الصديقتان - السارق.. - بقلم Rafif006 | روايتك

اسم الرواية: الصديقتان
المؤلف / الكاتب: Rafif006
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: السارق..

السارق..

قراءة ممتعة 🍒🌸 _لطالما كانت وهران، تلك المدينة المضيئة، تتميز بسحر فريد لا يزول . كان الليل في وهران لا يختلف عن النهار، كأنها مدينة لا تعرف السكون الشوارع المزدحمة لا تخلو من ضجيج السيارات التي تسابق الزمن، وأضواء المدينة المتناثرة في كل زاوية، لا تغيب كما النجوم في السماء، بل تظل مشعة، لامعة، حتى وإن أرخى الليل سدوله. لا مكان هنا للصمت، فالمدينة لا تهدأ أبدًا. في وهران، لا يعرف الناس الفرق بين الليل والنهار، هم كخفافيش الليل، ينسجون حياتهم بين ضوء النهار وظلام الليل دون اكتراث.. تأخذك المدينة بأبنيتها الضخمة التي تطعن السماء كأبراج تراقب الفضاء، بينما تنبعث منها رائحة الأصالة ,أعداد الشركات تتوالى، والمستثمرون يهرعون إليها كمن وجد كنزًا في قلب البحر الأبيض المتوسط. موقعها الاستراتيجي جعلها نقطة جذب، حيث تلتقي الأرواح الطامحة والتجارات الكبرى في بقعة واحدة. وهران، مدينة الراي، ذلك الفن الجزائري الذي كانت ألحانه تموج في الشوارع، وتُغنيها أفواه الشباب الساهرين... الراي هو نبض المدينة، صوتها الذي لا يتوقف، والأغاني التي شكلت الذاكرة الجماعية. الشاب حسني، الشاب عقيل، وغيرهم من الأسماء التي رافقت أيام التسعينات، رسموا على وجوه العشاق ابتسامات الأمل والهروب من قسوة الأيام. أغانيهم، رغم كل ما مر من ألم، تبقى في قلوب الناس، تترجم مشاعرهم، وتعيد لهم الذكريات، كأنها تعويذة ضد النسيان. حتى بعد أن إغتال الإرهاب الطمأنينة في زمن الدم، بقيت ألحانهم تسكن في الزمان والمكان، وصوتهم لا يزول من ذاكرة المدينة. آدم، ذلك الرجل ، لم يكن استثناء. كان قلبه يذوب في ألحان وهران، رغم أنه لم يعرف يومًا العواطف الحقيقية، أو تلك الارتباطات التي تهز أركان القلب. كان يمر في شوارع المدينة، يتمتع بأضواءها ويستمع لأصواتها، يركن إلى تلك الألحان التي تخاطب روحه الظمأى. رغم قسوته، كانت ألحان الشاب حسني والشاب عقيل تنجح في جعل قلبه يهدأ، وتفتح له بابًا صغيرًا للراحة في خضم معركته الحياتية المستمرة. عندما ينتهي من عمله، كان يجد عزاءه في زيارة البار الفخم، ذاك الذي يرتاده كبار الشخصيات، حيث يجلس في ركن بعيد، يستمع لألحان "العشق الممنوع"، فتستولي عليه تلك الألحان الحزينة، يسرح فيها، وكأنها جزء من حياته التي لا يجرؤ على عيشها. طبيعة عالمه، وطبيعة عائلته، وطبيعة عمله كانت تفرض عليه حياة بعيدة عن المغامرات العاطفية. كان يقمع نفسه بعنف، يحرص على ألا يقع في فخ العواطف، في عالمه لا مكان للنساء إلا في حدود اختياراته الدقيقة. كان يعتقد أنه يعرف ما يريد، ولم يكن يفضل واحدة على أخرى، لأن جميع النساء اللواتي مررن في حياته كن أجمل مما يتخيله العقل. كان قد انفصل عن خطيبته السابقة، تلك العارضة الشهيرة التي كانت ابنة رجل أعمال من بين المنتمين لعالم آدم  وهو الأمين.. انفصل عنها بعد أقل من أسبوع من الارتباط، دون سبب واضح، فاندفعت العارضة في بحر من الاكتئاب الحاد، عاشت أيامًا قاهرة لفتاة أحبت بصدق _حتى وهو يغمر نفسه بكأس الويسكي الفاخر، كانت الراقصات حوله، يرقصن ويمدن أيديهن إليه، يحاولن إثارته، لكن قلبه ظل بعيدًا عن كل تلك المحاولات. منذ ذلك اليوم وهو يبحث عن شيئا ما ..صارت مجرد رؤيته لإبتسامة تجعله يدرك الفرق بين نوايا الناس من خلال أفواههم المبتسمة .. حين وقعت عينيه على امرأة مبتسمة، وبدون تفكير، ألقى بكأس الويسكي بقوة، فانشطر الزجاج، وتحررت يده لتقبض على شعر تلك المرأة التي ابتسمت أكثر، محاولة اغراءه أكثر .. صار عنيفا لمجرد رؤيته إبتسامة إمرأة.                              **** _كانت فاطمة تئن من الألم وهي تمسك بظهرها المنحني لأداء عمله وجهها شاحب كمن تحمل جبلاً من الهموم، عيونها تحمل بريقاً خافتاً من التعب. وبينما هي تكمل عملها في صمتٍ ثقيل، لم تكد تفرغ من مهمتها حتى سمعت صوتاً يأتي من الجهة الأخرى، كان صوتاً معروفاً ومهيباً: صوت زوجة السيد أحمد. كانت السيدة، أرستقراطية في كل تفاصيلها، تجلس كأنها إحدى الملكات في عرشها، قدمها مرسوحة على الأخرى، ومجلة فرنسية عن الموضة بين يديها، تشرب الشاي ببطء، كأنها تستمتع بكل لحظة من لحظات حياتها الرفيعة. كانت تلك السيدة التي يلقبها الجميع بـ "سيدة المزرعة"، تملك جل أراضي القرية وتسيطر على كل شيء من حولها بحضورها الطاغي وقفت فاطمة أمامها، كما يقف الخادم أمام سيده، وقالت بصوت هادئ ومتواضع: "سيدتي... أطلبتني؟". كانت تنتظر الرد بفارغ الصبر، تحاول أن تخفي مشاعرها المرتبكة، فالسيدة كانت دائماً تثير في قلبها نوعاً من الهيبة... "فاطمة، غداً سأغادر أنا وزوجي إلى العاصمة لحضور تخرج ابننا... أريدك أن تجهزي حقائبي." قالتها بسلاسة، وكأن الأمر لا يتطلب أي جهد أجابت فاطمة بنبرة هادئة تكاد لا تُسمع: "هل تأمرينني بشيء آخر؟" "لا، ولكن... فاطمة، لا أريد أن أترك المنزل بمفرده لذا إقضي الليلة هنا مع أحد من أفراد عائلتك..." "أنا أعلم أنك مصدر ثقة من بين جميع الخدم، أنت الوحيدة التي أستطيع الاعتماد عليها." قالتها السيدة مبتسمة ابتسامة خفيفة، كأنها تتحدث عن شيء بديهي. كانت فاطمة قد أثبتت نفسها في العمل، وأظهرت أمانة ونزاهة جعلتها تشعر بأنها تستحق هذه الثقة. شعرت فاطمة بسعادة غامرة، وابتسمت بحياء، شاكرة السيدة على كلماتها الطيبة. _بينما كانت الخادمات الأخريات منشغلات في المطبخ، دخلت فاطمة عليهن، ثم قالت إحداهن بنبرة بسيطة: "فاطمة، زوجك هنا، يريد مقابلتك" تفاجأت فاطمة، فقد اعتقدت في البداية أن هناك مكروهاً أصاب أحداً من بناتها، فانطلقت مسرعة لتقابل عادل إذ لم يزرها أبدا من قبل.. كان يقف في فناء المنزل، يحدق في كل زاوية من زوايا المكان الفخم، كأنما يدخل لأول مرة إلى عالم لا يعرفه. لم ينظر إلى فاطمة، بل استمر في مراقبة كل تفصيل بعينيه، ثم قال بنبرة ساخرة: "وووه، هذا هو المنزل الذي تعملين فيه؟ كنت أتساءل كيف يبدو من الداخل..." أصابها الارتباك، قلب الأم يقلق بمجرد أفعال كهذه "هل أصاب إحدا الفتاتين شيء؟". قاطعها بحدة: "لا، لم يصبهن شيء... لما لا تسكتين؟" ارتاحت فاطمة داخلياً، لكنها لم تستطع أن تتجاهل الاستغراب من قدومه فقالت: "إذاً لماذا جئت؟ وإلى أين تنظر؟" عادل، الرجل الذي بدا وكأنه يرى الثراء لأول مرة، أجابها بعينين مليئتين بالمرارة: "انظري كيف يعيشون هنا و يدفعون لك فكة... " ردت فاطمة بحسم، محاولة أن تكون أقوى: "الحمد لله، هم يدفعون لي جيداً... عوضاً عن تلك الكلمات، اشكر الله على ما لدينا..." لكن عادل لم يرد, تأفف ثم استدار، وعيناه لا تزالان تلمحان المكان الواسع من حوله، كما لو كان يحاول أن يجد شيئا ما من هذا المنزل "حسناً... لا تتأخري في العودة إلى المنزل." قالها ثم انصرف، تاركاً فاطمة في حالة من الحيرة. بينما كانت تراقب خروجه، أدركت فاطمة شيئاً ما: لماذا جاء إلى هنا ولم يقل شيئا...!!                             **** _في تلك الليلة الباردة كان الهواء البارد يتسلل عبر النافذة الصغيرة مكسورة الجانب.. وقفت زينة في شرفتها, شاردة الفكر، تتأمل السماء الصافية المملوءة بالنجوم الرياح الباردة تعصف بشعرها الأسود الحريري الطويل بينما كانت عيناها تتبع النجوم التي كانت تتوهج وتغيب في السماء اللامتناهية.. كانت لا تزال تفكر في فرصة العمل التي إقترحتها عليها فردوس,كانت مشحونة بمزيج من الفضول والتردد كما لو أنها تقف عند مفترق طرق... إذا رفضت الفرصة فكيف ستغير حياتها السيئة, كيف ستخرج من فقاعة الفقر..!! وإذا قبلته هي لا تدري إذا كان الأمر مقبولا..!! من جهة أخرى كلما تذكرت أنها ستعمل مترجمة لرجل أعمال شعرت بالخجل الشديد, لكنها لم تفكر في الأمر كثيرا, هذه الفكرة ليس وقتها الآن فهي حتى لم تقرر ... _لطالما كانت زينة عاشقة للورود، حتى أن شرفة غرفتها، رغم ضيقها وصغر مساحتها جنة صغيرة في هذا المنزل المكتئب... لم يكن يمر فصل إلا وقد زينها بألوان الزهور المتنوعة ،وقد إفترشت أرضا لحاف يتناثر عليه بضع وسائد، كان مكانًا يعكس طابعها الهادئ والمحب للطبيعة. ومع كل صباح أول شيئ تفعله  هو الإستمتاع بالمنظر، كما لو كان يمدها بقوة لمواجهة اليوم. ولكن كان هنالك شيء آخر كان يشدّ انتباهها بشكل دائم. الشرفة تطل مباشرة على منزل الخالة حمامة. تلك الشرفة الصغيرة التي كانت في صغرها ملاذًا للحديث طويلًا مع فردوس كانتا تقفان هناك، تتبادلان الأحاديث ليلاً، تتابعان النجوم معًا، تتشاركان في أحلام عميقة. كان الأمر أشبه بالحلم الذي إندثر. لكن على مدار عشر سنوات، تغير كل شيء, النافذة لم تُفتح أبدًا، وظل الظلام يغطّي المكان. لم ترى زينة يومًا ضوءً ينبعث منها، بل كان البيت غارقًا في صمت قاتل، بعيدًا عن أي حركة أو حياة. مرت سنوات، والخالة حمامة وحيدة. تلك المرأة التي كان قلبها مليئًا بالعطف، باتت وحيدة تقاسم الظلام والوجع فراق ابنتها فردوس. كان الزمن قد ترك في قلبها جروحًا عميقة، وجعل صمتها يعكس حزنًا ينهش روحها. ورغم أنها بحثت، وناشدت العالم بكل ما أوتيت من قوة، إلا أن الحياة كانت أبطأ من أن تلتفت إلى آلامها. شيئًا فشيئًا، تحول قلبها إلى كتلة جليدية، لا تسكنه سوى الذكريات المرة. كانت تتوجع على حمامة,الإمرأة المكسورة, قصة معاناة امرأة فقدت أغلى ما لديها. امرأة ضحت بكل شيء، بكل طاقتها وحبها، من أجل أن تمنح ابنتها حياة أفضل كانت حمامة قد أعطت فردوس الكثير، لكنها لم تقابلها إلا بالدمار، دمرت والدتها، أحرقتها في لهيب الخيانة والخذلان.                                  **** _كانت المائدة تغص بالأصوات، ووجه زينة كان غارقًا في التوتر والقلق. الجميع حولها يأكلون ويتبادلون الأحاديث بصوت منخفض، إلا أن قلبها كان ينبض بشدة، وكأنها على وشك الدخول في معركة لا تعرف نتائجها. قررت أخيرًا أن تفتح فمها، فتوقفت عن التلاعب بالملعقة ثم قالت بصوت منخفض لكن حازم: "لقد عثرت على عمل..." في البداية، ساد الصمت المطبق... الجميع توقف عن الكلام وأطلقوا نظرات استغراب سألت الأم إبنتها : "ما هو العمل يا زينة؟ أفرحينا!" زينة بلعت ريقها بصعوبة، وأصابعها ارتجفت وهي تلتقط الملعقة وتضعها على حافة الطبق. ضغط عميق في صدرها، ولكنها مضت قائلة بصوت خافت: "سأعمل مترجمة، ومحررة... أتمنى أن أقبل في المقابلة..." لكن دهشة الحاضرين ازدادت. الجميع كانوا يعرفون زينة، تلك الفتاة التي إذا حصلت على فرصة للعمل، كانت تقص عليهم كل تفاصيله بالتفصيل الممل، و. لكن هذه المرة بدت وكأنها تجبر نفسها ليس إلا . العيون الحائرة بدأت تدور حولها، وكان عادل، الذي كان قد أمسك بشوكته ليتناول طعامه، قد سأل فجأة بصوت عميق: "أين هذا العمل؟" شعرت بتيار من القلق يمر عبر جسدها، لكنها استجمعت شجاعتها وقالت، وعيناها تلتقيان بالأرض: "فردوس، فردوس هي من أخبرتني عنه إنه في وهران..." صمت الجميع، وكأنهم تلقوا صدمة. الحروف سقطت عليهم وكأنها رعود. العيون امتلأت بالظلام، وكأن زينة قد ارتكبت جريمة لا تغتفر. فاطمة التي كان الغضب قد ارتسم على وجهها، انفجرت قائلة بحدة: "فردوس؟ فردوس أخبرتك عنه؟ كيف تصدقين كلامها؟!" صوتها كان كالسوط، يعكس معاني الشك والازدراء، وكأنها تتحدث عن أمر يمس الشرف. العجوز، التي كانت جالسة في ركن المائدة، رفعت يدها ضاربة صدرها وصاحت: "يا بلوتي، اسمع يا عادل، ابنتك تكلم الساقطة فردوس..." تسارعت ضربات قلب زينة وهي تحاول السيطرة على مشاعرها، لكنها كانت تغلي من الداخل. التفتت إلى جدتها وقالت : "جدتي، أرجوك... ليس مجددًا، لقد أخبرتني فقط عن المقابلة. سأعمل عملاً واضحا، فردوس ليست لديها شهادة جامعية حتى. لماذا دائمًا عندما أتحدث عنها تبدأين بالكلام التافه عني؟" لكن عادل، الذي كانت مشاعر الغضب تحرق قلبه، ضرب المائدة بقوة، مما جعل الصحون تهتز. صوته كان كالعاصفة: "كيف تكلمين تلك المرأة؟! كيف تجرئين؟! تريدين أن تلحقي الفضيحة بي؟!" أضاف بصوت ملؤه القسوة: "لا أعرف لماذا تريدين العمل، ماذا ينقصك؟ انتظري حتى تجدين عملاً محترمًا، أو أغلقي فمك!" خرجت منها ضحكة متعبة، ثم قالت بصوت منخفض لكنه مليء بالمرارة: "حقًا؟ أنا أكثر إنسان يحتاج العمل يا والدي. الحياة التي تتحدث عنها هي أكثر حياة مؤلمة. لا أريد أن أستمر في تسخين الماء على الفرن لأستحم. لا أريد أن أستحم مرة في الشهر. لا أريد أن أكون لا شيء، أن أعيش في فقر يعذبني... أريد أن يكون لي مال خاص بي، منزل جيد، ، وأن أتمكن من تلبية متطلبات أختي الصغرى..." كانت كلماتها كالسكاكين التي تجرح الهدوء الذي كان يحيط بالمنزل. لكن فجأة، ارتفعت يد عادل في الهواء، وتوجهت نحوها بقوة. لعنها بصوت عالٍ، ثم وجه لها صفعة، سقطت على وجهها بحدة. "ألا تستحين من نفسك؟!" صرخ مشمئزا من كلامها ,كالذي مسه الملح في الجرح,تهربه من واقعه وإنسلاخه منه ذكرته به زينة وهو الذي يريد أن يظهر على أن كل شيئ جيد.. "كيف تجرئين على إغضاب والدك... أيتها الفتاة الوقحة!" صاحت العجوز الخبيثة " كفى جدتي...كفى خبثا وإصطناعا...لا دخل لك بيني وبين والدي..." والعجوز، التي تظاهرت وكأن قلبها انكسر، أخذت تذرف دموعًا صناعية أكثر استفزازًا، مما جعل غضب عادل يزيد. "أيتها الوقحة!" صرخ مرة أخرى، محاولًا ضربها، لكن زينة هربت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها. سقطت على الأرض، باكية، نادمة، وغير قادرة على فهم ما يحدث حولها... كان وجهها محمرًا من شدة البكاء، جسدها يتأرجح بين الألم والحيرة... همست في قلبها، بينما كانت دموعها لا تتوقف: "يوم واحد، يا إلهي... يوم واحد أعيش فيه سعيدة. إذا كانت حياتي ستستمر هكذا، فالموت أفضل لي. أنا مقهورة.." عادل يصرخ بصوت عالٍ: "لا يوجد عمل! إذا سمعتها تتحدث عن عمل مرة أخرى، سترين ماذا سأفعل!" كان يطلق أي كلام من شأنه أن يهدد به زينة... جالسة على حافة سريرها، تتنفس بصعوبة، وكان عقلها يدور بسرعة أكبر من قدرتها على استيعاب كل ما يحدث حولها, من جهة صراعها منذ البداية مع فرصة فردوس ومن جهة الأسرة غير المتفهمة لوضعها.. ولكن فجأة، انقضت لحظة من الضعف، وفي لحظة يأس قاسية، أخذت هاتفها أصابعها كانت ترتجف وهي تبحث عن اسم فردوس في قائمة الأسماء. ضغطت على الرقم دون تفكير، وكلما رن الهاتف، كان قلبها يدق أسرع، كأن كل رنة تحمل معها عذابًا جديدًا. ماذا ستقول..!! وفي لحظة من الضعف، تواصلت معها.. قالت زينة بصوت منخفض وحزين: " فردوس لا أستطيع أن أتقدم للعمل... العمل غير مناسب لي..." فردوس، التي كانت تطمح لتحقيق شيء أكبر من خلال هذا العرض، بدت مصدومة في البداية، ثم جاء ردها: "مستحيل، زينة! كيف؟ أنتِ تحتاجين لهذا العمل... ، وهذه فرصتك!" ولكن زينة، التي كانت تشعر بأن شيء في داخلها يُقاوم هذا الاختيار : "أنا... لا أستطيع، فردوس. ظروفي لا تسمح، لا أريد أن أنتقل لأعمل في وهران ... حتى لو كانت فرصة ذهبية..." ردت بحزمٍ أكثر: "لكن أنتِ لا تفهمين، زينة. الفرص لا تتاح دوما... هذي فرصة نادرة، يجب إستغلالها، ليس لديك وقت لتضيعيه في التفكير...." لكن زينة، التي كانت تُخفي آلامها خلف كلماتها، همست: "لكنني لا أستطيع... لا أستطيع أن أكون مثلما تظنين، فردوس...أحتاج العمل بشدة ولكن..." صمتت فردوس للحظة، ثم قالت بصوت يائس: هاه أنت حقا سخيفة...حمقاء...غبية...ليس لديك أي ذرة لتقدير ذاتك,أنت ستموتين في تلك القرية القذرة وفي ذلك المكان السيئ...أنا المخطئة,لأنني أردت مساعدة شخص مثلك..." "أنتِ لا تفهمين، فردوس... أرجوك أنا حتى الساعة أمسك نفسي لا تزيدي علي قد أكون كما ذكرتي ولكن لن أحطم كرامة عائلتي أبدا ,أنا في حاجة للعمل، لكن ليس بأي ثمن." في تلك اللحظة، أدركت فردوس أن الفتاة التي كانت تراها شخص يمكن التلاعب به كان أكثر إلتزاما وتقديسا للمبادئ , بدأت تتنفس بصعوبة، وقررت أن تترك زينة في قرارها، ولكن مع شعورٍ داخلي بإشتعال النيران " لا بأس " "أتمنى لك حياة سعيدة فردوس...وأتمنى أن..." أغلقت الخط دون حتى أن تقول شيئا آخر..لم تحزن زينة لتصرف فردوس, فهي شعرت بالخجل لرفضها الفرصة, والآن بعد هذا الرفض ستختفي فردوس من حياتها..وستعود كما كانت.. لكنها ضربت  هاتفها بكل قوتها على الأرض.. "النتنة!" همست أولًا بصوت خافت، لكنه كان مليئًا بالاحتقار. ثم رفعت صوتها فجأة، وكأن الكلمات تخرج من فمها كالرصاص: "كيف تتجرأين على رفض اقتراحي وأنا التي تلعب برجال الأعمال بين أناملها؟ زينة ال... حسنا... حسنا... فلتفعل ما تشاء. ستأتين زاحفة إليّ، أيتها الحثالة التي لا تعرف من الحياة شيئًا..."                              **** _استفاقت زينة على صوت والدتها فاطمة، التي فتحت شرفة غرفتها فسمحت لأشعة الشمس الشاحبة بأن تتسلل إلى الغرفة...تلك الأشعة التي بدت وكأنها تعكس مرض السماء بسبب علة ، وتضيف عبئًا ثقيلًا على صباح زينة الباكر. أغمضت عينيها مجددًا، مستغرقة في تأفف خفي، وألقت باللحاف على وجهها محاولة إبعاد كل شيء حولها. تنهدت فاطمة بعمق، وإقتربت من ابنتها، محاولة أن تبعث فيها بعض الأمل "زينة... الشهر المقبل سنقوم بإدخال الغاز إلى المنزل، وستتمكنين من الاستحمام كلما أردتِ، يا ابنتي... هيا، قومي، لا تحزني..." انتفضت زينة قليلاً تحت اللحاف، عضت شفتها السفلى بإحكام، وتأثرت بكلمات أمها و ما فيها من حب واهتمام. الألم كان يعصر قلبها. رفعت رأسها قليلاً، وقالت بصوت مكسور : "أمي... أنا أريد العمل من أجل تحسين معيشتنا، لا لأنني أريدكم أن توفروا لي شيئًا، أنا أعلم تمامًا ظروفنا..." ابتسمت فاطمة ابتسامة هادئة، لطيفة، تكاد لا تُرى، ثم قالت برقة: "أعلم، يا ابنتي... لكن لا عليك، سنحاول تحسين الوضع بما نستطيع... ليس عليك أن تجهدي نفسك بالبحث عن عمل، اصبري, سيرزقك الله عملاً محترمًا ,قريبًا من المنزل." أجابتها زينة، وقد كانت ملامح وجهها تخفي خلفها عبوسًا طفيفًا: "لكن السعي لا بد منه، أمي..." "زينة... حتى لو كانت الظروف قاسية، لا يجب أن يتنازل الإنسان عن مبادئه وضميره. أنتِ يا ابنتي، تعرفين هذا جيدًا..." ابتسمت ، محاولة أن تخفي ما كان يعتصر قلبها من ألم... قالت بصوت أقرب إلى الهمس: "أجل..." ثم تغيرت نغمة الحديث، فقالت فاطمة: "بالمناسبة، أنا ووالدك لن نكون في المنزل اليوم..." تفاجأت زينة وقالت بتساؤل: "لماذا، أين أنتما ذاهبان؟" تنهدت فاطمة، ثم أجابت بنبرة بدت سعيدة: "السيدة رحمة ستغادر هي وزوجها، وطلبت مني أن أبقى في المنزل الليلة... سيرافقني والدك." عندما رأت فاطمة البرود في وجه ابنتها، أضافت: "سوف تزور عماتك جدتك اليوم، فلا تطيلي لسانك مع إحداهن، فهن أكبر منكِ." هزت زينة رأسها بتفهم، لكنها لم تجب.                               **** لم تمر ساعات حتى امتلأ المنزل بالزوار... تجمّع أبناء وبنات فاطمة وأحفادها في غرفة المعيشة الصغيرة، بدءًا من حسان وزوجته جلنار وابنهما عامر ومرتضى ، ثم التوأم فلة ووردة، وحليمة وابنها هشام وابنتها صفاء، وأخيرًا سمية، المتزوجة حديثًا.. كان منزل الجدة مليئًا بالأصوات، الضحكات، وأحاديث لا تحصى. ولكن زينة لم تجد في هذه التجمعات ما يفرح قلبها... كانت تشعر وكأنها وحيدة وسطهم، تقوم بالأعمال المرهقة تتنقل بين الطبخ والتنظيف ، بينما يستمتع الجميع بوقتهم.. " هاه هذا ما كان ينقص أن تحتفل بعيد ميلادها العجوز الخرفة..." تمتمت بينها وبين نفسها.. بينما كانت تفرغ الصحون، شعرت بوجع في ظهرها، حيث أصابتها الكرة التي ركلها الطفل في المنتصف "آوتش... ظهري..." تمتمت بصوت خافت, لم يتوقف الطفل ليعتذر، بل ركض نحو كرته بسرعة. "هشام... اللعب خارج المنزل وليس هنا..." قالت ذلك وهي تكمل عملها... لكن الطفل أطلق ضحكة ساخرة وأخرج لسانه قائلاً بوقاحة: "أنتم اخرجوا من هنا، هذا ليس منزلكم.." شعرت  بغصة في قلبها، ردت في داخلها بغضب: "عمري خمس وعشرون عامًا... ويستهزئ بي طفل عمره خمسة أعوام... الآه، قليل الأدب... إذا أمسكتك، سترى..." فجأة، جاء صوت جدتها من الصالة، مليئًا بالأوامر: "زينة... زينة..." أغمضت عينيها، وكظمت غيظها، ثم قالت بصوت مفعم بالاستسلام: "نعم، جدتي." "أين القهوة؟ أحضريها.." أغلقت صنبور الماء بقوة، وهي تحاول أن تسيطر على مشاعرها. عينيها تغرق في الألم، لكن قلبها كان ينبض بغضب.. . "خادمة؟ هل أنا خادمة؟ اللعنة عليكِ أيتها العجوز، فقط لأن هذا منزلُك، أنا أفعل كل هذا..." _حملت صينية الفناجين بخفة وسارت بها نحو غرفة المعيشة...كان وجهها يحمل تعبيرًا محايدًا، ما إن وضعت القهوة أمامهم حتى تركزت الأنظار نحوها. لكن عوض الشكر جاءت التمتمات والنظرات القاسية كالسكاكين... "القهوة ليست جيدة... المرة القادمة أكثري من البن. هل غفلتِ عن هذا وأنتِ في هذه السن؟!" شعرت زينة بوخزة في قلبها، لكنها كتمت الكلمات التي ازدحمت في صدرها وجلست في ركن بعيد، تحاول أن تتجنب نظراتهن الحادة التي تكاد تخترقها. كانت تعرف أن هذا جزء من حياتها اليومية في منزل الشمطاء عائشة... صمتها لم يكن عن ضعف، بل عن خوف. تخشى أن يؤدي أي شجار إلى طردهم من هذا المنزل الذي بالكاد يؤويهم كانت الفتيات الثلاث اللواتي يصغرنها بقليل يتبادلن النظرات ويتغامزن، ثم يضحكن بصوت خافت لكنه مسموع... حاولت زينة أن تتجاهلهن، متظاهرة بأنها لم ترَ شيئًا. لم تنسى اليوم الذي انفجرت فيه وضربت إحداهن بسبب سخريتها الجارحة. كانت النتيجة أن ابن عمها عامر تدخل وضربها ,لم تكن قادرة على مواجهته، فمكانته في العائلة أعلى، وكلهم سينحازون له.. "تحمّلي، زينة... فقط تحمّلي" كانت هذه العبارة هي العزاء الوحيد الذي تردده في قلبها كلما اشتدت عليها المواقف... نظرت إليها سمية، التي كانت دائمًا العدو الأكبر لزينة. سمية، الاسم الذي كان في نظر زينة رمزًا للسموم، كانت تحمل حقدًا دفينًا منذ الصغر. قالت بنبرة مليئة بالتهكم: "زينة، أما زال بابكم لا يُطرق؟ ألم يعجب بكِ رجل واحد حتى الآن؟ عملتِ كالثور في كل مكان، ولم تصطادي أحدًا!" ضحك الجميع ضحكًا عاليًا، لكن زينة شعرت بغصة مريرة تكاد تخنقها. "أمي، إذا وصلتُ إلى سن زينة، هل يعني ذلك أني عانس؟!" تساءلت صفاء، مبتسمة بخبث... ضحكت أمها وقالت: "صفاء، أنتِ الآن في الثانوية، والخطّاب لا يكفون عن التقدم إليكِ... جمالك لا يمكن أن يصل إلى سن العنوسة". شبكت, أصابعها، محاولة الهروب من هذا الحديث المسموم. لكنها لم تستطع منع نفسها من التفكير في كلماتهن... غادرت الغرفة بخطوات متثاقلة، متجهة إلى البستان حيث كانت جميلة الصغيرة تلعب مع ابن عمها هشام. وقفت بعيدًا، تتأمل الطفلة بحب، لكنها لم تنتبه إلى الرجل الذي وقف خلفها.. "ماذا تفعلين هنا؟" جاء صوت مرتضى، باردًا كعادته... التفتت بسرعة، وعندما رأت أنه مرتضى، شعرت برعشة تسري في جسدها. كانت قد نسيت خمارها، وشعرها الحريري يتطاير بفعل نسيم البستان... "م..