الصديقتان - إبتسمي...زينة - بقلم Rafif006 | روايتك

اسم الرواية: الصديقتان
المؤلف / الكاتب: Rafif006
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: إبتسمي...زينة

إبتسمي...زينة

قراءة ممتعة ✨💜 _تحت أضواء النيون الخافتة التي تعكس ألوانها على بشرتها البيضاء كمرآة تعكس ضوء الشمس البريئ, شعرها الذهبي البراق كان مشعا بشكل ملفت للنظر, شفاهها مرسومة بدقة بلون أحمر عميق تشبهان زهرة تحترق, أما خطواتها على أرضية الملهى ناعمة وواثقة كأنها ترسم إيقاعها الخاص. كان في مشيتها توازن غريب بين الحدة والرقة وكأنها راقصة على حافة سكين.. فردوس كانت امرأة تثير الانتباه بمجرد دخولها أي مكان. شعرها كان يتمايل برشاقة مع كل حركة, عيونها البنية كانت تنبعث منها نظرات مليئة بالغموض.. جسدها كان رشيقًا ومتناسقًا، ينضج بالأنوثة والجاذبية. ملابسها كانت تعكس شخصيتها بثقة، تبرز تفاصيل جسدها بشكل لائق وغير مبتذل، تتنقل بين الجرأة والأناقة,ساحرة مثل عارضة أزياء.. تعرف جيدا كيف تحرك يديها وهي تتجرع من كأسها ببطئ شديد وكأنها تتجرع من كأس مسموم,وكيف تلقي نظرة جانبية كانت كفيلة بأن تترك أثرا لاينسى في قلب كل رجل.. إقترب منها عدة رجال ولكن بكل هدوء كانت ترفض بصوت منخفض مغلف بأنوثة طاغية ذلك لأن عيونها كانت تترقب فريسة أكبر.. في زاوية مظلمة من الملهى، كان يجلس الرجل الغامض. سيجارته بين يديه ينبعث منها دخان كثيف، يلتف حوله كما لو كان جزءًا من هالته الغامضة. كان يرتدي ملابس أنيقة وعيونه تخترق الظلام، متأملًا كل من حوله دون أن يُظهر أي انفعال. بينما كانت فردوس تتنقل في الملهى، تلامس أنظارها فجأة عينيه، وكانت النظرة التي التقت بها كالنصل الحاد. كان يتأملها بترقب، وكأنه يراها فريسة ثمينة، ولكن بطريقة لا تكشف عن نواياه. ببطء، رفع كأس الويسكي إلى شفتيه، تذوقه ببطء وكأن كل لحظة من حياته تمر ببطء, شيئ ما قد حدث، كأن الزمن قد توقف بينهما. رغم أن فردوس كانت تدرك تمامًا تلك النظرات المتفحصة، لم تبدُ عليها أية علامة للخوف. بل على العكس، كانت تسير نحوهم بخطى واثقة، كما لو كانت تعلم أنه لا أحد يستطيع الوقوف أمام إلهة الجمال , كانت تعرف أن نظراته لا تحمل البراءة، ولكنها كانت تملك القدرة على إذابة قلب كل رجل مهما كان صلبا وثابتا... لكن لا تنكر أن هذا الرجل الأجنبي قد إستغرق وقتا طويلا في التقرب والتودد إليها ولذلك قررت أن تمارس أحد أساليب الإغراء.. العمود.. كان الرجل الغامض لا يزال يراقبها عن كثب، عينيه مليئتين بالشهوة.. مع كل تنهيدة قوية تنفلت من صدره غيمة من الدخان ,وكأن كل حركة من حركاتها تثير رغبة مكبوتة في قلبه، ولكن في الوقت نفسه، كان يتراجع قليلاً عن التفاعل المباشر، مراقبًا من بعيد، ينتظر شيئا جديدا منها.. وفجأة، توقفت فردوس عن الرقص، متكئة بلطف على العمود، نظرتها ثابتة في عينيه. لم يكن هناك حاجة لكلمات؛ كانت تلك اللحظة تعبيرًا عن التحدي، والإغراء. ولكن بدلاً من أن يتحرك، ظل الرجل على حاله، يعيد ترتيب سيجارته بهدوء وكأن شيئًا لم يحدث. في تلك اللحظة، كان المكان كله يشهد على تلك المواجهة غير المعلنة, فردوس لم تحتج إلى أكثر من تلك اللحظة لتحقق هدفها. لم تكن تبحث عن رد فعل واضح أو مؤكد، بل كانت تملك السيطرة على اللحظة بكل تفاصيلها... " تستحق النظر..ليست سيئة إطلاقا..." لقد نجحت في إيقاع جيوفاني..!!                                 **** _في قلب الغابة الكثيفة، حيث الأشجار الضخمة تعانق السماء وتحجب عنها ضوء الشمس، كان يقف القصر المخيف . مكان غارق في الغموض والفخامة، كان يبدو وكأنه قصر من فيلم إيطالي قديم. جدرانه الحجرية الداكنة تحمل تاريخًا من الأسرار، ونوافذه الكبيرة تطل على الغابة كعيون تراقب العالم من بعيد. في الداخل، كان كل شيء يعكس ظاهره القوي والمهيب، من الأثاث الفاخر المزخرف بإتقان إلى الثريات الكريستالية التي تضيء المكان بضوء خافت، وكأن الزمان في هذا القصر لا يعرف الإستمرارية,ثابت أمام أهوال الزمكان.. كان جالسا عاري الصدر، جسده المعروض يعكس القوة الجسدية التي لا يمكن إنكارها مشغول بأفكار عن عمله, كونه المسيطر لا يخوله إلى الإستراحة.. إدخاله العديد من الرجال في لعبته يتطلب منه خيوط أقوى للتحكم بهم.. فجأة...وعلى غير العادة.. ابتسامة عفوية، بريئة، لاحت في ذهنه فاصلة بين الأفكار المتشابكة ,رغم القسوة التي كان يفرضها على نفسه، ورغم أن قلبه كان يملؤه البرود، إلا أن تلك الابتسامة كانت تثير شيئًا غريبًا في داخله، كأنها نغمة هادئة وسط فوضى حياته.. فقط ثغر مبتسم تتذكره عيناه..