوء الصباح الرمادي. جلست على السرير، تتأمل السقف لوهلة، تستوعب أنها ليست في منزلها القديم، ليست في القرية، بل في قلب المدينة، حيث كل شيء مختلف، سريع، قاسٍ... وربما أخطر مما توقعت.
وقفت زينة أمام المرآة تتأمل مظهرها للحظات، ثم سحبت وشاحها الواسع وأحكمت تثبيته على رأسها، تاركة أطرافه تنسدل بانسيابية على كتفيها. كانت معتادة على ارتداء الحجاب بهذه الطريقة، بأسلوب مريح وأنيق في آنٍ واحد، لكنه كان مختلفًا تمامًا عن طبيعة الوظيفة الجديدة، وعن الجو الذي تعرف أنها ستواجهه في شركة السيد آدم. ومع ذلك، لم تتردد.
لكن ما إن استدارت لتأخذ حقيبتها حتى سمعت ضحكة قصيرة من خلفها، ضحكة مشوبة بالسخرية جعلت أناملها تنقبض تلقائيًا حول الحقيبة. استدارت ببطء لتجد فردوس واقفة عند الباب، تعقد ذراعيها أمام صدرها وعيناها تتأملان زينة بنظرة ممتزجة بين الاستهزاء والشفقة.
- "حقًا؟ هكذا ستذهبين؟" قالت فردوس، ثم أمالت رأسها قليلًا وكأنها تستوعب المشهد مجددًا. "يا إلهي، زينة... ما هذا؟ هل ستعملين أم ستذهبين إلى مسجد؟"
لم ترد زينة فورًا، بل اكتفت بالنظر إليها، تحاول ألا تظهر التأثر بكلماتها الجارحة. لكنها شعرت بالمرارة تتسلل إلى صدرها رغمًا عنها.
فردوس تقدمت نحوها بخطوات بطيئة، ثم وقفت أمامها مباشرةً وقالت بنبرة أكثر جدية:
- "استمعي إلي، سأكون صريحة معكِ... أنتِ في عالم مختلف الآن، شركة السيد آدم ليست مكانًا للمثالية ولا للأوهام. الناس هناك ليسوا مثل أهل قريتكِ، إنهم أقوياء، قساة، يعرفون كيف يتعاملون مع الفرص... وأنتِ؟ تبدين كأنكِ ستتعرضين للدهس في أول لحظة!"
أشارت إلى حجابها بإشارة سريعة، ثم أضافت:
- "هذا سيجعلكِ هدفًا، سيجعلكِ تبدين ضعيفة، غريبة... وكأنكِ لا تنتمين لهذا المكان."
زينة عضّت على شفتيها للحظة، تشعر بأن الغضب بدأ يتسلل إلى داخلها، لكنها لم تفقد هدوءها. رفعت رأسها بثبات، وعيناها التمعتا بإصرار.
- "أنا لا أبحث عن انتماء زائف، فردوس. وهذا... لا يجعلني ضعيفة، بل هو جزء مني، ولن أتنازل عنه."
رفعت فردوس حاجبيها بدهشة للحظة، وكأنها لم تتوقع هذا الرد الحازم. ثم ابتسمت ابتسامة جانبية، وهزت كتفيها بلا مبالاة.
- "كما تشائين... لكن لا تقولي لاحقًا إنني لم أحذرك."
***************
_كانت الرحلة إلى الشركة صامتة تقريبًا، باستثناء الموسيقى الصاخبة التي شغّلتها فردوس في السيارة، وكأنها أرادت بها أن تملأ الفراغ بينهما. زينة جلست بجوارها، تنظر من النافذة إلى المدينة الصاخبة، الأبراج العالية، والطرق المزدحمة التي بدت وكأنها لا تهدأ أبدًا. كان كل شيء هنا مختلفًا عن قريتها، أسرع، أقسى، وأقل احتواءً.
فردوس، التي كانت تمضغ علكة بنوع من التسلية، قطعت الصمت فجأة بضحكة ساخرة:
- "متوترة، أليس كذلك؟"
زينة لم ترد، فقط شدّت أصابعها حول حقيبتها في حجرها.
