الصديقتان - القرار الأخير.. - بقلم Rafif006 | روايتك

اسم الرواية: الصديقتان
المؤلف / الكاتب: Rafif006
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: القرار الأخير..

القرار الأخير..

قراءة ممتعة 🌸🍒 __مع أول خيوط الصباح، كان الضوء يتسلل من النافذة كأنه يحاول أن يلامس قلب زينة المظلم، لكن شعورها كان أبعد ما يكون عن النور, عيناها مثقلتان بالسهر، تحدقان في الفراغ، وكأنهما لا يزلان تحت تأثير الصدمة.. "هل كان ما حدث ليلة البارحة حقيقياً؟" سؤال يتردد في أعماقها، لكن كل ما في جسدها كان شاهداً صامتاً على تلك الليلة الملعونة آثار اللمسات الثقيلة ما زالت محفورة في جلدها، كأنها لعنة تأبى الزوال... بخطى بطيئة، بالكاد تحرك ساقيها، توجهت إلى الحمام وجهها شاحب كوجوه الموتى، وعيناها فارغتان من أي بريق لم تأبه ببرودة البلاط تحت قدميها العاريتين، ولا بالماء البارد كالجليد, أخذت تغرفه بيديها المرتجفتين وتسكبه على جسدها بعنف، كأنما تحاول أن تغسل ذنباً لم ترتكبه لكن الماء البارد لم يكن كافياً، لم يصل إلى أعماقها، لم يطفئ الشعور بالنجاسة الذي ينهش روحها. كان جسدها يرتجف أكثر فأكثر، حتى بدأ لون بشرتها يميل إلى الأزرق، وحرارتها تنخفض كأنما الحياة تغادرها تدريجياً. قدماها خانتاها، وسقطت على الأرض، وارتطم الدلو بصوت مدوٍّ جلست هناك، متكومة على نفسها، تلوم جسدها وكأنه كان السبب. احتضنت ركبتيها بقوة حتى جرحت أصابعها بشرتها، وكأنها تحاول أن تُخرج الألم من أعماقها بالقوة. "إلهي... إلهي... خذ روحي وأرحني.." أغلقت فمها لكي لا يسمعها أحد ولكن جلد نفسها باللوم كان واضحت " ليتني إحترقت ولم أتعرض لهذا...إلاهي !" مسحت دموعها بيد مرتجفة، ثم أخذت نفساً عميقاً، محاولةً أن تُطفئ النار التي تحرقها من الداخل. أفكارها كانت تتصارع، كيف ستخبر أحداً؟ وكيف ستتحمل نظرات الاتهام التي ستلاحقها؟ "إذا سمعوا بما حدث..." كانت كلماتها تختنق في حلقها صوت عمها كان يتردد في ذهنها: "شرف العائلة خط أحمر!" هي تعرفه جيداً، تعرف أن الكارثة لن تكون في ما حدث، بل في العواقب التي ستفرضها العائلة سيتحول كل شيء إلى تهمة تطاردها، وبدلاً من أن تنال العدالة، قد تُجبر على الزواج من مرتضى، ليغلقوا الملف ويعيدوا بناء جدران تحفظهم. قررت زينة في تلك اللحظة، رغم الألم الذي يمزقها، أن تصمت ,قررت أن تدفن الحكاية في قلبها، مهما اشتعلت النيران داخله. فهي تعرف أن الإفصاح لن يجلب لها سوى المزيد من الجروح... والمزيد من القيود.                                 **** _هدأ الجو بشكل غريب بعد حادثة السارق, عادل الذي نجح في سرقة المجوهرات، بدا وكأنه قد ألقى بحمل ثقيل عن كاهله، بينما مرتضى، الذي فشل في سرقة ما لا يحل له، اختفى عن الأنظار. كان الصمت يخيم على المنزل، لكن فاطمة استشعرت أن شيئًا ما لم يكن على ما يرام. زوجها، ومنذ عودتهم البارحة من منزل السيد أحمد، كان هادئًا أكثر من اللازم. عيناه لا تعكسان القلق المعتاد، بل كان فيهما بريق مختلف.. لكن الغرابة لم تتوقف عنده، فقد كانت تتجلى في تصرفات ابنتها زينة أيضًا نظراتها كانت حائرة، وكأنها تحمل سرًا يثقل صدرها كانت تفتح فمها لتتكلم، ثم تتراجع في آخر لحظة، تعلو شفتيها ابتسامة زائفة لا تمت للراحة بصلة. في ذلك اليوم، عادت فاطمة من عملها كالمعتاد، مارست أنشطتها اليومية دون تغيير. وحين اجتمعت العائلة حول المائدة، بدا المشهد طبيعيًا، أو هكذا أرادت أن تصدق كانت تحاول أن تخلق حديثًا بينهم، أن تكسر هذا الجمود الذي سكن البيت دون سابق إنذار. قالت، وهي تحاول إشراك ابنتها في الحوار: - "زينة، التقيت منى اليوم، سلمت عليك، وقالت أنها ستمر عليك في هذه الأيام." ابتسمت الفتاة، لكنها لم تكن تلك الابتسامة الدافئة التي اعتادت عليها والدتها، بل ابتسامة تحمل شيئًا من المرارة،ردّت بصوت خافت: - "مرحبًا بها..." ثم، وكأنها تحاول أن تبث الحياة في الأجواء، وجهت حديثها نحو زوجها - "عادل... كم تبقى من الديون علينا؟" كان الرجل شارداً، غارقًا في أفكاره، حتى أنه احتاج للحظات حتى يستوعب السؤال. رفع رأسه ببطء وقال بصوت أجشّ: - "مئة ألف دولار..." تنهدت فاطمة، ثم قالت، كأنها تفكر بصوت عالٍ: - "سأطلب سلفية من السيدة رحمة... أن نكون مديونين لأناس محترمين خيرٌ من أن نكون تحت رحمة البلطجية..." عندها، وكأن اسم "رحمة" لسع وعيه، بلع عادل ريقه بصعوبة تجمد لثانية قبل أن يقطّب حاجبيه ويقول بصوت منخفض لكنه حاسم: - "لا تتديني منها..." استغربت فاطمة ، عقدت حاجبيها وقالت متسائلة: - "لماذا؟" لم يجبها، بل فجأة، وبحركة عصبية، ضرب الطاولة بقبضته وقال بصوت مرتفع: - "قلت لا يعني لا!" ساد صمت ثقيل في الغرفة كانت أنفاس فاطمة تتسارع، وشعرت بأن شيئًا ما كان يُخفيه عادل، رفعت يديها مستسلمة وقالت بهدوء مصطنع: - "حسنًا... لن أتدين لا داعي لأن تغضب." أراد أن يهرب من نظراتها التي تطارده، فمد يده إلى جهاز التحكم عن بُعد، وضغط زر تشغيل التلفاز. انتقل بسرعة بين القنوات حتى استقر على قناة إخبارية، ثم رفع الصوت إلى أقصى حد، كأنما يريد أن يغرق الجميع في الضوضاء حتى لا يفتح أحدٌ فمه بسؤال. ظهر المذيع على الشاشة وهو يتحدث بصوت رتيب: - "أشرف اليوم وزير التهيئة والعمران على افتتاح أكبر منتجع سياحي في البلاد وهو الثاني في سلسلة المنتجعات التي سيقوم بتدشينها، حيث أكد على أهمية هذه المشاريع في دعم الاقتصاد الوطني وتوفير فرص عمل للشباب الطموح...