إبتسامة حملت براءة لا تصدق,لا يتذكر الملامح يتذكر فقط معنى الإبتسامة... أسند ظهره بكل قوة على الكرسي الجلدي.. سخر من نفسه معتقدا أن الفراغ بدأ يصنع أفكارا حمقاء, ولكنه كان يعرف جيدًا كيف يردع أي شعور ضعيف. هو رجل ثابت، قاسي، لا مجال للضعف في عالمه. لذا قام عقله بإلتقاط أي شيء يمكن استغلاله لتدمير هذا التسلل، مثل مسابقة التوظيف التي كان قد قرر الإعلان عنها.. في مكالمته مع مدير شركته، كانت تعليماته واضحة: "أريد أن تعلن عن مسابقة توظيف للترجمة، ... أي إمرأة لها شهادة جامعية في هذا المجال ولا يتجاوز عمرها الثلاثين ومن الأحسن أن تختار من المدينة التي تقيم فيها " "سيدي...هل ستشرف على الإختيار أم..." " أنا...سأترك أعمالي وآتي لتلك المدينة اللعينة وأقوم بإختيار عاهرة لعينة..." بلع الرجل ريقه فعلى ما يبدو أنه أغضب سيده بحماقة قالها...برر ما قاله والرجفة في نبرة صوته.. " زززز....عيم لم أقصد...سوف أبدأ ب..." قبل حتى أن يكمل كلامه أغلق الهاتف منزعجا... " أحمق..."                                 **** في هدوء الصباح الذي تسلل بخجل عبر ستائر الغرفة، كان الرنين المفاجئ للهاتف بمثابة صدمة بعثت الحياة في جو من السكون الثقيل. استفاقت فردوس فجأة، جفونها مغمضة، ومشاعرها مختلطة بين الغضب والارتباك، إذ كان جسد الرجل الأسمر عاري الصدر، الذي يشاركها السرير، متمدداً بجانبها، ويده على خصرها، كما لو كانت جزءًا من ذلك الليل الطويل. في حركة فجائية، دفعت يد الرجل عن خصرها، وكأنها تتقزز من الذراعان اللتان نبشتا جسدها أخذت نفسًا عميقًا، وهي تضع قدميها على الأرض.. " أيمكننا أن نلتقي..." ابتسمت فردوس ابتسامة خفية، عيونها تتلألأ بخبث بينما أصابعها تتحرك على الشاشة بسرعة، وكأنها تكتب نصًا محبوكًا بعناية. بينما كانت تقرأ الرسالة مرة أخرى، تمتمت لنفسها، ثم كتبت ردها، كلمات بسيطة لكنها تحمل في طياتها معاني أكثر بكثير مما تراه زينة. "بالطبع، عزيزتي البريئة." أضافت إليها إيموجي قبلة، كأنها تغلف ردها بهالة من اللطف، تمامًا كما تفعل دائمًا مع ضحاياها.. كانت فردوس على يقين أن هذه الكلمات البريئة ستوقع صديقتها في فخ لا مفر منه ,النوايا الخفية كانت تتربص في الظلال، تنتظر اللحظة المناسبة لتظهر...                                 **** _على مائدة مستديرة قديمة، اجتمعت العائلة حول الفطور. كانت الأنوار الخفيفة التي تنساب من نوافذ المنزل تعكس ظلال الوجوه الصامتة , عوضًا عن الحليب، كان هناك شاي ساخن، ينفث بخاره في الهواء، ممزوجًا برائحة الخبز الطازج الذي حضرته فاطمة في ساعات الصباح الأولى. ومعه، قطع من الزبدة الطرية... عادل، الذي عاد إلى حياته شيئًا فشيئًا بعد الحادث,كان غارقًا في طعامه وكأنه يسعى لاحتضان لحظات الراحة التي استعادها. كان يأكل بنهم، ينسى كل ما مر به، ويتجاهل همسات الواقع التي تطارده. وجهه، الذي تلاشت منه بعض الآثار، بدا أكثر حيوية، إلا أن عينيه لم تخلوا من نظرة غامضة.. أمه، التي كانت عينها تتراقص في تنقلها بين أفراد العائلة، كانت تملأ قطع الخبز بالزبدة برفق، وتقدمها له بكل حب، وكأن كل لقمة كانت دعاءً غير معلن لصحته الكاملة. بابتسامة هادئة، نظرت إليه وقالت بصوتها الحنون: "أتريد مزيدًا من الشاي يا بني؟" في الطرف الآخر من المائدة، كانت فاطمة، التي طالما بدت هادئة كماء البحيرة في أوقات الفجر، ، نادت بصوت رقيق على ابنتيها اللتان كانتا تلهوان في زاوية المطبخ. "زينة... جميلة... سيبرد الشاي..." "صباح الخير... ماما... بابا... جدتي..." أطلقت الطفلة كلماتها كمن يسقط حجراً في مياه هادئة، ثم ألقت نفسها في حضن أمها، التي احتضنتها بحب ومررت يديها على شعرها، تقبّل خديها.. "أوه أمي، أليس هناك حليب...؟" تأملت زينة الوضع بعينين مليئتين بالاستفهام، لكن لا شيء تغير، سوى ملامح وجهها التي امتلأت بضيق لم تعبر عنه فجلست، وأخذت تصب الشاي في هدوء، كمن يخفي خلف سكونه ثورة صغيرة... "ألا يجب أن نشتكي عن هذا الوضع...؟ إلى متى سيستمر غياب موزعي الحليب عن القرية؟!" سألت بصوت منخفض... "لا أعرف... دكان محمود لم يعد يبيع الحليب... هناك الحليب المجفف لكنه غالٍ... إذا لم أجد الحليب مساءً ..سأحضر علبة..." قالت فاطمة.. وضعت زينة الكأس ببطء على الطاولة، ثم قالت بحذر: "أمي... ليس عليك أن تقفي في الصف لتحضري الحليب... الصف مخصص للرجال." نظرت إلى إبنتها بنظرات إستفهام وإستغراب وأخرجت من صدرها عتابا لها " ماهذا الكلام زينة..!! حتى ولو كان كذلك أهذا يعني أننا لن نشتري...!! " " أتعنين بكلامك بأنه على والدك الوقوف في الصف وهو لم يتعافى بعد..؟" قالت العجوز بصوت رخيم، يتماوج بين الحزن والتأنيب : "والدك متعب وأنتِ... أنتِ تعاملينه بهذه القسوة؟" كان الكلام ينساب كالسيف المسموم، يثقل قلب زينة بغصة، بينما العجوز تتابع حديثها دون أن تترك مجالًا للرد. كانت كل كلمة تتنقل بين شفتيها، مليئة باللوم والاتهام، لكنها في نفس الوقت كانت تظهر أمامم كما لو كانت مثالًا للطيبة والبراءة.. لم تستطع زينة أن ترد عليها، فقط نظرت إلى والدها وكأنها تريد أن تعتذر. كانت تخشى أن يترك كلام الجدة جرحاً عميقاً في قلبه.. "لا... لا، لم أقصد ذلك... أبي، صدقني..." ثم تحدثت فاطمة بهدوء، كأنها