مرتضى..." نطقت باسمه بخوف مكتوم... نظر إليها بنظرة باردة، لكنها تحمل شيئًا آخر، شيئًا مظلمًا يخيفها..حاولت أن تبتعد، لكنه كان يتبعها كالذئب الذي يطارد فريسته... داخل المطبخ أخذت تغسل الأواني وهي تشعر بعيونه تخترقها من الخلف..حاولت أن تتجاهله، لكنها لم تستطع أن تمنع نفسها من الارتجاف... "يا ابنة عمي، ألن تضيفينني؟" قال بصوت ناعم.. حملت فنجان القهوة، يداها ترتجفان، ووضعته أمامه. وعندما لامس أصابعها، فزعت وابتعدت بسرعة. لكنه اقترب أكثر، ولمس خصرها فجأة... صرخت صافعة إياه: "كيف تجرؤ؟!" صفعها، وعيناه تتطاير منهما شرر الغضب... "أيتها القذرة! كيف تجرئين على صفعي؟" صرخت زينة بحدة: "أنتَ منحرف! إذا لمستني مرة أخرى، سأخبر عمي بكل شيء!" اقترب منها وهمس في أذنها بصوت مليء بالرغبة: "زينة... مرة واحدة فقط... أعطني مرة واحدة...لن أفقدك ع..." دفعته بقوة، الدموع تنهمر من عينيها أمسكت سكينًا ووجهته نحوه كانت أصابعها ترتجف، لكنها لم تتراجع... "لا تقترب مني... سأقتلك!" تراجع مرتضى على مضض، وخرج بعدما نادته جدته بصوتها المليء بالدلال... انهارت  ويدها التي تحمل السكين سقطت إلى جانبها ,شعرت وكأن قلبها ينفجر من الألم والخوف... "اللعنة عليك... اللعنة عليك أيها السافل..." تمتمت بصوت مخنوق، ودموعها لا تزال تسيل كالمطر...                                  **** _تصرف عادل وكأنه صاحب المنزل، يجول بين أرجائه بلا تردد، يعبث بالأشياء كما لو كانت ملكًا له، ويفتح الثلاجة ليأكل ما فيها دون استئذان. لم يُبالِ بنظرات زوجته فاطمة القلقة، التي كانت تراقبه بعين الصقر، خائفة من أن يرتكب حماقة كتكسير شيء أو افتعال ضررٍ في المكان.. وجود زوجته المتواصل بجانبه أفسد عليه خطته, عيناها اللتان لا تفارقانه كانتا أشبه بحارسين يقيدان حريته, ينتظر بصبر مشوب بالتوتر حتى تخلد للنوم، فليس هناك فرصة لتنفيذ ما يدور في خلده إلا حين يغرق البيت في السكون. جال بنظره في كل الغرف، متفحصًا بنظرات دقيقة ومريبة، حتى استقر رأيه على الغرفة الأهم: غرفة نوم مالكي المنزل, وقف أمام الباب وكأنه يدرس خطواته التالية، لكن فجأة، قطع عليه تركيزه صوت زوجته يخترق الصمت: "عادل... ماذا تفعل؟" "لماذا تسيرين كالأشباح؟! ماذا أفعل برأيك؟ أستكشف المكان، فقط!" "عادل، لا يجوز أن تعبث ببيوت الناس, الغرفة الوحيدة التي سمحت لنا السيدة باستخدامها هي في الطابق السفلي..." حاول عادل أن يخفي قلقه وخوفه من أن تكتشف نواياه، فتصنّع ابتسامة وغيّر نبرته قائلًا: "فوفو، حبيبتي، أعدّي لي كوبًا من القهوة بيديك الجميلتين..." ابتسمت فاطمة رغم شكوكها، غافلة عن كل ما دار في ذهنها للحظة، وقالت بخفة: "على رأسي يا عادل..." تنهد عادل بارتياح، فقد نجح في التملص من موقف الشك ,وضع يده على باب الغرفة ومسحه برفق، بينما ابتسامته الماكرة تُظهر شرًا دفينًا، وكأنه يتوعد هذا الباب أنه سيدخله مهما حدث. حين أسدل الليل ستائره، فتح عينيه كسارقٍ محترف، يراقب أنفاس زوجته المتناسقة ليتيقن من أنها غارقة في النوم.,نهض ببطء تسلل بخفة الضبع. وقف أمام باب الغرفة مرة أخرى، هذه المرة أكثر تصميمًا يداه كانت ترتجفان، وقطرات العرق تنساب على جبينه أدار  المقبض ببطء، ودفع الباب بخفة، فتسللت صريرته الهادئة كهمس في هدوء الليل, كان الظلام يُغلف الغرفة، لكنه لم يُثنه عن المضي قُدمًا. أخرج مصباحًا صغيرًا من جيبه، وأضاءه بحذر، مسلطًا شعاعًا ضعيفًا على محتويات الغرفة. تأملت عيناه اللامعتان المكان بسرعة، يبحث عن هدفه الذي أتى من أجله, كانت هناك خزانة خشبية