كما أعلن عن إستشمار ضخم بدعم من وزارة الثقافة سيدشن قريبا في جنوب البلاد من أجل تعزيز مكانة البلاد.." ضحك عادل بسخرية، خفض الصوت قليلًا وقال بنبرة مشبعة بالمرارة: - "هاه... كلهم سارقون... تتاح لهم فرص نهب البلاد تحت غطاء التنمية، يسرقون ما يجب أن يكون لنا..." دُق الباب بعنف... تقدمت العجوز ببطء ما إن فتحت الباب حتى تجمدت في مكانها,أمامها وقف رجال الشرطة، وجوههم جامدة، نظراتهم باردة ... "نبحث عن عادل..." قالها أحد الضباط بصوت خالٍ من أي مشاعر.. ارتبكت العجوز، تلعثمت الكلمات على لسانها، لكنها لم تستطع إخفاء الرعب في ملامحها: "عادل؟ ابني؟ ماذا هناك؟" قبل أن تنبس بمزيد من الكلمات، ظهر عادل خلفها، وجهه شاحب كالموتى، عيناه متسعتان بذهول وارتباك ,وقف للحظة، وكأن الزمن توقف عنده. كان يعلم أن ما هرب منه قد لحق به أخيرًا. تابع الضابط، نبرة صوته أكثر حدة هذه المرة: "عادل، نحن هنا للتحقيق في سرقة ذهب من منزل السيد أحمد....لدينا شهود وأدلة تشير إلى تورطك في الحادثة..." تجمدت الكلمات في حلق فاطمة، وكأنها لم تصدق ما تسمعه.. نظرت إلى زوجها بعيون مليئة بالصدمة والإنكار، بحثت في ملامحه عن أي إشارة تدحض هذه التهمة، عن أي شيء يخبرها أن الشرطة مخطئة. "قل لهم إنهم مخطئون!" صرخت، صوتها مختنق بالرعب. "قل لهم إنك لم تفعل شيئًا، عادل!" لكن عادل لم ينطق على الفور، فقط خفض رأسه، وتنهد ببطء كان يعلم أن هذا اليوم سيأتي كان يعرف أن الكذب الآن لن ينقذه. حاول رغم ذلك أن يتماسك، أن يستعيد بعضًا من رباطة جأشه، فقال بصوت مهزوز: "لماذا تتهمونني؟ لم أرتكب أي شيء." لكن الضابط لم يبدُ مهتمًا بإنكاره، وأشار لرجاله: "فتشوا المنزل." انتشر رجال الشرطة في أنحاء المنزل، قلبوا كل شيء الغرف، الخزائن، الزوايا بحثوا في كل مكان، لكنهم لم يجدوا مبتغاهم.. عندما أنهوا التفتيش، عاد الضابط إلى عادل، نظر إليه بعينين تضيئهما المعرفة وقال بصرامة: "أين الذهب؟ نعلم أنك أخذته... إذا أردت أن تخفف عن نفسك، عليك أن تخبرنا الحقيقة." ساد الصمت... الجميع كان يحدق بعادل مترقبًا جوابه أمه التي كانت دموعها تتساقط بصمت، زوجته فاطمة التي شعرت أن قلبها يوشك على الانفجار، وابنته زينة، التي كانت واقفة بلا حول ولا قوة، عيناها تترجاه، تتوسلان إليه أن ينكر. "أبي... قل أنك لم تفعل... قل إنهم مخطئون..." وهنا، انهار عادل أخيرًا. رفع يديه مستسلمًا، نظر إلى الأرض، لم يستطع مواجهة أعينهم، ثم قال بصوت بالكاد يُسمع: "لم يعد الذهب معي... سلمته لمحصلي الديون." كانت كلماته كالصاعقة... شهقت والدته، فاختل توازنها وسقطت مغشيًا عليها, هرعت زينة إليها بفزع، بينما تراجعت فاطمة إلى الخلف، وكأنها تلقت صفعة قوية... شعرت بأن روحها تتمزق، بالكاد استطاعت أن تهمس، بصوت مكسور: "محصلي الديون؟ عادل... سرقت أناسًا أمنونا على منزلهم فقط من أجل الديون؟!" حاول عادل الدفاع عن نفسه، لكن صوته كان ضعيفًا، خائفًا: "كانوا سيقتلونني... لم يكن لدي خيار... أخذت الذهب وسددت لهم أقسم لكِ... لقد هددوا بقتلي..." لم يتحرك الضابط قيد أنملة، ظل واقفًا للحظة، ثم قال بنبرة قاطعة: "حتى لو كان لديك مبرر، ما فعلته جريمة يعاقب عليها القانون." أخرج الأصفاد، وقيد يدي عادل أمام عيني والدته وزوجته وابنتيه, بينما كان يُساق خارج المنزل، وقفت فاطمة متسمرة، تشعر أن الأرض تهتز تحتها. لم تقوَ قدماها على حملها، وسقطت على ركبتيها، دموعها تنهمر بلا صوت, همست وكأنها تحدث نفسها: "كنت أعرف... لكنني كذبت إحساسي... آه، عادل... دمرتنا... دمرتنا..." في تلك اللحظة، دوّى صراخ والدته، صياحها يمزق السكون: "آه عليك، يا بني... آه عليك، يا عادل... أعيدوه! لم يسرق إلا من أجل عائلته... آه، ولدي... أعيدوه لي!" حاولت زينة تهدئتها، لكن العجوز لم تستمع، بل استدارت بغضب نحو فاطمة، عيناها تشتعلان باللوم والغضب, أشارت إليها بيد مرتعشة وصرخت: "كل هذا بسببك! ابني سيدخل السجن بسببك!" وقفت زينة بينهما، تحاول تهدئة جدتها: "جدتي، بالله عليكِ، ما ذنب أمي؟!" لكن المرأة لم تكن تريد سماع أي شيء. صاحت بصوت مخنوق بالبكاء: "أغلقي فمك! لا تتحدثي! بسببكم... بسببكم تورط عادل في هذه الجريمة... آه عليه... آه عليه..." في الخارج، بدأ الجيران يتجمعون، الهمسات تنتشر، العيون تراقب، الوجوه تحمل خليطًا من الفضول والشفقة , والكل يهمس: "لقد قبضوا على عادل..." وسط الفوضى التي اجتاحت المنزل، ومع تصاعد الهمسات وصراخ الأم المكلومة، دوّى صوت سيارة تتوقف على عجل أمام البيت... لم يكد الجيران يستوعبون ما يحدث حتى ترجل حسان، شقيق عادل، تتبعه نظرات الفضول. كان وجهه متجهمًا، عيناه تبحثان عن تفسير وسط تلك الفوضى التي أحاطت بالمنزل.,خلفه تقدم ولداه، عامر ومرتضى، يتبادلان نظرات القلق، غير واثقين مما ينتظرهم في الداخل. بخطوات سريعة دخل حسان إلى البيت، وعيناه تمشطان الوجوه حتى استقرتا على والدته التي كانت تبكي بلا توقف، تمسك بطرف ثوبها وكأنها تحاول أن تتشبث بشيء يعيد إليها ابنها المسلوب. اقترب منها، وضع يده على كتفها محاولًا تهدئتها، لكن صوته خرج حادًا ممتزجًا بالقلق والغضب: "أمي، ماذا يحدث؟ لماذا الشرطة كانت هنا؟ أين عادل؟!" كان السؤال موجهًا للجميع، لكنه ارتطم بجدار الصمت الذي أحاط بالمكان. لم يجرؤ أحد على الكلام، حتى فاطمة لم تستطع سوى النظر إليه بعينين ذابلتين، وكأنها تستجدي الكلمات لتخرج... في تلك اللحظة، وقع بصر عامر ومرتضى على زينة، التي وقفت شاحبة، كأنها لا تنتمي إلى هذا المشهد، جسدها متصلب وذهنها بعيد... غير أن عينيها، حين التقتا بعيني مرتضى، اشتعلت فيهما نيران الذكرى. للحظة، شعرت أن الجدران تضيق من حولها، أن صوت الشرطة وضجيج الجيران بات بعيدًا، وأنها عادت إلى تلك الليلة المظلمة التي حاول فيها مرتضى الاعتداء عليها. في المقابل، تجمد مرتضى في مكانه, لم يكن مستعدًا لذلك اللقاء تلاشت كل الأصوات، وبقيت نظراتهما وحدها تحكي قصة الماضي. انتبه عامر لتغير ملامح شقيقه، ثم نظر إلى زينة التي اتخذت خطوة إلى الخلف، وكأنها تبتعد عن شيء مريع. ارتفع حاجباه في استغراب، لكنه لم يتكلم، فقط تابع المشهد بصمت متوجس. حسان لم ينتظر أحدًا ليتكلم، بل اتجه نحو فاطمة مباشرة وسألها بحدة: "أريد أن أفهم، أين عادل؟!" تنهدت فاطمة، مسحت دموعها سريعًا، وحاولت أن تتحدث بثبات، لكن صوتها خرج مرتجفًا: "الشرطة أخذته... اتهموه بسرقة ذهب من منزل السيد أحمد..." اتسعت عينا حسان بصدمة، وزم شفتيه قبل أن يقول ببطء وكأنه لا يصدق ما يسمعه: "عادل... يسرق؟!" ردت والدته، بصوت متهدج بين الغضب والألم: "سدد ديونه، يا حسان... فعلها فقط لأنهم كانوا سيقتلونه..." لكن حسان لم يكن مستعدًا لقبول أي مبرر، ضرب بقبضته على الطاولة، فاهتزت الصحون والكؤوس فوقها، وقال بغضب مكتوم: "وهل هذا يبرر أن يلطخ اسمنا بالعار؟!" هنا، تدخل عامر، محاولًا فهم الأمر ببرود أكثر: "أين الذهب الآن؟ هل وجدوه؟" هزت فاطمة رأسها ببطء: "لا... قال إنه أعطاه لمحصلي الديون." صمت عامر لوهلة، ثم نظر إلى والده، الذي بدا وكأنه فقد القدرة على استيعاب الأمر.. أما مرتضى، فكان لا يزال يراقب زينة، التي كانت تضم أختها محاولة أن لا تلتقي عيونها به.. شعر بوخزة غريبة في صدره ربما كانت تلك هي المرة الأولى التي يشعر فيها بثقل ما فعله، بأن هناك من يراه على حقيقته.. أخذ حسان نفسًا عميقًا، ثم نظر إلى والدته، وقال بحزم: "سأذهب إلى مركز الشرطة... يجب أن أرى عادل، وأفهم منه كل شيء." تحرك نحو الباب، لكن قبل أن يخرج، استدار إلى فاطمة، وصوته هذه المرة كان أكثر قسوة: "وإذا كان ما يقولونه صحيحًا، فهذه المصيبة ليست عليه وحده... بل على كل من سمح له أن يصل إلى هذا الحال." ثم خرج، تاركًا وراءه بيتًا غارقًا في الصدمة...                              **** _لم يغمض لفاطمة جفن تلك الليلة, جلست في زاوية غرفتها، تضم ركبتيها إلى صدرها، وعيناها شاخصتان نحو العدم... لم يكن عقلها قادرًا على استيعاب ما حدث, كيف تحوّل زوجها إلى لص؟ كيف تجرّأ على خيانة الأمانة وسرقة بيت من وثقوا بها؟ كانت الديون تخنقهما، نعم، لكنها لم تتخيل يومًا أن تصل الأمور إلى هذه الدرجة. عند بزوغ الفجر، اتخذت قرارها. ارتدت عباءتها بسرعة، ولم تكترث حتى إن كان وجهها شاحبًا وعيناها محمرتين من البكاء. أيقظت زينة، طلبت منها مرافقتها، ولم تقل شيئًا سوى: "سأذهب إلى منزل السيد أحمد " لم تجادلها زينة، رغم أنها لم تكن واثقة مما تنوي والدتها فعله فقط تبعتها بصمت، وقلبها يخفق بقلق. عندما وصلتا إلى منزل السيد أحمد، كان الجو باردًا رغم أن الشمس بدأت بالارتفاع, أمام البوابة الحديدية الكبيرة، وقفتا للحظة، تنظران إلى المنزل الفخم الذي لطالما دخلته كخادمة والآن تدخله خائنة للأمانة..من السيئ إلى الأسوء.. تقدّمت فاطمة ببطء، ثم رفعت يدها وطرقت الباب. مرة، ثم أخرى. لم يطل الأمر حتى فُتح الباب، وظهر حارس المنزل، رجل عجوز ، عابس الملامح، وعيناه تضيقان بريبة عندما تعرّف على فاطمة. "ماذا تريدين؟" قال بجفاء، ناظرًا إليها نظرة ازدراء واضحة. بلعت فاطمة ريقها بصعوبة، ثم قالت بصوت منخفض: "أريد مقابلة السيد أحمد... أو زوجته..." قهقه الحارس بسخرية، وقال بازدراء: "تريدين مقابلتهم بعد أن سرق زوجك البيت؟ بأي وجه جئتِ إلى هنا؟ عودي من حيث أتيتِ، ليس لديكِ مكان هنا!" ثم تحرّك ليغلق الباب، لكن فاطمة اندفعت إلى الأمام، أمسكت بإطار الباب بكلتا يديها، وكأنها تتشبث بآخر أمل لها. "أرجوك! دعني أراهم! أقسم لك أنني جئت لأطلب العفو" حاول الحارس دفعها، لكن زينة أمسكت بيد والدتها، وكأنها تحاول إيقافها عن إذلال نفسها إلا أن فاطمة لم تبالِ، بل سقطت على ركبتيها عند العتبة، وانهمرت دموعها بحرقة: "أرجوكم... إغفروا لي ! أعرف أن زوجي أخطأ، أعرف أن ما فعله لا يُغتفر، لكني أموت من الندم... إن كان لا بد من العقاب، فلتعاقبوني أنا لكن لا تتركوه في السجن... أرجوكم، سامحوه... سامحوه!" كانت شهقاتها تتردد في الأرجاء، جاعلةً الموقف أكثر إيلامًا, حتى زينة، التي لم تكن ترغب في هذا الرجاء، شعرت بأن قلبها يتقطع وهي ترى والدتها منكسة الرأس، تبكي أمام منزل خدمت فيه بإخلاص في تلك اللحظة، انفتح الباب من الداخل، وخرجت سيدة أنيقة، بملامح صارمة تكسوها طبقة من الغضب ,زوجة السيد أحمد رحمة توقفت عند العتبة، نظرت إلى فاطمة المنهارة، ثم إلى زينة التي وقفت عاجزة عن فعل شيء. "ما الذي يجري هنا؟" سألت، بصوت هادئ لكنه لم يخلُ من البرود. رفع الحارس يديه متبرمًا، وقال: "إنها زوجة السارق ، جاءت تطلب الصفح..." نظرت السيدة إلى فاطمة، التي لم تستطع رفع رأسها من شدة الخجل، ثم قالت ببطء: "قفي." لكن فاطمة لم تتحرك، بل تمسكت بأطراف ثوب السيدة، وواصلت البكاء: "لا أطلب شيئًا إلا أن تغفري له، سيدتي... أرجوكِ، أقسم لكِ أنه لم يكن يريد الأذى... فعلها بدافع اليأس، لم يكن لديه خيار... أرجوكِ، لا تتركيه في السجن... أرجوكِ!" بدت السيدة وكأنها تراقبها عن كثب، لكن ملامحها لم تتزحزح قيد أنملة ثم فجأة، تراجع وجهها إلى الوراء، وسحبت ثوبها بقوة من بين يدي فاطمة، كأنها تتخلص من شيء مقزز. "أأنتِ جادة؟!" قالت بحدة، وصوتها هذه المرة حمل نبرة غضب مكبوت. "تأتين إلى هنا، بعد أن خاننا زوجك وسرقنا، وتتوسلين إليّ لأغفر له؟!" اقتربت منها خطوة، ثم قالت بصوت منخفض لكنه كالسوط: "اسمعي جيدًا... لن أترك هذا الأمر يمر بهذه السهولة! زوجك لص، وسيدفع ثمن سرقته غاليًا لن أهدأ حتى أراه يتعفن في السجن، حتى يكون عبرة لكل سارق حثالة لن أسمح له بالنجاة بفعلته!"                                 **** _مرّت الأيام ثقيلة كالجمر، تحرق كل لحظة صبر تنتظر فيها فاطمة خبرًا يخفف من قسوة المصير لكن الأخبار كانت تأتي كالسكاكين، تقطع الأمل قطعةً بعد أخرى... وفي اليوم الذي وقفت فيه أمام المحكمة، بجانب زينة وحسان ومرتضى، شعرت أن العالم كله قد ضاق عليها. عادل، بملامحه المنهكة، كان يقف داخل مكبّل اليدين، عينيه زائغتين بين القاضي وأسرته، كأنه يبحث عن فرصة أخيرة للنجاة، لكن الجميع علموا أن لا مفر من العقاب... القاضي، بوجهه الجامد وصوته الرنان، نطق بالحكم: "حكمت المحكمة على المتهم عادل خير الدين حساني بالسجن لمدة سبع سنوات ، بتهمة السرقة وخيانة الأمانة." لم يكن للحظة صدمة، بل وكأنها تأكيد لمصيرٍ كان الجميع يعرف أنه آتٍ، لكنه حين وقع، سحق أرواحهم بلا رحمة. شهقت والدة عادل وسقطت في مكانها، بينما زينة أمسكت بذراع والدتها التي كانت تحاول التقدم وكأنها تريد إيقاف الزمن، منع القاضي من إنهاء كلماته، منع الحراس من أخذ زوجها بعيدًا. "لا... لا، أرجوكم! لم يرد ذلك، لم يكن يريد أن يسرق...!" صرخت فاطمة بصوتٍ متحشرج، لكنها لم تتلقَ إلا نظرات الشفقة من الحضور، وكلمات صارمة من الحراس لإخلاء القاعة. أما عادل، فقد وقف بلا حراك، وكأنه تحجّر في مكانه. للحظة، التقت عيناه بعيني زينة. لم تكن تلك النظرة نظرة استجداء، بل اعتذار متأخر. حين بدأ الحراس بقيادته نحو الخارج، انفجرت والدته في بكاءٍ هستيري: "ابني! لا تأخذوه! إنه ابني! سبع سنوات؟ كيف سيتحملها؟! لا! أرجوكم، أرجوكم!" لكن لم يكن هناك ما يمنع تنفيذ العدالة. سبعة ,رقمٌ صغير لكنه يحوي سنوات وشهور وأيام طوال...                             **** _مرّ أسبوع ثقيل على فاطمة وزينة، أسبوع كان أشبه بعقاب لا نهاية له... منذ أن طُردت فاطمة من عملها، بدأ شبح الجوع يحوم حول المنزل... لم يكن هناك دخل، ولم يكن هناك من يقرضهما المال لولا إعالة الجدة لهم لكانوا حقا ماتوا من الجوع لكن الإتكال على عجوز تحصل على دخلها من أبناءها لعار عليهم . كانت تخرج كل يوم، تبحث عن أي فرصة عمل، أي يد تمتد لمساعدتها، لكنها لم تجد سوى الأبواب المغلقة والوجوه المتجهمة التي تدير ظهرها بلا اكتراث. وذات مساء، حين لم يبقَ في البيت شيء يؤكل، قررت الذهاب إلى دكان محمود، دخلت الدكان بخطوات مترددة، نظرت إليه برجاء، ثم قالت بصوت خافت: " أخي محمود، أحتاج لبعض الأشياء .. سأدفع لك لاحقًا، فقط بعني بالدَّين هذه المرة." لكن الرجل لم يبدِ أي تعاطف بل زفر بضيق، وألقى عليها نظرة جامدة وهو يقول بجفاف: "آسف يا فاطمة، لا أستطيع... لم أعد أبيع بالدَّين، تعرفين أن الأحوال صعبة على الجميع." توسّلت إليه بعينيها قبل لسانها: "، أقسم لك أنني سأحضرك لك المال ... نحن لم نأكل جيدًا منذ أيام، من أجل إبنتي الصغرى جميلة..." لكنه لم يتحرك، لم يبدُ عليه أي تأثر, فقط هزّ رأسه قائلاً: "هذة ليس مشكلتي، فاطمة لا تطلبي مني ما لا أقدر عليه." في تلك اللحظة، شعرت وكأن الأرض سحبتها نحو القاع... كانت تتوقع كل شيء إلا أن يغلق أقاربها الباب في وجهها بهذه القسوة فقد كان إبن خالة أمها, حدّقت به للحظات، غير مصدقة ذلك.. في تلك الليلة، نامتا على جوع، لكن ما كان يؤلم أكثر من الجوع نفسه... هو العار الذي ألحقه بهما والدها في تلك الليلة المظلمة، حينما ضاقت بها الحياة ، شعرت زينة بأن لا مفر من اتخاذ خطوة قد تكون آخر أمل لها...