تُصلح كل شيء بحنان الأم: "أمي... زينة لم تقصد شيئاً من هذا." حرارة مفاجئة سرت في أنفه فرفع رأسه وقال بصوت حازم وقوي، محاطًا بشموخ لا تخطئه الأعين: "مستحيل أن أترك زوجتي أو ابنتي تقف في صفٍ كله رجال، حتى لو كان ذلك يعني أن نعيش دون أن نشرب الحليب بقية حياتنا". كانت كلماته أشبه بصاعقة، وأثرت في قلب فاطمة بشكل خاص. فقد رأت في عينيه تلك اللمحة التي لا تخطئها امرأة، وهي غيرته الصادقة عليها وعلى ابنته، ودفع أمه إلى مدح شهامته في الجهة المقابلة، كانت زينة، تراقب أختها الصغرى وهي تشرب الشاي، ذلك المشروب الذي لا يزيدها شيئًا سوى المزيد من الإعياء. كانت تراقبها بتلك العينين اللتين تحملان همًّا أكبر من مجرد شرب شاي ، قد تتحمل هي أظافرها الهشة المتكسرة بسبب نقص الكالسيوم، لكن لم تستطع أن تتحمل منظر أصابع أختها الصغيرة في تلك الحالة البائسة . بإستياء عميق، عضت زينة شفتيها، قبل أن تصدر منها كلمة، رن الهاتف فجأة في المائدة، قلب الأجواء وأثار انتباه الجميع,علت عيونهم نحوه، مشدودة، وكأنما يترقبون حدثًا ما,وعندما ظهرت الرسالة على الشاشة، بكتابة عريضة : "ساعتان وأصل إلى قرية العفن..." ابتلعت زينة ريقها، وارتجفت أصابعها، ثم أطفأت الهاتف سريعًا. كانت نظرات الجميع تلاحقها، تحمل بين طياتها تساؤلات، بل شكوكًا واضحة. "من يا زينة؟" سألَتْها فاطمة، بعينين تبحثان في تفاصيل الشاشة لعلهما يكتشفان ما وراء الحروف. أما العجوز فقد كانت نظراتها ملأى بالريبة، تنم عن رغبة عميقة في التطفل. قالت العجوز بصوت هادئ، لكنها محملة بنبرة لوم: "أوه... يا عادل، لو رأيتَ بنات هذا الزمن، كم هن منحرفات! لقد رأيت تلك الفاسدة ابنة حمامة، وقد صار الجميع يتحدث عنها... الله يستر بناتنا..." كأن الكلمات طعنت زينة في صدرها، وتسللت خناجرها إلى أعماق قلبها، لتشعر وكأن الكلام كان موجّهًا إليها هي، لا إلى فردوس. غمرتها الأفكار المربكة، هل كان ما فعلته صوابًا؟ حديثها مع فردوس، وطلبها مساعدتها، ثم موافقتها على لقائها... هل كان هذا حقًا صحيحًا؟ هل كانت قد تجاوزت حدودًا يجب ألا تتجاوزها؟ وهي في دوامة من هذه المشاعر المتناثرة، أفاقت على صوت والدها الحاد، وهو يسألها كان وجهه مشوّهًا بالاستفهام اللاذع، وكأنه يحمل داخله شيئًا من القسوة. ثم أضاف، بلهجة متشائمة: "هل عرفتِ لماذا قاموا بإقصائك من المنحة؟" "آه... بحثت في الموقع... لأنني عملت من قبل في المدرسة، فإن عقدي معهم لم يُفسَخ بعد، ولا يزال ساريًا." " هاه سخيف.." على عكس الآخرين، كانت زينة أكثر فطنة من أن يغيب عن إدراكها ما حدث لوالدها، كانت تشعر أن شيئًا ما ليس على ما يرام. ورغم كل ما كان يحيط بالحادث من غموض، لم يكن لها من فرصة للسؤال سوى هذه اللحظة، الآن، في هذه الغرفة التي تكتنفها خيوط من التوتر الذي يعم الأجواء. نظرت إلى والدها بحذر، ثم همست: "أبي... بالنسبة لمحصلي الديون...". سكن الغضب عينيه، وتراكم في قلبه غيظٌ غير مكشوف. كانت نظراته حادة كحد السكين، لكنه أجاب بلهجة جافة، مليئة بالاستنكار: "لا يعنيك الأمر". رغم تلك الكلمات الغريبة، لم تجفل زينة، بل انتقلت أصابعها إلى بعضها البعض، وخفضت رأسها إلى الأسفل. لكن حديثها استمر، متوجسًا: "ألن يأتوا إلى هنا بحثًا عنك؟ أسأل حتى نكون حذرين..." كأنما أصابته السهام بكلماتها، انبعثت الصدمة في ملامح وجهه. لم يكن قد فكّر في هذا الأمر من قبل، فتسارعت أنفاسه، واتسعت عيناه. بدا مرتبكًا، يلهث في حديثه: "كيف سيأتون؟ ههه... لا تكوني غبية... ههه." في تلك اللحظة، كانت فاطمة، التي كانت تراقب زوجها بصمت، قد استشعرت توتره، فأرادت أن تطمئن ابنتها وتخفف من قلقها. نظرت إلى زينة، وقالت بحزمٍ يحاول إخفاء الهم: "زينة، والدك يعرف ما يفعله، هذه أمور لا تعنيك." لكن قبل أن تتمكن من إتمام حديثها، كانت الأصابع الصغيرة قد فرقت تشابك أصابعها و بإبتسامة إصطنعتها نظرت لأختها و همست: "زينة... سنتأخر عن المدرسة..." " حسنا حبيبتي إنتظري حتى أجهز نفسي.." منذ تخرجها قبل عامين، أصبحت مهمة إصطحاب أختها الصغيرة إلى المدرسة من مهام زينة الأساسية، تزاولها كل يوم ما عدا تلك الأيام التي تعمل فيها. لم تتردد يوماً في أداء هذه المسؤولية، ولكن... اليوم، كان الوضع مختلفاً، فقد بدا مختلفا و جديدا خاصة بعد إتخاذها قرار مقابلة فردوس. وهي تقف أمام المرآة لتحكم وضع حجابها، نظرت إلى وجهها لفترة أطول من المعتاد، كأنها تدرس ملامحها وتبحث عن شيء غريب في عينيها. لم يكن ذلك مجرد وجه ينعكس أمامها، بل كانت ملامحها تحمل كل تفاصيل حياتها، أيامها التي تتسارع دون أن تجد لها بداية أو نهاية واضحة. نظرت إلى نفسها وفي شرودها وجدت أنها على وشك بلوغ الخامسة والعشرين، سنة كانت تطويها بين يديها دون أن تشعر بتقدم ملموس في حياتها، وكأن الأيام تبتلعها دون أن تعطيها فرصة للانطلاق. لطالما كانت تكره المرآة,كانت تلك القطعة الزجاجية أكثر من مجرد أداة