فردوس نظرت إليها بطرف عينها قبل أن تقول بنبرة خفيفة لكن ساخرة:
- "اسمعي، سأعطيكِ نصيحة أخيرة. لا تكوني غبية. هذا المكان لا يعترف بالضعفاء، ولا بالمثالية. أنتِ سكرتيرة السيد آدم، وهذا يعني أنكِ تحت سلطته المطلقة. لا تثيري غضبه، لا تجادليه، و... لا تحاولي أن تظهري بمبادئكِ أمامه، لأنه لن يكترث."
زينة التفتت إليها أخيرًا، عيناها ثابتتان، لا تحملان أي أثر للخوف، بل نوعًا من التحدي الهادئ:
- "أنا هنا لأعمل، فردوس. لا لأغير مبادئي، ولا لأتملق أحدًا."
رفعت فردوس حاجبيها بدهشة مصطنعة، ثم ضحكت وهي تهز رأسها:
- "كما تشائين، يا فتاة القرية لكن لا تقولي لاحقًا إنني لم أحذرك."
توقفت السيارة أمام المبنى الضخم، كانت الواجهة الزجاجية تعكس ضوء الشمس، والأبواب الدوارة تعج بالموظفين الذين يدخلون ويخرجون بسرعة. المكان بدا كعالم مختلف، عالم لا يعرف التباطؤ أو التردد.
زينة بلعت ريقها، شعرت للحظة أنها على وشك القفز إلى المجهول.
فردوس مالت نحوها وقالت بابتسامة جانبية:
- "حظًا موفقًا... ستحتاجينه."
ثم فتحت زينة الباب، ونزلت من السيارة بخطوات ثابتة، رغم أن قلبها كان يخفق بجنون. وقفت للحظة تتأمل المبنى أمامها، ثم زفرت بهدوء، وشدت حقيبتها على كتفها قبل أن تخطو إلى الداخل..
ما إن وطأت قدما زينة أرضية الشركة حتى شعرت بأنفاس المكان تتباطأ، وكأن الجميع توقفوا للحظة لمراقبتها. نظرات الموظفين تتابعت نحوها، بعضها كان عابرًا، وبعضها الآخر يحمل فضولًا خفيًا، لكن أكثرها كان يحمل شيئًا من الاستغراب.
لم تكن مثل باقي النساء هنا، هذا ما أدركته فورًا. كانت ترى الأناقة الصارخة في ملبس الموظفات، الكعب العالي، الشعر المصقول بعناية، وحتى العطور التي تملأ الهواء حولهن. أما هي، بحجابها الواسع وملابسها المحافظة، بدت كأنها قادمة من عالم آخر. شعرت ببعض التوتر، لكنها رفعت رأسها بثبات، متجاهلة كل تلك النظرات التي لم تخفَ عنها.
لم يطل صمت المكان كثيرًا، إذ سرعان ما تقدم رجل طويل، يكسو وجهه تعبير من الغرور الواضح. كان يرتدي بدلة أنيقة، وخطواته الواثقة تخبر الجميع بأنه ليس شخصًا عاديًا هنا. وقف أمامها، متفحصًا إياها من رأسها حتى قدميها بنظرة نقدية لم تحاول زينة حتى تحليلها.
- "أنتِ... السكرتيرة الجديدة؟" قالها بنبرة لم تخفَ منها نبرة الاستعلاء.
زينة حافظت على هدوئها، وأجابت باحترام دون أن تخفض عينيها:
- "نعم، اسمي زينة."
رفع حاجبه قليلًا، وكأن الاسم لم يهمه على الإطلاق، ثم أشار بإصبعه بطريقة آمرة نحو المصعد:
- "مكتب السيد آدم في الطابق العلوي تعرفينه على ما أعتقد, لا تضيعي الوقت، فهو لا يحب الانتظار."
ثم استدار عنها قبل أن تنبس ببنت شفة، وكأنه لم يجد في وجودها ما يستحق المزيد من الكلام. زينة قبضت على حقيبتها بقوة، ليس غضبًا، بل لإحكام سيطرتها على مشاعرها.
نظرت حولها، فرأت بعض الموظفات يتهامسن وينظرن إليها بنظرات خفية، وكأنهن يترقبن كيف ستتصرف. لكنها لم تمنحهن تلك المتعة، بل خطت بثبات نحو المصعد، مستعدة لمواجهة ثاني لقاء مع السيد آدم... الرجل الذي يخشاه الجميع هنا..!!
