بين جدران الألم
نظرت زينة إلى ساعة الهاتف مجددًا، تأففت وهي تتمتم بصوت منخفض:
— "إنها الواحدة زوالًا... إلى متى سأبقى هنا؟"
حدّقت في الصف الطويل الممتد أمامها، لم يكن لشراء الخبز أو الحليب هذه المرة، بل لوضع ملفات منح البطالة. التفتت إلى الخلف، اتسعت عيناها بدهشة وهي تهمس:
— "يبدو أن الشعب كله بدون عمل... هاه، غريب!"
جاءها صوت السيدة البدينة التي كانت تقف أمامها، رائحة عرقها النفاذة تملأ الهواء بينهما:
— "ليس وكأن الأمر جديد علينا... نحن منذ أن ولدنا ونحن ننتظر في صف طويل لتفرج..."
حاولت زينة تجاهل الرائحة التي خنقتها، لكنها لم تستطع منع نفسها من الابتسام بسخرية، كلام السيدة بدا حقيقيًا أكثر مما ينبغي.
وفجأة، لمحت وجهًا مألوفًا بين الواقفين في الطابور، نظرت إلى منى الواقفة بجانبها، ثم أشارت برأسها نحو الرجل العجوز قائلة بابتسامة ساخرة:
— "انظري! إنه جارنا مراد... أوليس لديه حافلة؟ ماذا يفعل هنا مع كومة الأوراق تلك؟"
ضحكت منى وردّت بنبرة خفيفة:
— "يبدو أنه باعها وقرر أن يستريح، ههه!"
قهقهت زينة بدورها وهي تردّ:
— "ههه، قبل أيام فقط، كانت زوجته تسخر مني قائلة إنني سآخذ راتبًا مقابل عدم فعل شيء... كم هذا مضحك الآن!"
لكن نبرة الضحك سرعان ما انخفضت، وحلّ صمت قصير قبل أن تقطع منى التفكير بسؤال بدا مفاجئًا:
— "زينة... ماذا ستفعلين بأول راتب... أقصد أول منحة؟"
حاولت زينة إخفاء الحزن خلف ابتسامة مترددة، ثم ردّت بصوت هادئ:
— "سوف... سوف أطلي غرفتي وأشتري هاتفًا جديدًا..."
ضحكت منى وهزّت رأسها:
— "زينة، اختاري شيئًا واحدًا، المبلغ ليس كبيرًا!"
لكن قبل أن تردّ، فُتح باب المبنى الصغير، وخرج منه موظف ذو ملامح متكبرة مسح جبينه بيده، ثم رفع صوته بصيحة قصيرة قاطعة:
— "انتهى العدد لهذا اليوم! عودوا غدًا!"
ساد صمت ثقيل للحظة، قبل أن يندلع همس متذمر، أصوات احتجاجات متناثرة، ونظرات يائسة تتبادلها الوجوه المتعبة. زينة عضّت شفتها وهي تنظر إلى العجوز مراد الذي أرخى كتفيه مستسلمًا، وإلى بقية الواقفين الذين بدأوا بالمغادرة ببطء، حاملين خيبة جديدة تضاف إلى سجل الخيبات اليومية.
أسرعت في خطواتها نحو باب البلدية توقفت أمام الباب، طرقت عليه بعنف، وقد امتلأت عيونها بتوسل لم تستطع إخفاءه. قالت بصوت مختنق:
— "أرجوك سيدي، افتح الباب... لقد كلفني الأمر اليوم بأكمله... لا يمكنني القدوم غدًا... أنا أسكن بعيدًا عن المدينة... أرجوك..."
لكن الحارس، الذي بدا كأنه لا يكترث لما يحدث حوله، أدار رأسه ببرود وقال:
— "هاه... يمكنكم العودة لاحقًا... لديكم كل الوقت على فكرة... أنتم لا تفعلون شيئًا، ولكننا نعمل... نتعب..."
وارتفع صوت زينة فجأة:
— "لقد انتظرنا منذ الصباح... استقبلتم خمس أشخاص... ماذا فعلتم؟"
أغلق الرجل الباب في وجهها، وابتعد. بدت صدمتها كبيرة، وكأن الكلمات اختفت من فمها. كانت تلك اللحظة، مثل كل مرة، تفرغ فيها كل مشاعرها دون أن تجد أي رد. عادتا خطوتين للوراء، عيونهما مليئة باليأس، وقد تبددت آمالهما في الهواء.