كان قرارها مفاجئًا لها هي نفسها، لكنها شعرت أنها في حاجة ماسة إليه... نظرت إلى هاتفها الذي كان يرصده صمت الليل، ثم أخذت نفسًا عميقًا، وأصابعها تتحسس الشاشة برعشة " لا بد لي من فعل ذلك.." ضغطت على رقم فردوس، وكلها عزم هذه المرة ولا يوجد أي مجال لأفكار أخرى.. دق الهاتف، وجاء الصوت البارد في الجهة الأخرى: "ألو؟" "فردوس... أنا زينة." جاء الرد سريعًا، ساخرًا كما كان متوقعًا: "زينة؟! يا لها من مفاجأة، أظنك قد وصلتِ إلى القاع، أليس كذلك؟" شعرت زينة بشيء من الغضب يعصف بها، لكنها حاولت أن تتمالك نفسها، فقالت: "أحتاج مساعدتك، فردوس... " ضحكت فردوس، ضحكة سخرية عالية لم تخفِ فيها الشماتة: "أوه، زينة، كنت أعلم أنه سيحدث هذا يومًا كنتُ أراهن دائمًا أنكِ ستعودين زاحفة، بعد أن تفقدي كل شيء." تجمدت زينة في مكانها، كانت كلمات فردوس كالسياط على قلبها، لكنها لم تجد أمامها إلا الاستسلام. "ماذا تقولين إذن ؟" قالت بصوت مكسور، وإن كانت قد حاولت أن ردت فردوس بنبرة استفزازية: " وما أدراك أن الفرصة لا تزال متاحة..!! تعتقدين أن مدير الشركة سيبقى ينتظر زينة البريئة التي لا تخرج من قرية العفن أن تقبل ..!! هههه يالك من جاهلة وغبية.." عضت شفتها السفلى ولم تستطع أن تسيطر على دموعها فإنفجرت باكية.. "فردوس أنا أرجوك...أرجوك أبي دخل السجن والعائلة تلومنا على ذلك...وأمي طردت من عملها...أنت الوحيدة التي مدت لي يد العون فأرجوك لا تتركيني..." إبتسمت فردوس بشر منتصرة في الرهان وأجابت " إحزمي حقائبك وسأرسل لك العنوان..." مسحت زينة دموعها وكأن الأمل قد أضاء عتمتها وشكرتها قائلة : " شكرا لك لن أنسى أبدا وقوفك معي..." "هاه..لا مشكلة..." ردت ساخرة لكن لم يكن هناك مفر، لم يعد لديها وقت للتردد.. أخذت نفسًا عميقًا، ثم نهضت بخطوات ثقيلة نحو والدتها، التي كانت تجلس على السرير، عيناها غارقتان في التفكير، والضعف بادٍ على ملامحها. وقفت زينة أمامها للحظة، ثم قالت بصوت خافت لكنه حازم: "أمي، يجب أن أتحدث معكِ." رفعت فاطمة نظرها إليها، بدا عليها القلق على الفور "ماذا هناك يا زينة؟" ترددت الفتاة، شعرت بكلماتها تتعثر في حلقها، لكنها أجبرت نفسها على التحدث: " سأقبل بالعمل الذي عرضته علي فردوس..." لم تحتج فاطمة إلى سماع المزيد، فقد كان الاسم وحده كافيًا لزرع الخوف في قلبها تغيرت ملامحها فورًا، وشعرت زينة كأن والدتها قد توقعت الأسوأ "فردوس؟!" قالت بصوت يحمل خليطًا من الصدمة والرفض. "لا، لا أريد أن أسمع المزيد، أنتِ لن تعملي معها!" لكن زينة لم تتراجع... تقدمت خطوة وجلست بجانب أمها، أمسكت بيدها، وهي تحاول أن تبقي صوتها ثابتًا رغم اضطرابها: "أمي، لم يعد لدينا خيار... أنتِ تعلمين ذلك نحن بلا دخل ،إلى متى سنبقى ننتظر شفقة الآخرين، لا أحد يهتم بنا! ماذا سنفعل؟ نموت من الجوع؟" فاطمة أغمضت عينيها بقوة، ووضعت يدها على جبينها وكأنها تحاول استيعاب الأمر. كانت تعلم أن ابنتها على حق، لكنها لم تستطع تحمل فكرة أن زينة ستكون على علاقة مع تلك الفتاة..وبعيدا عن المنزل "لكن زينة، فردوس... ليست شخصًا يمكن الوثوق به عملها... طرقها... أنا لا أرتاح لهذا أبداً..." زينة قبضت على يد والدتها بقوة أكبر، وكأنها تتمسك بها وبالأمل الأخير معًا: "أمي، أعلم ذلك، لكنني لن أفعل شيئًا سيئًا سأعمل، فقط لأكسب المال، لأساعدكِ، لنقف على أقدامنا مجددًا...لن أدخل لعالمها أصلا...سأكون حذرة." تأملت فاطمة ملامح ابنتها، رأت فيها إصرارًا لم تره من قبل لم يكن أمامها سوى أن تنهار بصمت لم تكن تريد أن توافق، لكنها لم تستطع أن تمنع ابنتها من القتال , ذلك أفضل من البقاء هنا.. تنهدت أخيرًا، وأغمضت عينيها وكأنها تستسلم لقدر لم تكن تريده: "فقط... كوني حذرة يا زينة. لا تثقي بها أو بأحد..." هزّت زينة رأسها، وهي تخفي وراء عينيها خوفًا أكبر مما أرادت أن تظهره.                              ***** _في ذلك الصباح البارد، وقفت زينة عند باب المنزل، تمسك بحقيبة صغيرة تحمل ما لديها من ملابس, شعرت بثقلها رغم خفتها، وكأنها تحمل كل أحزانها وخوفها داخلها... وقفت والدتها أمامها، شاحبة الوجه، عيناها محمرتان من السهر والتفكير. لم تقل شيئًا، فقط كانت تحدق في ابنتها بنظرة تحمل كل ما عجزت عن قوله. أما أختها الصغيرة، فقد كانت تبكي بصمت، تحاول أن تمسح دموعها بكفّيها الصغيرتين، لكنها لم تستطع أن تخفي ارتجاف شفتيها تقدمت زينة نحوها، مسحت على شعرها بحنان وهمست: "لا تبكي جميلة .. سأعود قريبًا، أعدكِ." لكن الصغيرة لم تصدقها، فقط تشبثت بها كأنها تخشى ألا تعود أختها مرة أخرى.. نظرت زينة إلى والدتها مرة أخرى، تمنت لو تستطيع أن تقول شيئًا يطمئنها، يخفف من هذا الوجع الذي يعصر قلوبهم، لكنها لم تجد أي كلمات مناسبة.. "سأكون بخير، أمي." هزّت فاطمة رأسها ببطء، ثم همست بصوت بالكاد يُسمع: "لا تثقي بأحد، زينة...