وقفت زينة أمام الباب الضخم، قلبها ينبض بقوة. رفعت يدها بتردد ثم طرقت الباب بلطف. انتظرت بضع ثوانٍ، لكن لم يجبها أحد. زفرت بصمت، ثم طرقت مجددًا، هذه المرة بصوت أعلى لا رد.
مدّت يدها إلى المقبض، ثم دفعته ببطء. الباب لم يكن مقفلًا. فتحت الباب على مهل، تسللت إلى الداخل بحذر، عيناها تجولان في المكان الفسيح.
كان المكتب فخمًا، يليق بشخصية نافذة. جدرانه مكسوة بخشب داكن، وسجادة فاخرة تغطي الأرضية، فيما احتل مكتب ضخم منتصف الغرفة، خلفه نافذة زجاجية ضخمة تطل على المدينة بأكملها. شعرت للحظة أنها دخلت عالمًا آخر، عالمًا مختلفًا عن كل ما عرفته من قبل.
لكن ما شد انتباهها حقًا لم يكن فخامة المكتب، بل الرجل الذي كان جالسًا خلفه، غارقًا في الأوراق التي أمامه، وكأنها غير موجودة.
كان آدم يجلس بظهر مستقيم، يضع يده على جبينه وكأنه متعمق في التفكير. لم يرفع عينيه نحوها، لم يُظهر أي إشارة إلى أنه لاحظ دخولها.
تقدمت خطوة، ثم قالت بصوت متردد:
- "سيدي، أنا زينة، السكرتيرة الجديدة."
لم يتحرك...
ازدردت ريقها، وشعرت بعدم الارتياح. هل سمعها؟ أم أنه يتجاهلها عمدًا؟ تقدمت خطوة أخرى، ثم قالت بنبرة أكثر وضوحًا:
- "لقد طَرَقت الباب، لكن لم يجبني أحد."
رفع آدم رأسه أخيرًا، ونظر إليها بنظرة باردة، وكأنه بالكاد يكترث لوجودها. عيناه الزرقواتان سكنت فيها للحظة، ثم قال بصوت منخفض لكنه حازم:
- "وهل تعلمتِ في قريتكِ أن تقتحمي الأبواب عندما لا يجيبكِ أحد؟"
تجمدت زينة في مكانها، شعرت بالإهانة، لكنها تماسكت بسرعة. كان هذا أول اختبار لها، وعليها ألا تُظهر ضعفها.
رفعت رأسها بثبات، ثم أجابت:
- "عذرًا، لكنني لم أجد خيارًا آخر. قيل لي أن عليّ الحضور فورًا، ولم أرد التأخير."
صمت آدم لثوانٍ، ثم ابتسم ابتسامة جانبية، لكنها لم تكن ودودة. بل كانت أشبه بابتسامة رجل قاسي..
- "جرأة غير متوقعة... حسنًا، لنرَ إن كانت ستفيدكِ هنا."
ثم أشار إلى الكرسي أمامه، وقال ببرود:
- "اجلسي."
"ترجمي هذه التقارير للغات الثلاث أريدها اليوم..."
كان ذلك أسلوب آدم، مباشرًا وقاسيًا، كأنه لا يتحدث مع إنسان بل مع آلة..
ابتلعت ريقها، وجلست لتباشر العمل. غاصت في الأوراق، وعيناها تتنقلان بين الحروف والكلمات كأنها تلتهمها بجوع قاتل. مرّت الساعات دون أن تنتبه، حتى أن آلام الجوع بدأت تخدش معدتها، لكنها تجاهلت ذلك، مدفوعة برغبة في إنهاء العمل دون أن تعطيه سببًا للانتقاد.
حين أنهت مهمتها أخيرًا، أمسكت الملفات بيد متعبة، وسارت نحو قاعة الاجتماعات. صوت رجال يتحدثون بنبرات واثقة وحادة اخترقت أذنيها، فترددت عند الباب، ثم استجمعت شجاعتها ودقت بخفة.
لا إجابة.
ترددت، ولكنها لم تكن تملك خيارًا آخر. دفعت الباب ببطء، ووقفت عند العتبة. رائحة السيجار والمكاتب الخشبية الفاخرة اختلطت برهبة الموقف...