للاعتناء بالمظهر؛ كانت، بالنسبة لها، مرآة لواقعها، لفراغ يملأه التوتر والضياع. في كل مرة كانت تحدق في وجهها، كان انعكاس حياتها يظهر بوضوح، لذلك كانت تحاول جاهدة أن تتجنب النظر في نفسها طويلاً. سواء كانت تعدل حجابها أو تضع قليلاً من الكحل على عينيها، كان همها أن تجد شيئاً يلهيها عن مواجهة تلك الحقيقة، الحقيقة التي كانت ترى انعكاسها في المرايا.. **** _أقلعت عشرات السيارات السوداء خلف بعضها وكأنها قطيع من الذئاب السوداء، تحيط بسيدها الذي كان يتوسط صف السيارات الطويل، وكأنها تحميه، لا يمكن إيقافها ولا حتى مشاركتها الطريق... كانت كل الطرق العسكرية في البلد متاحة له، هو الذي يسيطر على كل الطرقات، ملكٌ بلا منازع. "زعيم، أرجوك ارتدِ البذلة المقاومة للرصاص..." قال السائق، الرجل ذو البدلة السوداء، الذي كان يرتدي نظارات تغطي وجهه، تحاول أن تحجب كل تعبيرات القلق. فتح آدم عينيه الزرقاوين بعد تلك الكلمات، وكأنها أنبأت بقوة لا تعرف الخوف، وبعد لحظات من الصمت الثقيل، جاء الرد البارد: "أتظنني خائفاً؟!" كانت نبرة صوته قاتلة، تسيطر على كل من حوله. ارتبك الرجل، وقبل أن تخرج منه الكلمات المبررة لموقفه ،قبض عليه بذراعيه القويتين اللتين كانتا تشبهان الحديد، والعروق بارزة في رقبته ويديه، في حركة خاطفة فتح باب السيارة وألقاه في الطريق. تدحرج الرجل بين السيارات ,نزل الرجال الأشداء من سياراتهم، يرتدون نفسةالبذلات السوداء، أجسامهم القوية وهالات الولاء تحيط بهم. كانوا يقفون في صمت، كأنهم يقفون أمام طوفان من القوة، بينما الرجل الذي تم إلقاؤه كان ينزف دماً في الطريق. "زعيم... هل نقتله؟" همس أحدهم بحذر، والخوف يلوح في صوته. آدم، الذي كان جالسًا خلف عجلة القيادة بهدوء، يده تلتف حول المقود بكل شدة، وأصابعه تدق عليه كما لو كان يعزف على آلة موسيقية . كان غاضبًا، لكن هذا الغضب لم يكن بسبب ما حدث، بل كان غضبًا متراكمًا في أعماق صدره، ينبثق من مكان آخر، من معركة داخلية أعمق من مجرد خطأ صغير كهذا.. ""أحضروه..." قالها بصوت بارد، لا تحمل حروفه أي رحمة. ركع الرجل أمامه، مغطى في دمائه، يلوح في عينيه شيء من الرعب والانكسار. لكن الزعيم، لم تظهر على وجهه أدنى ملامح للشفقة أو تأنيب للضمير. كانت نظرته ثابتة، حادة، كأنها تحاول أن تقطع من أهانها إربا إربا "زعيم... أستحق الموت..." نطق بها بصوت يعتصره الخوف، معترفًا بحماقته. نزل من سيارته، ثم رفع عينيه ليلتقي بنظرات المئات من الرجال الذين اصطفوا حوله، متجمدين في خشوع. ثم أدار وجهه نحو الرجل، مبتسمًا ابتسامة ساخرة، لكنه لم يتكلم، بل ظل صامتًا للحظة. رأى الرجل في عينيه سحابة من القسوة، وإرتعش عندما وضع يده على كتفه ، ثقيلة كالصخر. "هل تعتقد أنني أخاف؟" سأل بصوت بارد، كأنه يسخر من فزع الرجل الذي كان يرتجف أمامه. الرجل تلعثم، تفرقت دموعه على وجهه وتبلل سرواله , يحاول أن يبرر، لكن الكلمات تمزقت في حلقه. "س... سيدي، أقسم لم أقصد هذا... إغفر لي... إغفر لي..." ابتسم الزعيم ابتسامة باردة، تبرز غمازته التي كانت مزينة لخده الأيسر , عينيه تلمعان بالكاريزما الغامضة التي لا تعرف إلا السطوة. "هاهاها..." ضحكة مجنونة، قهقهة امتدت في المكان، وكأنها تعزف سيمفونية من الرعب والتهديد. "خذوه من أمامي..." قالها بنبرة قاطعة، وكان وقع الكلمات كالصاعقة على الرجل. صمت الرجل،و بكى في صمتٍ قاتل، وهو يعض شفتيه، مدركًا تمامًا مصيره الذي لا مفر منه. "زعيم، أنرميه في البحر؟" سأل أحد رجاله بنبرة تعكس نوعًا من الانتظار. لكن الزعيم، قبل أن يغادر بسيارته، رد بكل هدوء، وكأن غضبه لم يكن موجّهًا لهذا الرجل، بل لشخص آخر,خصم أقوى لا يتبول على سرواله... "يكفي ألا أراه..." كانت كلماته الأخيرة، تتناثر ببرود قبل أن يقلع...                                     **** _في رذاذ الخريف الذي كان يهمس في زوايا الشوارع، وتحت سماء مكتظة بغيوم ثقيلة، كانت زينة تقف عن بعد تنظر لأختها الصغيرة وهي تلعب في الباحة قبل أن يدق الجرس...غارقة في تفاصيل الطفولة وفجأة قفزت إليها ذكرى من ذكريات الزمان المندثر.. كانت هذه المدرسة نفسها التي درست فيها مع فردوس, لا تزال ترى طيفين لفتاتين بريئتين تلعبان هنا وهناك.. من يصدق أن تلك الطفلة التي كانت الأولى في المدرسة وأكثر طفلة أدبا وأخلاقا هي نفسها فردوس الحالية...!! الحياة غريبة..!! وهي تبتسم دون أن تدري, إهتز هاتفها معلنا عن رسالة جديدة... " أنا في قرية العفن...أمام مدرسة..أين أنت..!! " إلتفت زينة بسرعة لترى سيارة الفيراري, هربت بسرعة وهي تبحث عن مكان لتختبأ لم ترد أن تقابلها في مكان عامر بالناس مثل هذا...سوف تكون فضيحة بالطبع... دخلت لأول محل وهو دكان عمي محمود...!! تنهدت وقلبها كان ينبض بقوة كاد يخرج من سجنه.. كان شعورها بالخوف كبيرا... أكانت فردوس مؤذية لهذه الدرجة..!! بالطبع فردوس لم تؤذها يوما ولكن تخاف من أذية الناس لها إن رأوها مع الفتاة التي هربت من المنزل وعمرها 15 عاما... الفتاة التي أشتهرت ببيع المخدرات في المتوسطة و الثانوية..