احذري من فردوس .." ابتلعت الفتاة ريقها، ثم شدّت قبضتها على حقيبتها واستدارت. لم تنظر خلفها، لم تجرؤ على ذلك، لأنها كانت تعلم أن رؤيتهما هناك، وهما يراقبانها ترحل، قد تجعلها تنهار وتتراجع. سارت في الشارع بصمت، وحيدة، تحمل معها كل مخاوفها وأحلامها المبعثرة. لم تكن تعرف ما ينتظرها، لكنها كانت تعلم شيئًا واحدًا... لم يعد هناك طريق للعودة.. كان القطار يهتز بخفة تحتها، والزجاج يعكس وجهها الشاحب وعينيها القلقتين... بعد ساعات طويلة، وصلت أخيرًا إلى وهران، المدينة التي لم تطأها قدماها من قبل... كانت الساعة قد تجاوزت الظهيرة، والشمس تلمع فوق الشوارع المزدحمة بالحياة. لكنها لم تشعر بأي دفء، بل كان قلبها مثقلًا بشيء يشبه الغربة، رغم أن الناس يتحركون من حولها وكأنهم يعرفون وجهتهم، وحدها كانت تشعر بأنها تائهة. أخرجت هاتفها بتردد، وضغطت على رقم فردوس. لم تستغرق الأخيرة سوى لحظات للرد، وكأنها كانت تتوقع هذا الاتصال. "أخيرًا، زينة! ظننت أنكِ قد تراجعتِ." جاء صوت فردوس مفعمًا بالسخرية، كما كان دائمًا. "أنا في وهران، ماذا الآن؟" "حسنًا...الآن استقلي سيارة أجرة إلى العنوان الذي سأرسله لكِ لا تضيعي الوقت، لدينا عمل لنبدأ به." استوقفت سيارة أجرة، ناولت السائق العنوان، وجلسَت في الخلف، تراقب المباني والطرق تتغير أمامها، كل شيء كان غريبًا، تمامًا كما كانت تشعر في داخلها. لم تكن تعرف إلى أين تأخذها هذه الطريق، لكنها كانت تعلم أنها الآن... قد بدأت رحلة لا رجوع فيها.. كانت فردوس تجلس في مكتبها الفخم تلك الوظيفة التي حصلت عليها مؤخرا، تمسك بسيجارتها بين أصابعها، وعيناها تلمعان برضا خفي لقد فازت بالرهان.. لكن هذا الرضا لم يدم طويلًا رفعت هاتفها، وضغطت على رقم آدم.. رنّ الهاتف مرتين، ثم جاءها صوته البارد المعتاد. " ماذا تريدين؟" ابتسمت فردوس بثقة، ثم قالت وهي تنفث الدخان: "أريد إبلاغك أن الفتاة التي وعدتك بها قد وصلت اليوم يمكنك تفقدها هي في الطريق إلى.." لكن رد آدم لم يكن كما توقعت، فقد جاء أكثر برودًا مما ينبغي: "لا حاجة لذلك لقد تكفّلتُ بالأمر مسبقًا تم اختيار شخص آخر مناسب للوظيفة..." تجمدت فردوس في مكانها، وحدقت في الهاتف غير مصدقة ما سمعته... "ماذا؟! ماذا تعني بكلامك؟ ألم نتفق أنني أنا من ستختار المناسبة لتلك الوظيفة؟" لكن آدم لم يكن مهتمًا بانفعالها، وقال ببرود قاتل: " لم نتفق ..." وأغلق الخط دون أن يمنحها فرصة للاعتراض. ظلت فردوس تنظر إلى الهاتف بصدمة، ثم ألقت به بعصبية على المكتب، ووقفت بسرعة، تكاد تنفجر من الغضب. كيف يمكن أن يحدث هذا ؟! ألم يثق بها فلما يلقي بها جانبًا وكأنها لا شيء وهي صاحبة الفكرة..؟! شعرت بالدماء تغلي في عروقها، قبضت يديها بقوة حتى أصبح لونها شاحبًا. ليس لأنها تهتم بزينة، بل لأنها كانت تكره أن تُهزم,زينة كانت ستكون نقطة صلة لأهدافها.. لكنها لم تكن فردوس التي تستسلم بسهولة أخذت نفسًا عميقًا، ثم التقطت هاتفها مجددًا، وبدأت تفكر...                                 **** _وقفت زينة في زاوية البهو الفخم، تشعر وكأنها غريبة تمامًا عن هذا المكان. كان الجميع حولها يتحركون بثقة، بملابس أنيقة تفوح منها رائحة العطور الباهظة، رجال ببدلات رسمية وأحذية تلمع، نساء بفساتين عصرية أو سترات رسمية تعكس سلطة وهيبة ,أما هي، فكانت بزيها المحتشم، وجهها الشاحب من الإرهاق، وملامحها التي تحمل غبار السفر، تبدو دخيلة عن هذا العالم.. شعرت بعيون الموظفين تمر عليها، بعضها كان فضوليًا، وبعضها كان يحمل نظرة تقييم صامتة، وكأنهم يحاولون فهم من تكون ولماذا هي هنا... لم يهمس أحد بشيء، لكن نظراتهم وحدها كانت كافية لجعل الدماء تتدفق إلى وجهها خجلًا. خفضت رأسها قليلًا، وشدت قبضة يدها حول حقيبتها، محاولة كتم توترها... كانت تشعر بأن الهواء نفسه ثقيل، وكأن كل نفس تتخذه داخل هذا المكان يحتاج إلى جهد مضاعف. "هل أخطأت بالمجيء؟ هل يجب أن أعود؟" أخذت نفسًا عميقًا، وحاولت أن تثبت قدميها في مكانها، لكنها لم تستطع منع يديها من الارتجاف قليلًا. ربما فقط لو أخبروها بما يجب أن تفعله الآن، ستشعر بأنها أقل غرابة في هذا العالم الذي لا يشبهها في شيئ.. تحركت خلف الموظفة بخطوات ثقيلة، وقلبها يخفق بعنف داخل صدرها. كانت تشعر وكأنها تسير نحو المجهول، نحو شيء لا تفهمه بعد عندما وصلت إلى باب المكتب الكبير، وقفت للحظة تحاول تهدئة نفسها، لكن الموظفة لم تمنحها فرصة، إذ طرقت الباب ودخلت دون تردد، مشيرة لها بالدخول... بمجرد أن عبرت العتبة، استقبلها صوت غاضب يملأ المكان ,كان الرجل الواقف خلف المكتب الفخم يتحدث في الهاتف بنبرة حادة، ووجهه متجهم , لم تنتبه زينة إلى ملامحه في البداية، فقد كان مشغولًا بالجدال مع الطرف الآخر، لكن عندما التفت نحوها أخيرًا، شعرت بعيونه الغاضبة.. نظر إليها مرة، ثم أعاد النظر، وكأن ما يراه لا يتناسب مع توقعاته, تلاشت ملامح الغضب من وجهه للحظة، ليحل محلها تعبير متفاجئ... أو ربما متشكك... لكنه سرعان ما استعاد قناع البرود، ثم قال بصوت يقطر بالغرور والاشمئزاز: " من أنت وماذا تريدين؟" ترددت زينة، لكنها جمعت شجاعتها وردّت بأدب، رغم خجلها وتوترها: "سيدي، أنا الموظفة التي حدثتك عنها-" لكنها لم تكمل، إذ قاطعها بإشارة مستهينة، وكأنه يقطع أي مجال للنقاش: "حسنًا... حسنًا، لا حاجة للكلام... ابدئي بتنظيف الحمامات." شعرت وكأن الأرض سحبت من تحت قدميها. للحظة لم تستوعب كلماته نظرت إليه بارتباك، محاولًة التأكد مما سمعته، لكن تعبير وجهه كان واضحًا ,لم يكن يمزح. لم تعي كيف تفجر الغضب بداخلها بهذه السرعة، لكن قبل أن تدرك ما تفعل، كانت حقيبتها الصغيرة تهوي بقوة على صدره... "كيف تجرؤ على إهانتي؟!" صرخت، عيناها تشتعلان بالغضب، ووجهها يحمرّ من الإهانة التي وجهت لها. تراجع الرجل خطوة إلى الخلف، مصدومًا مما حدث وضع يده على صدره حيث ضربته الحقيبة.. "ماذا؟ هل فقدتِ عقلك؟!" "لستُ منظفة مراحيض! جئتُ لأعمل بكرامتي، لا لأُهان! إذا كنتَ تعتقد أن بإمكانك إهانتي هكذا فأنت مخطئ!" خرجت زينة من المكتب بعاصفة من الغضب والمهانة، خطواتها سريعة، غير منتبهة لما أمامها، وكل ما يدور في ذهنها هو صوت ذلك الرجل المتعجرف وكلماته التي صفعتها أكثر من أي شيء آخر. لكن فجأة، وكأن القدر قرر أن يصدمها حرفيًا، اصطدمت بشيء صلب، قوي، ثابت كالجبل. شعرت بقوة الصدمة تتراجع عبر جسدها، وكادت تسقط أرضًا لولا أن يدًا قوية أمسكت بها قبل أن تنهار... رفعت رأسها ببطء، ودموع الغضب لا تزال تحرق عينيها، لتلتقي عيناها بعينين مظلمتين، قويتين، تحاصرانها بحدة... رجل طويل، عريض المنكبين، يقف أمامها بثبات، ملامحه قاسية، لا توحي بأي نوع من اللطف, كان يحمل هالة من السلطة، من الخطر، وكأنه لا يعرف الخوف ولا يسمح لأحد بأن يتجاوزه. كان آدم...!! وجدت نفسها عالقة أمامه، ممسكة بذراعه كما لو كان طوق نجاة.. نظر إليها للحظة، عيناه ثابتة على وجهها الذي كان يغلي بالغضب والحزن، على دموعها التي لم تستطع السيطرة عليها. لم يقل شيئًا في البداية، فقط تأملها بنظرة غامضة، وكأنه يحاول قراءة ما بداخلها. ثم، بصوت منخفض لكنه يحمل نبرة حادة قال: "لماذا تبكين؟" كان سؤالًا بسيطًا... لكن كلماته كانت باردة تقطر رجولة.. حاولت أن تبتعد عنه، أن تخفي دموعها، لكنها شعرت بأن قدميها لا تزالان ضعيفتين من الغضب والانفعال. "أنا لا أبكي!" قالت بعناد، تمسح عينيها بسرعة، لكن نظراته ظلت ثابتة عليها، غير مقتنع بكلامها. لم يكن آدم رجلاً يحتاج إلى سماع الكلمات ليعرف الحقيقة كان يقرأ البشر بعيونهم، بطريقة وقوفهم، بأنفاسهم المتقطعة, وهذه الفتاة أمامه كانت تغلي بالمشاعر، لكنها تحاول التماسك، تحاول أن تبقى قوية... فجأة، ظهر الرجل الذي أهان زينة للتو من الباب، واقترب منها يكاد ينفجر غضبا,وعندما رآى آدم واقفًا أمامها، تغيرت ملامحه فورًا، وكأن العاصفة التي اندلعت لحظات مضت قد انتهت فجأة... نظر إلى آدم وكأن الأمور قد اتخذت منحى جديد , وأخذ يتصرف ككلب رأى صاحبه.. قال الرجل، محاولًا تبني موقف الضحية، وكأنما يبرر تصرفاته. " سسسيدي...هذه الفتاة، التي دخلت مكتبك دون إذن، قامت بضربي بحقيبتها....كانت وقحة للغاية..." زينة، التي كانت تراقب الموقف بصمت، شعرت كما لو أن الأرض تحت قدميها تهتز. كيف يجرؤ على تحريف الحقائق بهذا الشكل؟ لكن، كان هناك شيئًا في عينَي آدم جعله يلتقط هذا التحريف بسرعة... نظر إلى الرجل ببرود، ثم تحدث بصوت هادئ وحاد: "هل أنت متأكد؟" كانت نبرته تحمل تهديدًا خفيًا، لكن الرجل، الذي كان قد بدأ يشك في أنه ارتكب خطأً، استمر في محاولات تبرير نفسه. "نعم، سيدي، هذه الفتاة لم تحترم القواعد، وكانت تصرفاتها استفزازية للغاية..." حاول الرجل أن يبرر، لكن آدم لم يترك له مجالًا للاستمرار. رفع آدم يده وكأنما يقاطع كل كلمات الرجل، ثم قال، مشيرًا له بتأكيد: "اذهب وخذ سيارتي إلى المرأب وإحرص على نظافة عجلاتها...." ابتسم الرجل ابتسامة وأظهر طاعته وخوفه في نفس الوقت.. كانت زينة تشعر بالارتباك، لا تعرف كيف تتصرف بعد أن وجدت نفسها في هذا الموقف الغريب...ومع ذلك، نظر إليها آدم بنظرة متفحصة، وكأنما قرأ أفكارها، لكنه لم يقل شيئًا. دخل إلى مكتبه، كانت هي تقف في الممر، مترددة قليلاً، لكن نظرة عينيه كانتت تأمرها بالتحرك. "إتبعيني..." قالها ببرود، ونبرة صوته كانت تحمل شيئًا من الغموض، كما لو أن هذا كان أمرًا لا يُرد.. لم تجرؤ زينة على التباطئ ,تقدمت بخطوات سريعة خلفه. كان الجو داخله يعكس شخصية آدم الباردة, المكتب كان كبيرًا، مفروشًا بأثاث فاخر، والجدران تغطيها لوحات تعكس طابعًا عصريًا وأنيقًا.. لكن الجو كان مشحونًا، يعلوه صمت غريب.. جلس على كرسيه الجلدي، ورفع نظره إليها، وكأنما ينتظر أن تبدأ هي الحديث.. كانت زينة تشعر بأنها محاصرة بين جدران هذا المكان, وعينيه قيدتا قلبها النابض.. " تحدثي... ماذا تريدين..؟" قالها بلهجة حادة، بينما كانت عيناه تلاحقان كل حركة منها, بثت كل نظرة حادة نوع الرعب في خلاياها.. إلتقطت أنفاسها ببطء حاولت أن تسيطر على نفسها رغم الارتباك الذي يعتصر قلبها "أنا هنا...