في وسط القاعة، حيث سلطته تفرض نفسها بصمت، جلس آدم على رأس الطاولة، متكئًا للخلف ببرود متعمد. كان كرسيه الجلدي الفخم يعكس سطوته، وعيناه الفولاذيتان، المطفأتان من أي مشاعر، ارتفعتا ببطء حين قُطعت هيمنة صوته بقدوم غير متوقع.
وقف الزمن لثوانٍ...
ارتفع حاجبه بالكاد، بالكاد اعتراف بوجود المتطفلة التي تسللت إلى اجتماعه.
- "ماذا؟"
نبرة صوته جاءت كحد السكين، باردة، قاطعة، خالية من أي تفاعل بشري.
زينة، التي كانت تتجمد بالفعل تحت نظرات الجميع، شعرت بجسدها يصرخ: اهربي, لكن قدماها لم تستمعا، كانتا تمضيان رغم الخوف، رغم العيون التي حفرت فيها اتهامًا غير منطوق، وكأنها ارتكبت جريمة لا تُغتفر.
وحين اقتربت بما يكفي، جمعت شجاعتها المرتجفة، ومدت يديها لتضع الملفات أمامه، لكن...
تعثرٌ، هواء يندفع من رئتيها، ثم سقوطٌ مدوٍّ-ولكن ليس على الأرض.
في حجره.
انحبست أنفاس الجميع.
صمت ثقيل سقط فوق القاعة، كأن الزمن قرر أن يجمد المشهد في لحظة عبثية لا يمكن محوها.
رفعت رأسها ببطء، والذعر يحرق عروقها. أنفاسها متلاحقة، عيناها واسعتان، وكأنهما تحاولان استيعاب الموقف المستحيل الذي وجدت نفسها فيه.
كان وجهه على بعد أنفاسٍ منها قريب... أقرب مما يجب.
آدم لم يتحرك. بقي جالسًا، ظهره مشدود، أنفاسه ثقيلة بالكاد تُسمع، لكن عينيه... عيناه كانت عاصفة من الظلام، عميقة، ساحقة، ومليئة بجمود قاتل.
شفاهه، المشدودة بإحكام، ارتجفت في ازدراء قبل أن يزفر ببطء، همسه جاء كطعنة في الأجواء المشحونة:
- "أهذه طريقة جديدة لتقديم التقارير؟"
الدم تجمد في عروقها.
شعرت أن عقلها توقف، لا أفكار، لا مبررات، فقط قلبها الذي ضرب صدرها بجنون. أسرعت إلى الخلف، تراجعت بلهفة كأنها تحاول الهروب من دائرة ناره، وجهها احترق بلهيب خجل مدمر، وتمتمت اعتذارًا غير مفهوم قبل أن تهرب من القاعة وكأن أنفاسها لن تعود إليها أبدًا.
"اللعنة عليك زينة...أين جلستي.. !! " تمتمت وهي تركض بدون وعي..
إحدى الموظفات، طويلة، أنيقة، شعرها الأسود ينسدل بانسيابية فوق كتفيها، أمالت رأسها وهي تتمعن في زينة كما لو كانت حشرة علقت في غير مكانها.
- "إذًا، هذه هي السكرتيرة والمترجمة الجديدة؟ تبدين كخادمة أكثر من موظفة!"
ضحكات خافتة ترددت حولها، كأن المكان كله تواطأ ضدها.
زينة لم ترد لم تستطع وهي تتذكر الموقف الذي حدث, خفضت رأسها، وأكملت طريقها، لكن شيئًا في داخلها بدأ ينهار
في الكافتيريا، حيث تجد كل أنواع الطعام والضحكات تتردد بلا هموم، ظنت زينة أن بإمكانها أن تستريح وتنسى ما مرت به, رأت الجميع يأخذون طعامهم دون أن يدفعوا، فافترضت أنه مجاني.
لكنها لم تكد تأخذ لقمتها الأولى، حتى جاءها صوت بارد:
- "عذرًا، عليكِ الدفع أولًا."
جمدها الحرج نظرت حولها، العيون كانت عليها. شعرت كأنها طفلة صغيرة، غريبة وسط عالم لا يخصها.