فاخرة على جانب الغرفة، اقترب منها بخطوات متوجسة، كأنه يخشى أن تصدر الأرض صوتًا يكشق قبح فعله. مد يده إلى أدراج الخزانة وبدأ بفتحها واحدًا تلو الآخر، محدثًا أقل قدر ممكن من الضجيج. قلب الأوراق، وأزاح الملابس بعشوائية، حتى وجد ما يبحث عنه: صندوق صغير مُزين بنقوش ذهبية.... رفع الصندوق بحذر بين يديه، وقلبه ينبض كطبول معركة. فتحه ببطء شديد، وكأنه يخشى أن يكون هناك فخ داخله,وحين انفتح الغطاء، انعكس بريق الذهب على عينيه الجشعتين، ليظهر عليهما لمعانٌ أشبه بوميض خاطف. كانت الأساور الذهبية والحُليّ مرصوفة بعناية، كل قطعة تصرخ بثمنها الباهظ. لم يتمالك نفسه، ابتسم بخبث، بينما أخذ يخرج القطع واحدة تلو الأخرى، يزنها في يده ويشعر بنشوة الفوز جمع كل ما في الصندوق في حقيبة صغيرة أحضرها معه، وأعاد الصندوق فارغًا إلى مكانه بحذر. قرر الإسراع، وخرج من الغرفة بخطوات متلاحقة، محاولًا ألا يُصدر صوتًا. كانت عيناه تتنقلان بين الظلام والباب المؤدي للخارج. حين وصل إلى غرفة النوم التي ترك فيها فاطمة، وجدها كما هي، غارقة في نومٍ عميق. شعر بارتياح كاذب، وألقى نظرة أخيرة على الحقيبة بين يديه. ابتسم بانتصار وهمس لنفسه: "هاه...وأخيرا ...."                                  **** _لم تبح زينة بما فعله ابن عمها مرتضى صباحًا، ورغم ما كان في قلبها من حزن وألم، إلا أنها سمحت لليوم أن ينقضي كما بدأ. كانت الغرفة تضيق بها؛ فقد كانت بنات عماتها قد نمن معها، وبعد أن اطمأنت على أختها الصغيرة، خرجت إلى الفناء لتتنفس قليلاً. وقفت هناك في الظلام، تنظر إلى السماء وتبكي، متوجعة على ما جرى ونادبة حظها العاثر. لكن وسط صمت الليل، شعرت فجأة بيد تغلق على فمها ، تسحبها بقوة، مما جعل قلبها يخفق بشدة..!!! .شعرت أنها تختنق ، و اكتشفت أن اليد التي سحبتها لم تكن سوى يد ابن عمها مرتضى,تجمدت في مكانها، جسدها يقاوم الخوف الذي بدأ يعصر قلبها كانت تشعر بالارتباك، العرق يتصبب من جبينها، وكأن عينيها فقدتا قدرتها على الرؤية بوضوح وسط الظلام. ما حدث لم يكن مجرد سحب مفاجئ، بل كان شيئًا مرعبًا... مرتضى كان يبتسم بشكل غريب، لكنه كان يحمل في عينيه شرًا لم تستطع زينة فهمه حاولت سحب يدها من قبضته بقوة، لكن قبضته كانت أقوى مما توقعت، وكان وجهه يقترب منها شيئًا فشيئًا محاولا أن يستشعر نعومة بشرتها أصوات أنفاسه الثقيلة ملأت المكان، بينما كانت زينة تحاول بكل قوتها أن تفر من بين يديه، تتخبط في قبضته.. كانت تحاول بكل مااؤتيت من قوة أن تتحرر, لكنه أمسك بيديها,يضغط بجسده عليها محاولا إخضاعها شعرت أن قلبها توقف عن النبض وإقشعر جلدها, كانت تصرخ داخليا, شعرت أن الدم يتدفق من قلبها وهي تتوسل بعينيها إبن عمها الذي بدا وحشا.. "لا...لا...إلاهي ساعدني..لااااااا" في لحظة من القوة المستميتة، جمعت زينة كل ما تبقى لها من طاقة، ودفعته بكل قوتها، ما جعل مرتضى يتراجع قليلاً استغلت تلك الفرصة ، وركضت بأقصى سرعتها قلبها ينبض بقوة، وعقلها يكاد يفقد توازنه من شدة الرعب، لكن قدميها حملتاها إلى حيث لا يستطيع أن يصل. هرعت إلى الحمام بسرعة، وأغلقت الباب خلفها، مختبئة لا تكاد تصدق أنها نجت.. مرت دقائق كانت كالعمر، إذ سمعت أصواته وهو يركض في البيت، يبحث عنها بعنف كان يتفحص كل زاوية ولكن مع مرور الوقت، بدأ صوته يخف، حتى هدأت خطواته تمامًا. أدركت أن مرتضى قد ملّ من البحث، وغادر المكان أخيرًا. لم تستطع أن تمنع نفسها من البكاء في تلك اللحظة، ليس فقط من الخوف، بل من الألم الذي اجتاح قلبها. عاشت دقائق من العزلة في ذلك الحمام، حيث كان صوت دموعها هو الصوت الوحيد الذي يملأ الأجواء، بينما كانت تُحاول جمع شتات نفسها، متمتمة بصوت منخفض " ليتني أموت...ليتني أموت...آه..." يتبع...