مع حبيبها الذي كان من أصحاب الوجوه الممزقة..!! ولم ينتهي الأمر ببيعها للمخدرات بل بهروبها معه.. قبل أن تتمكن من إتمام كتابة الرسالة التي كانت تطلب فيها من فردوس اللقاء في آخر القرية، فاجأها صوت وقع كعب حذاء على الأرض، يعلن عن وصول فردوس. ارتجفت يديها بشدة حتى كاد الهاتف يسقط من بين أصابعها بلعت ريقها بصعوبة، وعيناها تركزان في محمود الذي كان ينظر إليها باندهاش، لم يستطع أن يخفي ملامح الدهشة على وجهه المختلطة بالإعجاب.. إصفر وجه زينة و عيناها إمتلأتا بشحنة من التوتر، كما لو أن شيئًا ما كان يهدد شرفها ,تسارعت أنفاسها وهي تحاول التماسك خائفة من نظرات عمي محمود.. دخلت فردوس وبدت لزينة على غير المعتاد . لم تكن على تلك الحال التي رأتها عليها في المرات السابقة, بل امرأة بدت كما لو أنها خرجت من عالم الأعمال, كانت ترتدي بذلة سوداء أنيقة، تُبرز قوتها وأناقتها بطريقة مرهفة. كان جمالها صارمًا، وحضورها مشبعًا بالثقة والقوة. نظرت فردوس إليها بنظرات حادة، ثم خلعت نظاراتها السوداء ببطء، وقالت بنبرة حازمة دون مقدمات: "لمحتك تدخلين إلى هنا، ألم تري رسالتي؟" قبل أن تتمكن زينة من الرد أو حتى التفكير في طريقة لتخفيف التوتر الذي بدأ يتصاعد، قاطعتها فردوس بصوت بدا لطيفا نوعا ما... "ابتسمي، زينة، حصلنا عليها!" كانت تلك الكلمات بمثابة مفاجأة هزّت قلب زينة، حين اجتازتها فردوس وعانقتها بحرارة، رغم الفارق الواضح في الطول بينهما ، بسبب كعبها العالي "فتاة القرية، أبشري، قد حصلت لك على عمل!" لم تكن زينة تتوقع أن تجد في فردوس تلك اللمسة من التعاطف، خاصةً وأنهما لم تلتقيا منذ عشر سنوات، وعلاقتهما التي كانت في السابق تتسم بالود والمحبة قد تلاشت مع مرور السنوات ,أخذت زينة أغراضها، وسحبتها إلى الخارج، لكنها تجمدت في مكانها عندما التقت فجأة بمنى وخطيبها عمر. لم يستغرق الأمر لحظة، حتى بدت على وجهيهما علامات الاشمئزاز، فالرجل، الذي كان يقف بجانب منى، نظر إليهما بنظرات حادة وكأنما أراد أن يُحطمهما بنظرة واحدة. في تلك اللحظة، بينما كان التوتر يزداد في قلب زينة، بقيت فردوس على حالها، غير مكترثة لما يحدث حولها. لكن نظرات عمر، تلك النظرات التي لا تخلو من الكراهية، دفعتها إلى الاقتراب منه بجرأة، وتقول: "هاااي، ما بك؟ لما تنظر إلينا هكذا؟" أزاح عمر عينيه عنها، محاولًا كبت غضبه، لكنه لم يستطيع أن يخفي استغرابه. كان يبدو وكأنه مشمئز أو أنه يحاول غض بصره أما فردوس، التي لم تبالِ بأجواء التوتر، استمرت في تحديها لعيناه المملوءة بالكراهية. وفي تلك اللحظة، كانت زينة تحاول أن تسحب فردوس بعيدًا عن الموقف المتأزم، خوفًا من أن تتسبب في فضيحة قد تلتصق بها "فردوس... أرجوك، هيا... فردوس!" نادت زينة، وهي ترتعش من الخوف. لكن فردوس، التي كانت تحدق في عمر بنظرة تفيض بالثقة واللامبالاة، لم تتحرك قيد أنملة. وعندما رأت منى أن خطيبها يوجه تلك النظرة الغاضبة إلى فردوس ، حاولت سحبه بعيدًا عنها، إلا أن الرجل، بغرور، ألقى بتهكم قائلاً: "خذيها من هنا، أختي زينة... يبدو أنها تريد أن تصطاد!" تزايد الغضب في قلب فردوس، التي انفجرت قائلة: "أصطاد؟! هل أصطاد في مياه المجاري؟! أيها الشاب الصغير، لماذا لا تأخذ بيد خطيبتك وتشتري لها علبة شوكولاتة من هذا المتجر القذر؟ عليك أن تحافظ عليها لأنها قبلت بقطعة حديد رخيسة مثل تلك أن تلف إصبعها..." كان الجو مشحونًا بالتوتر، وكأن الهواء نفسه كان يحمل أصداء حرب الكلمات والأفكار المتناقضة. وفي تلك اللحظة، قررت زينة ومنى أن ينهياها فحاولت كل واحدة منهما سحب الآخر بعيدًا عن المشهد. ولكن، عندما بالغت زينة في سحب فردوس، دفعَت الأخيرة يدها بقوة، حتى كادت زينة تسقط. ثم اقتربت منها، عيونها تشع غضبًا، وقالت بحدة: "إياكِ... إياكِ أن تتدخلي مرة أخرى!" شعرت زينة بشعور غريب من القشعريرة يجتاح جسدها، وهي ترى تلك المرأة التي لا تخشى شيئًا. صمتت، وكأن الكلمات قد تلاشت من فمها، وتوقف كل شيء في لحظة واحدة.. فردوس، لها تاريخ أسود في هذه القرية كانت تمثل نموذج الفتاة الفاسقة و الناس هنا لا يرحمون، وخاصة إذا كانت المخطئة امرأة.. كانت كل ثانية تمر وزينة واقفة بجانب فردوس تجعلها ترتجف حد النخاع.. فتحت باب السيارة على مصراعيه، وطلبت فردوس من زينة أن تصعد، لكن الأخرى، التي بدت متوترة، راحت تتأمل المكان بعينين لا تهدأان، تراقب كل حركة. فجمعَت زينة شجاعتها، وأخذت نفساً عميقاً، ثم قالت بصوت ارتجف قليلاً: "فردوس، فلنؤجل الحديث إلى وقت آخر..." محاولتها الفرار من المواجهة كانت واضحة، لكن فردوس لم تكن لتسمح بذلك. ألقت بشعرها الذهبي الطويل إلى الوراء، مال مع ميلانها رؤوس الشيوخ الشائبة, كأنها تردّ على زينة باستخفاف. استقرت أمامها وقالت بابتسامة لاذعة: "عزيزتي، لستُ متاحة في كل وقت... وأنتِ بالذات، لست متاحة لك في كل وقت... تذكّري جيدًا الفرق بيني وبينك... أنا لا أنتمي الآن إلى مستواك... إبقي هنا وتعفني للأبد." كانت كلماتها كالسياط التي تُقشِّر الروح. ترددت زينة، لم تكن تعلم إن كانت ستواصل ما قررته أم ستتخذ طريقًا آخر، لكنها في النهاية، وفي لحظة ضعفٍ مفاجئة، قررت أن تتابع ما بدأته، حتى وإن كان طريقًا مجهولا... فردوس، التي لم تبالي بشيء، وضعت نظارتها الشمسية على عينيها وصعدت إلى السيارة وكأنها في عالم آخر بعيد عن هذه القرية. أما زينة، فقد ارتجف قلبها، لكنها جمعت شتات نفسها وأخيرًا قررت الركوب. ضحكت فردوس ساخرة في وجه زينة، لتسألها: "لماذا تُظهرين كل هذا الاحترام لهذه القرية البائسة؟ ما الذي حصلنا عليه منها غير الغبار والهموم؟" قال غير مطمئنة: "إلى أين نحن ذاهبتان؟" أجابت باستهزاء: "إلى حيث أستطيع أن أتنفس قليلاً... إلى شاطئ البحر، مثلاً." فزع قلب زينة، فبينما هي تُقدّر أن البحر يبعد ساعتين ونصف عن القرية، كانت تعلم أن الوقت قد بدأ يمر بسرعة، فقالت بلهجة حازمة: "لكن، فردوس، شاطئ البحر بعيد جدًا، والمساء على الأبواب. يمكننا التحدث هنا، أليس كذلك؟" ضحكت فردوس مجددًا بسخرية وقالت: "هنا؟! أضحكتني، أذان الناس مزروعة في كل زاوية، ولا ينقصني مشاكل جديدة." "أوقفي السيارة، أنا لن أذهب إلى الشاطئ! إنهم ينتظرونني في المنزل، لقد أرسلوني لشراء الخبز، ولم أخبر أمي عن مكان تواجدي. فردوس، أنا أتحدث، لا تصمتي وكأنك لا تسمعين!" أجابتها فردوس بصوت عالٍ، وكان الغضب يتسرب إلى نبرتها: "أوف! لماذا تقيدين حياتك بالوقت والمنزل؟ أنتِ كبيرة، يمكنك أن تفعلي ما تشائين! لماذا عليكِ أخذ الإذن في كل شيء؟" أجابت زينة بصوت هادئ، لكن كان في كلماتها عزم: "الأمر لا يتعلق بالعمر,نحن تربينا أن نأخذ إذن والدينا قبل أن نخرج، وأن نخبرهم إن كنا سنتأخر أم لا، سواء كنا رجالًا أو نساءً. نحن تربينا على هذا، يا فردوس." قاطعتها فردوس قائلة بلهجة ضجرة: "حسنًا، حسنًا، لا تبدأي من جديد، سأبحث عن مكان قريب." ابتسمت زينة في قلبها، وفي لحظة خاطفة عبر عقلها فكرة أنقذتها من المأزق، قالت بتفاؤل: "أعرف مكانًا قريبًا، لن يأخذ منا سوى خمس دقائق." كانت زينة في اختياراتها بسيطة، كما هي حياتها. بسيطة في كلماتها، في أفعالها، حتى الأماكن التي تختارها تعكس هذه البساطة. كانت تبحث عن الهدوء، عن العفوية، عن مكان ينأى عن ضجيج العالم. ولذلك تذكرت مكانًا كان يختبئ في ذاكرتها البعيدة، مكانًا كانت تذهب إليه مع فردوس بعد نهاية الدوام, كانت أشجار الصنوبر تحيط به، تمنحه هدوءاً غريباً . ورغم أن هذا المكان قد أصبح مأوى للمُنحرفين ، إلا أن اعتقال الشرطة لمروجي المخدرات في القرية قد أوقف تدفقهم إليه، وأعاد له بعضاً من طهارته. كان قلب زينة الصغير قد إطمأن لحظة استرجاع هذا المكان، هذا المكان الذي كان يحمل ذكرياتها الطفولية البريئة والذي لوثه فساد العالم لفترة... "فردوس، يمكنك ركن سيارتك هنا، سنمشي إلى هناك إذا كنت توافقين!" لمحت زينة الرفض الذي ظهر على وجه فردوس، فتنهدت الأخيرة وقالت بصوت خافت: "لا أعرف لما ترفضين الخروج من هذه القرية اللعينة، أحيانًا أحسدك على تعلقك بها... أوف!" حينما ركنت فردوس سيارتها، سارتا معًا نحو المرج الصغير. كان قد ضاق من جراء الحشائش والأشجار التي غزته، لكنهما تمكنتا من الجلوس فيه. ظلّت زينة تترقب كلمات فردوس، عساها تعترف أنها تذكر هذا المكان، لكن فردوس تجاهلت ذلك، رغم أن زينة كانت متأكدة أنها، حتى وإن كرهت كل شبر من القرية، لا يمكن أن تنسى هذا المكان. كان ذاكرة الطفولة التي لا يمكن محوها بسهولة. لكنها نست، أدركت زينة ذلك عندما شعرت بأن قدماها تخطوان أرضًا بدت غريبة عنها كأنهما لم يخطواها يوما,الصوت المزعج للكعب العالي جعلها تعي ذلك.. "فردوس، اجلسي. لا تقلقي، إنه نظيف كل ما يأتي من الطبيعة نظيف ونقي، صدقيني، ستشعرين بالراحة هنا." جلست فردوس بعد تردد، ثم قالت بنبرة حادة: "وكأنه لا يكفيني أنني بقيت طويلاً في هذه القرية، حتى تأتي بي إلى مكان كهذا!" ابتسمت زينة برفق، ثم أجابت بحنان: "فردوس، لقد نظفته. لم يكن هكذا في الماضي. كان مليئاً بالسجائر وقارورات الخمر وأشياء من هذا القبيل." أجابتها فردوس بنبرة ساخرة: "لو تركته كما كان لكان أفضل، ههه." نظرت إليها زينة بعينين مليئتين بالشفقة على حالتها، وقالت بهدوء: "حتى لو كنتِ تعتقدين أن هذه القرية قد آذتِك، هل فعل هذا المكان أيضًا؟ ، إنه بريء من كل أفعال البشر. ما ترينه هنا ليس مجرد مكان، إنه جزء من طفولتي... من طفولتنا." قالت فردوس، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة: "حقًا؟ يبدو أنك أحببتِ هذا المكان كثيرًا. ماذا كنتِ تفعلين هنا؟ ههه... يبدو أن هناك شيئًا كنتِ تفعليه، ههههه." كان تفكير فردوس الغريب والمنحرف يثير في قلب زينة مشاعر متناقضة، فقد اختلط فيها التقزز بالغضب، وكأن هذا العالم البريء الذي كانت تراه بعينيها الصغيرة يتم تلويثه بأفكار فردوس المشوهة فجأة انفجرت زينة في وجهها قائلةً: "ماذا تقولين بحقك؟! أنا لم أقصد شيئاً من هذا، وأنتِ تعلمين في أعماقكِ لكنكِ تظنين أن الجميع مثلكِ. إذا كنتِ تبحثين عن افتعال شجار معي، فدعيني أقول لكِ مع السلامة." ضحكت فردوس ضحكةً صفراء، تكاد تكون خالية من أي معنى، ثم قالت: "هههه، لما الغضب عزيزتي، أمزح فقط. حسناً، دعينا نرجع لموضوعنا. عن ماذا كنا نتحدث؟" قالت زينة، محاولاً تهدئة أعصابها: "عن العمل، قلتي إنكِ وجدتِ لي عملاً." فردوس، التي كانت قد نسيت فوراً ما كانت قد تحدثت عنه، ضربت رأسها بيدها وقالت: "آه نعم، تذكرت! اسمعي، لقد فتحتُ أمامكِ أبواباً من المال والسعادة، ستسترجعين أنوثتكِ الضائعة، وستعيشين أياماً وردية لن تنسيها أبدًا. ستصيرين..." قاطعتها زينة في الحال، وهي تشعر أن قلبها قد انقبض من فزع: "فردوس، الحمد لله أنا لست عجوزاً ولا حياتي سوداوية! أنا أعيش حياة جيدة وهادئة. كل ما أريده هو منصب عمل محترم." لكن فردوس لم تكد تنصت لكلماتها حتى قطعت حديثها قائلة: "فهمنا، فهمنا... المهم اسمعي، هناك رجل أعمال، سترقصين من أجله كل ليلة." شعرت وكأن البرق ضربها بشدة، وكأن الأرض اهتزت تحت قدميها. كلام فردوس كان أكثر من مهين... فجأةً، نهضت من مكانها وكأنها خرجت لتوها من حالة سكون ثقيل، وصاحت في وجه فردوس بصوت عالٍ، يتخلله غيظ: "كيف تجرأتِ على قول هذا لي؟ ألا تخجلين؟ هل تظنينني كذلك؟ أنا، يا فردوس، امرأة شريفة وطاهرة، لا يمكنكِ المساس بمبادئي أو أخلاقي!" فردوس، التي كانت تراقبها بمرح، نهضت بسرعة، ضاحكة، وقالت: "إهدئي إهدئي، أنا أمزح فقط! إنه مجرد مقلب، ههههه، هل نظرتِ إلى نفسك في المرآة؟ من سيرضى أن يراكِ ترقصين؟ هههه هاه، حسنا، حسنا، لا أستطيع التوقف عن الضحك!" لكن زينة، التي لم يلمسها الضحك ولا أثيرت من كلماتها، قالت بحزم: "قولي ما شئتِ، هل تعتقدين أن كلامك يؤلمني؟" ردت فردوس بسرعة: "لا تغضبي يا جميلة، كان مزاحًا. حسنا ، هناك شركة ناشئة تبحث عن موظفين. مهندسين، إداريين، وما إلى ذلك..." تجهمت زينة، لم تفهم فورًا: "شركة؟ لكنكِ تعرفين أنني حاصلة على شهادة في الترجمة فقط، وليس لي أي خبرة في الإدارة!" ابتسمت فردوس، وأجابتها بثقة: "أعرف، لكن هناك منصب واحد لمن يجيد الترجمة والتحرير. بما أن الشركة ناشئة، فهناك العديد من العلاقات الخارجية مع دول أخرى..." رفعت زينة حاجبيها في دهشة: "وما هو عملي إذًا؟ ماذا سأفعل؟ اشرحي لي أكثر." قالت فردوس، وهي تحدق في ساعة هاتفها: "ستقومين بترجمة التقارير القادمة من الخارج، وسترافقين المدير في مهامه لترجمة كل ما يخصه." زينة، وقد شعرت بشيء من التوتر، قالت بصوت متردد: "أوه... في الحقيقة، هذه الوظيفة لا تناسبني كثيرًا. إنها بعيدة كل البعد عن شخصيتي. لا أحب هذا النوع من الأعمال، في الحقيقة..." ضحكت فردوس بسخرية، ثم قالت: "إذن، ابقي هنا وتعفني للأبد." نهضت فردوس متظاهرة أنها لا تهتم وهي في الأصل تحيك اللعبة تحت أقدام زينة "مابك؟ اجلسي، لم أقل أنني أرفض، فقط اشرحي لي أكثر، أرجوكِ." قالت زينة فردوس نظرت إلى ساعة هاتفها مجددًا وقالت: "خمس دقائق... إما أن تقبلي أو ترفضي." حارت زينة، ثم قالت: "أخبريني، أين تتواجد هذه الشركة؟" "في وهران..." أجابت فردوس بنبرة هادئة، ثم تابعت: "توفّر الشركة مسكنًا في أحد فنادقها المخصصة للعمال، أو يمكنك تدبير أمرك." فاجأت زينة الإجابة وقالت بتردد: "لكن وهران بعيدة، كما أنني لا أستطيع الابتعاد عن المنزل..." ضحكت فردوس ساخرة: "هههه، أضحكتني... وماذا كنتِ تتوقعين؟ أن تعملي من منزلك وتأخذين راتبًا؟" "لا، لكن الأمر ليس بيدي، لا يمكنني الابتعاد، شكرًا لك على الفرصة..." ردت زينة بتواضع. قالت فردوس بسخرية لاذعة: "هذه الوظيفة حلم المئات من الفتيات، اللاتي يتمنين فرصة كهذه. لقد تقدمن أجمل الفتيات وأكثر منكِ علمًا وثقافة... لكن المدير رفضهن لأنني أخبرته عنكِ، أنكِ تستحقين الوظيفة. لكنكِ، للأسف، مغفلة وحمقاء." قالت زينة، غير مطمئنة: "فردوس، لا تغضبي، أنا أقدر لك ذلك، لكن..." أخرجت فردوس سيجارة وأشعلتها، ثم قالت ببرود: "أنا لن أجبرك على شيء. إنها حياتك في النهاية. إذا كنتِ لا تريدين تحسينها بنفسك، فما دخلي أنا؟" قالت زينة بنبرة صادقة: "لا أنكر حسن نواياكِ، فردوس، لكنني... أعتذر." نفثت فردوس الدخان من صدرها، ثم قالت بجدية: "اقبليها أو أو ارفضي، فهذا الأمر لا يخصني. فكري في شهادتك الجامعية الملقاة تحت الأريكة. عامين وأنتِ تنتظرين أن تشفق عليكِ الدولة. عزيزتي، استيقظي، لا أحد يهتم بشهادتك. كل الفتيات يعملن الآن وفق معيار واحد. هل تعرفين ما هو؟ إنه الجمال والقوة. إما أن تتسلحي بهما، وإما أن تتركي الظروف تقضي عليكِ. اختاري بنفسك شهادتك الجامعية، امسحي بها الغبار من على مكتبة كتبك القديمة الآن سأذهب، لدي عمل." نهضت فردوس، لكن كلماتها جعلت زينة تعيد التفكير. ما إن استدارت لتغادر، حتى أمسكَت ة يدها وقالت: "فردوس، امنحيني هذه الليلة لأفكر، ثم سأقرر." ابتسمت فردوس، وقالت بمكر معلنة في داخلها أن خطتها تسير كما تريد: "حسنًا، كما تشائين. سأرسل لك بعض الصور والتقارير صدقيها أو لا تصدقيها القرار بيدكِ، عزيزتي البريئة إلى اللقاء." رحلت فردوس، وتركت زينة في حالتها، تعيش صراعًا داخليًا. بقيت في المكان، كما لو كانت عالقة في دوامة من التفكير. تمنت لو لم تجبرها الظروف على طلب المساعدة من فردوس أن تكون قادرة على التقدم دون أن تلتفت إلى ما يحيط بها، دون أن تأخذ في اعتبارها العائلة أو المبادئ. شعرت أنها محاصرة بين الخيارات الضيقة، لكنها رغم كل شيء، كانت موقنة أن الألم والوحدة التي تعيشها قد تنقضي يومًا ما، دون أن تدري أن حياتها ستزداد بؤسًا. رفعت رغيف الخبز الذي اشترته، ومشت بخطوات متثاقلة نحو المنزل..                             **** المكان: خيمة واسعة مفروشة بالسجاد الأحمر الداكن، قرب جبل "آهقار" جنوب الجزائر. الزمن: بعد منتصف الليل، حيث الصحراء هادئة، والريح تعزف ألحانها على جوانب الخيمة. "الترڨي" - زعيم تنظيم سري في الجنوب الجزائري، وثلاثة رجال روس - أحدهم رجل أعمال، وآخران ضابطان سابقان.. تعلو الخيمة مصابيح تعمل بالطاقة الشمسية، تضيء بحذر المكان دون أن تفضح التفاصيل.. "الترڨي" يجلس في صدر المجلس، على وسادة جلدية مزينة برموز طوارقية... أمامه طاولة خشبية قصيرة عليها إبريق شاي معدني، وطبق صغير فيه تمر ومكسرات... يرتدي قشّابة بيضاء واسعة، مشدودة بحزام جلدي بني، وشاشًا أسود لفه بإحكام حول رأسه وعنقه، لا يظهر من وجهه سوى عينين حادتين.. بجانبه يجلس مساعده "موسى"، يحمل دفترًا صغيرًا ويُدوّن بصمت... الترڨي (ينظر للروس): "قولوا ما عندكم... وأوجزوا... الرمل لا يحب كثرة الكلام..." الروسي الأصلع (بالعربية المكسورة): "نحن نريد توقيعًا يسمح لنا بالوصول إلى الحقول الجديدة... نأخذ 25% من الإنتاج، مقابل دعم سياسي وعسكري... ومال..." الترڨي (بصوت ثقيل لا يخلو من سخرية): "دائمًا المال أول ما يخرج من أفواهكم... كأنكم تظنون أن الصحراء جائعة...وأنتم الجائعون الحقيقون.." الروسي الثاني (ضابط سابق): "نعلم أن الحكومة تراقب.. نُساعدك على التسلح والتغطية السياسية.. مقابل توقيعك فقط...وأطنان من الثروة." الترڨي (ينهض ببطء، يسحب المسبحة من جيبه، ثم يقترب): "أنتم لا تعرفون شيئًا عن الجنوب... ولا عن الترڨي..." (ينظر في أعينهم الثلاثة، ثم يضيف)... " لا بيع...لا صفقة لا مال..حتى يحين المزاد الذي سأبيع فيه 30 بالمئة من حقل البترول ومن لا يعجبه، يعود عبر الصحراء... عاريًا.." الروسي الثالث يهمس للضابط بشيء، فيرد الترڨي بسرعة: "الوشوشة لا تُحبها الرمال... تكلم بصوتك وإلا لي وسائل أخرى..." الروسي (بخوف): "سمعنا أن الذئاب السوداء... يتحركون أيضًا لصفقة الزرقاء...نعرف أنك في عداوة معهم لذلك أعتقد أننا الوحيدون الذين ستبيعهم...فكر في الأمر أيها الترڨي.." الترڨي يضحك ضحكة خافتة، ثم يشير لواحد من رجاله أن يقدم لهم خريطة: "الذئاب تحب العمل تحت ظلال الليل...ونحن تحت الشمس,وعندما تشرق الشمس يختفي الليل.." يصمت لحظة، ثم يرفع يده ببطء ويشير نحو مساعده: "موسى... بلّغ الروس أن أي تحليق غير مبرمج فوق مناطقنا، يُسقط فورًا..." ثم يلتفت إليهم بنبرة هادئة مخيفة: "والآن، حتى يحين موعد المزاد دعونا نشرب الشاي..." لم يستطيعوا إقناعه وعرفوا أنه سيتحتم عليهم المشاركة في المزاد...                                   **** 1. عصابة "الذئاب السوداء": الموقع: تنتشر أساسًا في شمال إفريقيا، وخاصة المدن الساحلية الكبرى (الجزائر، تونس، طرابلس). النفوذ: سياسي، اقتصادي، استخباراتي... تتحكم في الجمارك، الموانئ، وتملك علاقات متشابكة مع حكومات وشخصيات نافذة... الزعيم: الفاروق... رجال العصابة: سيف، نوح، الأمين هم الثلاثة الكبار في العصابة... آدم,مروان,يزن,قصي,جوزيف الخمسة الشباب الأقوياء في العصابة.. الهدف الحالي : السيطرة على تدفقات الطاقة والموارد عبر البحر الأبيض المتوسط.. 2. "الترڨي": الموقع: يتمركز في جنوب الجزائر، في عمق الصحراء الكبرى، أغنى وأخطر منطقة في البلاد... النفوذ: قبلي وعسكري، يملك جيشًا خفيًا، وتنظيمًا غير معلن يمتد عبر حدود النيجر ومالي وليبيا... الهوية: زعيم بدوي صحراوي، دمج الحكمة البدوية القديمة بالدهاء العالمي.. السلطة: يسيطر على آبار نفط نادرة غير مُسجلة رسميًا، اكتشفها سراً، ويريد بيع ربعها عبر مزاد سري للغاية " الصفقة الزرقاء" الطابع: لا ينتمي لعصابة، لكنه يملك قوة تساويها.. يفرض احترامه على الجميع... الصدام : الذئاب السوداء تريد بسط نفوذها على الجنوب،والسيطرة على أبار النفط... الترڨي يرفض الخضوع أو الاستسلام لعصابة الذئاب السوداء... وللحكاية بقية....يتبع 🐥