- "أنا آسفة... لم أكن أعلم...لكن أيمكنكي ان تخبريني بالسعر "
أجابت النادلة : تسع مئة..
" تسع ماذا..." أطلقت صيحة صغيرة مدهوشة
وضعت الصينية جانبًا وغادرت بسرعة، اللكن الإهانة كانت أكثر مرارة من الجوع.
في الحديقة الخلفية، جلست على العشب، أخرجت علبة صغيرة من البسكويت من حقيبتها، وبدأت تأكل بصمت.
حتى شعرت بشيء يتحرك بجانبها.
قطة صغيرة، تتسلل بهدوء، تنظر إليها بعينين واسعتين، جائعة مثلها.
رغم كل شيء، ابتسمت. كسرت قطعة من البسكويت ومدتها للقطة، التي راحت تلتهمها بجوع واضح.
"جائعة يا قطتي.. هاذا ما أملكه.."
كانت لحظة هادئة، جميلة في بساطتها، لكن زينة لم تكن تعلم أن هناك من يراقبها.
في مكتبه، وقف آدم أمام النافذة، هاتفه في يده، لكن انتباهه لم يكن مع المكالمة.
كان يراقب الفتاة في الأسفل، تلك التي لم يكن يجب أن تثير اهتمامه.
- " قطة تعطم قطة..هاه؟"
همس بسخرية، لكن داخله، شعر بانزعاج غير مبرر..
لم تنتهي معاناة زينة في يومها الأول من العمل
فعندما سألت عن مكان إقامة الموظفين، جاءها الرد ببرود:
- "كل الأماكن ممتلئة."
تجمدت لم تعرف ماذا تفعل. حاولت الاتصال بفردوس، لكن لا إجابة. حاولت مرة أخرى... ولا رد.
شيء ما في داخلها بدأ ينهار.
عادت إلى الحديقة الخلفية، جلست هناك، احتضنت نفسها، والدموع تسللت بلا صوت.
عندما حلّ الليل، كانت ما تزال هناك..
"عواقب رفض مساعدة فردوس..أنظر الآن إنتهى بي الأمر نائمة في العراء أيمكن أن يحدث أسوء من هذا...!! "
متكومة على نفسها، نائمة على الكرسي الخشبي، كطفلة ضائعة...
آدم لم يكن يتوقع هذا المشهد.
وقف في الظلام، يراقبها بصمت. كان بإمكانه أن يدير ظهره ويمضي، لكنها بدت... صغيرة جدًا. ضعيفة جدًا.
لعن نفسه بصمت، لكنه اقترب.
في لحظة خاطفة، انحنى وحملها بين ذراعيه.
كانت ثقيلة نوعا ما...ولكن الكهربة التي إجتاحت جسده عندما لامس جسدها...بدت صاعقة,ليست المرة الأولى التي يلمس فيها إمرأة...ولكن هذه المرة بدت غريبة..
كأنه الفضول..!!
في مكتبه، وضعها على الأريكة الجلدية، وسحب غطاءً ليغطيها.
لكنه لم يغادر فورًا.
وقف هناك، ينظر إليها... كانت نائمة، وجهها شاحب، تنفسها هادئ.
مدّ يده بلا وعي، لمس خدها البارد برفق، شعور غريب غمره، إحساس لم يعهده.
لكنه سرعان ما استعاد بروده، تراجع للخلف، وأغلق الباب خلفه..
****
المكان : فندق " الربيع"
الساعة : 22.00
_بشعرها الذي يسبح في الهواء وحذاءها الذي أصدر نغمات متتابعة إقتحمت الفندق..
فردوس..
هبت موظفة الإستقبال نحوها, لكن من سيمنع شخص تمرد على القيم ولايوجد للحياء في قاموسه أن يخطو خطوة أينما أراد..!!
كان جالسا في الحديقة, حاسوبه بين يديه مشغول مؤخرًا بأعمال العصابة..
حتى إقتحمت هدوءه.
"أوه..كم أعشق الرجل المثقف..إنه يجعلني أرتعش وكأنني مكشوفة أمامه.."
دون أن يرفع عينه ويراها رد مروان بكل برود :
"ماذا تريدين..أخبرتك لن أتزوجك.."
ضحكت بخفة وجلست بقربه ..