فردوس.. الوظيفة.. فردوس قالت لي.. " أجابت بصوت منخفض، والكلمات تتقطع في حلقها أدركت أنها أخطأت في صياغة الإجابة ولعنت نفسها في نفسها.. "اللعنة ماذا حصل للساني...!! " كان يراقبها عن كثب، لم يُظهر أي تعبير على وجهه كان الهدوء الذي يعكسه أكثر صعوبة من أي كلام قد يقوله.. عيناها تتنقلان بين الأرض والطاولة، وكأنها لا تستطيع مواجهة نظرته الثاقبة. كلما حاولت أن ترفع عينيها إليه، شعرت بتوتر يزداد في قلبها، وكأن الخجل يسيطر عليها... كانت الكلمات تخرج بصعوبة، ولا تجد القدرة على الحديث بشكل طبيعي.. لكن لم يكن ليغفل عن هذا الارتباك.. كان يتأملها للحظة، ثم انفجر ضاحكًا، ضحكة ساخرة لم تُخفِ مرارتها. "تريدين أن تكوني مترجمة لي وأنت ترتجفين؟" قالها بنبرة تمتلئ بالسخرية، مشيرًا إلى قلة الثقة التي كانت تتراءى في تصرفاتها.. كانت كلماته كالرصاص، تغزوها وتزيدها خجلًا. ارتجفت قليلاً، وشعرت بأن قلبها يكاد يقفز من مكانه...لم يكن الأمر مجرد خوف من الموقف، وكأنها أمام شخص لا يرحم.. وفجأة، تمزق الصمت الذي كان يملأ الغرفة عندما فُتح الباب بقوة، وكان الصوت الذي جاء مع فتحه يشق الجو كالعاصفة.. كانت فردوس، تلهث بشدة، تتقدم بسرعة، وكعب حذائها يصدر صوتًا حادًا يقطع سكون المكان خلفها كان هناك صوت صراخ يطلب منها التوقف، وإشارات متعجلة تطلب منها أن تطلب الإذن قبل أن تدخل.. لكن فردوس لم تلتفت لتلك الأصوات.. توقفت في منتصف الغرفة، وقد ظهرت الدهشة على وجهها وهي تنظر إلى المشهد أمامها.. عيونها اتسعت حين رأت زينة، التي كانت قد نهضت بسرعة من مكانها، كما لو أنها تجد أخيرًا خيط الأمل. "فردوس!" صاحت زينة، وكأن اسمها كان تعويذة خلاص وكأنها تقول في نفسها: "أتت منقذتي.." نظرت فردوس إلى آدم، وقلبها كان ينبض بسرعة، حاولت أن تخفي خوفها، لكن كان من الصعب إخفاء التوتر الذي كان يتسلل إلى أعماقها. كان آدم، الذي يبدو باردًا كالجليد، يبتسم ابتسامة ساخرة، تحدق عيناه في فردوس,جالسا هناك بكل هيبته، كأنما هو الحاكم الوحيد لهذه الغرفة، بينما كانت فردوس تشعر أن كل لحظة تمر قد تخرج عن السيطرة.. بلعت ريقها بصعوبة، وحاولت أن تتماسك، لكن عينيها لم تتمكن من تجنب نظراته. لم تكن تعرف إن كان يراقبها فقط لمجرد الاستمتاع بالسيطرة، أم أن هناك شيئًا آخر يخفيه, كانت تعلم أن أي خطوة غير محسوبة قد تؤدي إلى مشكلة أكبر مع هذا الوحش. ثم نظرت إلى زينة التي كانت في حالة من الارتباك، وحين قابلتها نظراتها، شعرت بأنها مطالبة بالتصرف, أخذت نفسًا عميقًا، وأخذت خطوة نحو زينة، قبل أن تلتفت إلى آدم مرة أخرى، قائلاً بنبرة أقل صلابة ولكنها تحمل حدة خفية: "زينة، لماذا لم تنتظريني؟" كان السؤال يحمل نوعًا من اللوم، لكنها لم تستطع إخفاء القلق في عينيها "سيد آدم... آسفة على دخولي هكذا، وآسفة على إزعاج زينة... هيا زينة، فلنذهب..." "إلى أين تأخذينها؟ ستبدأ العمل.." كانت كلماته موجّهة إلى زينة، ولكن نبرته القاسية كانت تصيب كلا منهما. نظر إلى زينة بنظرة فاحصة، كأنه يقيمها من أعلى لأسفل، كما لو كان يقرأ كل حركة وإرتجافة منها.. "ستبدأ العمل من الآن.." كررها بنبرة حازمة، غير قابلة للنقاش. بلعت فردوس ريقها بصعوبة، لكن سرعان ما استعادت رباطة جأشها، محاولة إخفاء توترها.. نظرت إلى زينة بنظرة مشجعة، ثم قالت بنبرة ثابتة لكنها تحتوي على بعض الارتباك: "آه... هاه... زينة، هذا السيد آدم، مدير الشركة ستعملين عنده أشكريه على هذه الفرصة..." ثم، وبأدب وبراءة ، بابتسامة على وجهها، رغم أنه كان واضحًا أنها تحاول إخفاء خوفها، قالت زينة بحذر: "شكرًا سيد آدم على هذه الفرصة، سأقوم بعملي بكل إخلاص.." كانت كلماتها تحمل خجلا ، لكن كانت هناك إرادة قوية في عيونها... عندما هدأ الجو تمامًا بعد تلك اللحظات المشحونة بالتوتر، جلست زينة بثقة نسبية، تحاول أن تُظهر نفسها بأفضل صورة ممكنة... عرضت سيرتها الذاتية وخبرتها بكل أدب وعزم، محاولة أن تقنعه بقدرتها وإستحقاقها للوظيفة, كانت يداها ترتجفان وهي تمرر الأوراق بين أصابعها الرقيقة... بينما كان آدم ينظر إليها، كانت عينيه لا تترك الأصابع الصغيرة التي كانت تشير إلى معلومات السيرة كان يضحك في داخله لم يكن يعتقد أن هذا المخلوق الهادئ الذي أمامه هو من سيتولى هذه الوظيفة، ويستمر في تقديم نفسه بهذه الجدية ولكن ابتسامته الساخرة لم تفارق وجهه، وكان يراقبها بعينين باردتين "سيد آدم، عملت أكثر من سبعة وظائف وأجيد التحدث بأربع لغات..." قالت زينة بحزم، محاولًة أن تبرز مهاراتها أمامه... كان يُظهر بعض الاهتمام، لكن ملامحه لم تكن تُظهر إعجابًا حقيقيًا، بل كانت فقط نظرة سطحية، مليئة بالتشكك ,كان يستمتع برؤيتها تقف أمامه وهي تقدم له ما لديها وكأنها أعظم إنجازاتها.. "هذه الوظائف الصغيرة أتعتقدين أنها تكفي..؟" بدا وكأن كلامه يحمل بعض السخرية، كما لو كان يسخر من محاولاتها لإثبات جدارتها... وقف فجأة، تاركًا زينة مذهولة، مدهوشة من سخريته المباشرة وكلماته الجارحة التي لم تكن تتوقعها... شعرت بحرج شديد، فأنزلت رأسها إلى الأرض، محاولًة إخفاء إحساسها كانت تعي أن ما قاله لم يكن مجرد تعبير عن استهزاء، بل وكأنه تهديد.. ثم، قبل أن يغادر المكتب، توقف للحظة أخرى نظر إلى فردوس بنظرة مليئة بالمكر والسخرية، وكأنما يهدد ثم قال، بصوت حاد، موجهًا حديثه إلى زينة التي كانت ما زالت تنحني برأسها في خجل: "غدًا صباحًا ستبدأين عملك..." وللحكاية بقية...يتبع 🐥