" مروان..جميل أن نتشارك أنا وأنت بعض الأسرار.."
نظر إليها بغرابة وتأفف,فردوس أينما حلت, حلت الفتن..
" تخيل...آدم عثر على مترجمة..ولم يشاركم الخبر.."
"مادخلي فيه.."
"هااا...بالطبع...لكن مترجمته ليست من أفراد العصابة.."
" إذن فليناقش الأمر مع الزعيم..إسمعي لا أريد أية مشاكل مع آدم...كما ترين يكفي أنني أتحملك.."
تنهدت و بإبتسامة شر واضحة همست:
" آدم يأخذ كل شيئ منكم أليس كذلك..رغم أصوله المزدوجة وعدم نقاء دمه كما تقولون..رغم ذلك مرشح للزعامة وبقوة.."
أغلق حاسوبه بقوة وإرتسمت على محياه ملامح الغضب..
لكن هدفها هي..كام واضحا..
إثارة غيرته..
*************
كانت الساعة تشير إلى منتصف الليل..
_وقف آدم أمام الحائط الزجاجي، يراقب المدينة التي لم تنم بعد، أضواؤها تومض كنجوم هبطت إلى الأرض، بينما تصاعد دخان سيجارته الفاخرة ببطء، يختلط بالهواء من حوله. كان عقله غارقًا في أفكاره، صفقاته، تحركات أعدائه، وكل شيء يجري كما خطط... لكن هدوء اللحظة لم يدم طويلًا.
من خلفه، جاء صوت خافت، كأن صاحبه يحاول الهروب من كابوس ثقيل:
"مرتضى... ابتعد عني... أرجوك..."
تجمد للحظة، ثم التفت ببطء، حاجبه ينعقد باستغراب.
زينة... كانت تتكلم في نومها.
لم يكن هذا ما توقعه حين أتى ليأخذ أحد ملفاته, نظر إليها، كانت تتلوى في مكانها، جبينها يتعرق رغم برودة الجو، وصدرها يعلو ويهبط بأنفاس مضطربة. حتى في نومها، كانت ترتجف وكأنها تهرب من شيء لا يستطيع أحد رؤيته سواها.
ثم، فجأة، انتفضت من مكانها كأنها طُعنت بخنجر غير مرئي، جلست بسرعة وهي تصيح، صوتها محمّل برعب خام:
"مرتضى! ابتعد عني!"
لم يحرّك آدم ساكنًا، فقط رمقها ببرود وهو يأخذ نفسًا عميقًا من سيجارته، ثم زفر الدخان ببطء وهو يتمتم ساخرًا:
- " مابك يا غزالة... من هذا أيضًا؟"
كانت زينة لا تزال في عالم الأحلام، عيناها نصف مفتوحتين، تتنفس بصعوبة، وكأنها لم تستيقظ بالكامل. ثم، وكأنها ترد على سؤاله دون وعي، تمتمت بصوت خافت:
- "مرتضى... ابن عمي... إنه شخص سيئ... ليته يموت."
ثم سقطت مرة أخرى في النوم، وكأن جسدها لم يعد يتحمل المزيد من الذكريات.
أما آدم، فبقي ينظر إليها بدهشة نادرة... نادرة جدًا بالنسبة له. لم يكن يتوقع أن يسمع منها شيئًا كهاذا.. في لحظة غيابها عن الوعي، تمنت موت شخص ما.
شعر بعدم ارتياح غريب... إحساس لم يعرف سببه.
أطفأ سيجارته في المنفضة، ثم اقترب منها ببطء، انحنى قليلًا ونظر إلى وجهها. كانت لا تزال شاحبة، لكن ملامحها حملت حزنًا خفيًا، خوفًا متجذرًا في أعماقها.
مرتضى... من يكون هذا؟
نهض آدم وأدار ظهره، عاد إلى نافذته الزجاجية، لكن عقله ظل عالقًا في الاسم، في الدمعتين اللتين نزلتا بصمت، في الارتجاف الذي لم يكن مجرد برودة جو...
لم يكن يفهم لماذا، لكن شيئًا في داخله أخبره أن هذا الاسم... قد آذى الغزالة
**************
_استفاقت زينة على ملمس دافئ يلف جسدها...
بطانية؟
فتحت عينيها ببطء، تطلعت حولها بذهن مشتت. الجدران الواسعة، الأثاث الفاخر، الطاولة الأنيقة التي استقر عليها فنجان قهوة... هذا لم يكن المكان الذي نامت فيه.
كيف وصلت إلى هنا؟
جلست بسرعة، نبضات قلبها تتسارع، عقلها يحاول استيعاب ما يحدث. آخر ما تتذكره أنها كانت نائمة على الكرسي الخشبي، فكيف انتهى بها الأمر على أريكة ناعمة، في مكتب فخم؟
نظرت إلى جانبها، فوجدت حقيبتها موضوعة بعناية.
إذن، لم تكن تحلم.
لكن من فعل هذا؟ ومن وضع تلك البطانية عليها؟
حاولت إبعاد الأفكار عن رأسها، لكنها لم تستطع تجاهل الفنجان الدافئ بجوارها، وكأن أحدهم تركه لها خصيصًا.
فردوس؟
نهضت بسرعة، تحركت بخطوات قلقة نحو الحمام الصغير داخل المكتب. نظرت إلى انعكاسها في المرآة، عيناها متورمتان قليلًا، آثار التعب واضحة على وجهها، لكن لا وقت للتفكير في هذا الآن. غسلت وجهها، فرّشت أسنانها، ثم عادت إلى الغرفة، متأكدة من أن الباب مغلق بإحكام قبل أن تبدأ في تغيير ملابسها.
لكنها لم تكن تعلم أن هناك عينين تراقبانها.
_في غرفة المراقبة، حيث الشاشات تعرض كل زاوية من المبنى، كان هناك مشهد لم يكن يجب أن يُرى.
كاميرا صغيرة في زاوية المكتب، تعكس صورتها وهي تخلع حجابها، ظهرها العاري ينكشف للحظة قبل أن تسحب قميصها بسرعة.
وفي تلك اللحظة، وقع بصر آدم على الشاشة.
تجمد في مكانه، أصابعه تصلبت على الطاولة، فكّه انقبض، وشيء مظلم ارتسم في عينيه الرماديتين. لم يكن ينوي النظر، لكنه وجد نفسه عاجزًا عن صرف عينيه، وكأن شيئًا ما يقيّده، يشده نحو هذا المشهد غير المتوقع.
ثم دخل أحد موظفي الأمن.
- "سيدي، هل تحتاج شيئًا من هنا؟"
كان مجرد سؤال عادي، لكنه كان كافيًا ليشعل فتيل الغضب.
تحولت نظرات آدم ببطء نحو الرجل، عيناه كانتا حادتين كالنصل، باردتين بجمود جليدي.
ثم، وبحركة مباغتة، أمسك بالكرسي القريب ورماه بقوة نحو الشاشة التي تعكس مكتبه!
تحطم الزجاج، انطفأت الصورة، وارتد الرجل إلى الخلف مرتعبًا، عيناه متسعتان من الصدمة.
- "مكتبي... لماذا يتم مراقبته؟"
صوته لم يكن مرتفعًا، لكنه حمل من القوة ما جعل الهواء في الغرفة يبرد فجأة.
ارتبك المسؤول، التوتر بدأ يتسلل إلى وجهه وهو يتمتم:
- "س-سيدي... أنت أمرتنا بذلك... لمراقبة نائب المدير كما طلبت..."
تذكر آدم، نعم... لقد أمر بتركيب الكاميرات لمراقبة تحركات بعض الأشخاص، لكنه لم يكن يستخدم مكتبه مؤخرًا إلا نادرًا. لم يكن هذا ليحدث، لم يكن يجب أن يحدث.
شعور غريب زحف إلى داخله، إحساس لم يعرف اسمه، لكنه لم يكن يرتاح له. لم يقل شيئًا، فقط استدار بخطوات ثقيلة، كأنها تحمل شيئًا لم يكن يعرف كيف يتعامل معه,ولا تزال صورة الفتاة بين عينيه..
وقبل أن يغادر، زمجر بينه وبين نفسه، بصوت بالكاد يُسمع:
"غبية... ماذا لو رآها أحد آخر؟"
الكاتبة ( أنت حلال عليك والباقي حرام عليهم يا سيد آدم 🥴)
يتبع...