قالت منى بصوت خافت، كأنها تسأل نفسها أكثر مما تسأل زينة:
— "سحقًا لهم... ماذا سنفعل الآن؟"
أخذهما الطريق إلى الحديقة العامة للمدينة، حيث جلستا تحت الأشجار , كانت زينة تستشعر الحزن في أعماقها، أكثر بكثير من صديقتها التي كانت مشغولة بهاتفها أكثر من مشاعرها. كانت منى، على عكس زينة، تحاول أن تجد متنفسًا ما في ضحكتها أو حديثها، بينما كانت زينة تتشبث بالصمت.
فجأة، رن هاتف منى، فالتقطت السماعة وقالت:
— "عمر... كيف حالك حبيبي... آه، لست في المنزل... أممم، أنا مع زينة... زينة جارتنا... لقد حدثتك عنها مئات المرات، لكنك لا تزال تنساها... حقًا؟ أنا أنتظرك..."
زينة التفتت إليها بنظرة محيرة، ثم أنزلت عينيها، مغمورة بمشاعر متضاربة..
قالت منى مبتسمة بسعادة:
— "عمر سيأتي، يا زينة... سيأخذنا."
ردت زينة بخجل، محاولة إخفاء شعورها بالانزعاج:
— "لا... لا داعي، سأذهب بالحافلة أفضل."
لكن منى لم تتوقف عن محاولاتها ثم بتنهد عميق ألقت بثقل رأسها على كتف زينة...
— "زينة... لو كنتِ تبحثين عن رجل جيد، ستتخلصين من كل هذه المشاكل..."
ضحكت زينة بخفة، محاولة التهرب من الفكرة:
— "هههه حقًا؟!"
قالت منى، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة مليئة بالحكمة:
— "آه... ستقاسمينه الحزن، وستشعرين بالراحة."
أجابت زينة بشيئ من الإستهزاء :
— "أخاف أن تتضاعف المشاكل يا منى."
وبينما كانت زينة تحاول الهروب من أفكارها، ظهر عمر فجأة، مثل حلم بعيد تحقق فجأة أمام عيني صديقتها وقف بعيدًا، مبتسمًا بسعادة، وتحركت منى بسرعة لتلتقي به...
ابتسمت زينة بهدوء، وكأن هذا المنظر اللطيف كان كفيلا أن تدرك أن النساء ينسين همومهن ما إن وجدن رجال مناسب..
ماذا لو كانت منى على حق..!!
قفزت منى إلى أحضان عمر وكأنها تلقي بنفسها في أكثر الأماكن سلمية ، بينما كان عمر يردد بابتسامة عريضة:
— "جميلتي، اشتقت إليك..."
ردت منى بحب:
— "عمر... أنا أيضًا."
أما زينة، التي لم تكن تستطيع إخفاء توترها، كانت تتمنى لو كان بإمكانها أن تكون أكثر اجتماعية، أكثر تأقلمًا مع هذه المواقف. ومع ذلك، استدارت منى مقدمةً عمر لصديقتها:
— "عمر، هذه زينة، صديقتي منذ الثانوية."
نظر عمر إلى زينة بابتسامة لطيفة، وقال:
— "مرحبًا أختي، أتمنى أن تكوني بخير."
أجابته زينة بخجل، والشعور بالحرج واضح في عينيها:
— "بخير، الحمد لله. ماذا عنك؟"
أجاب عمر، والابتسامة لا تفارقه:
— "بخير، الحمد لله."
ثم نظر إلى منى وقال:
— "لماذا أنت هنا؟ هل جئتِ للتسوق؟"
أجابته منى:
— "لقد جئنا لوضع ملفات المنحة."
نظر عمر إليها باندهاش، وقال:
— "منحة ماذا؟"
قفزت كالأرنب صارخة في أذنه بطفولة
— "منحة البطاااااالة."
ضحك عمر، وعانق منى مرة أخرى قائلاً:
— "منى... أخبرتكِ أنه ليس هناك حاجة لهذه المنحة. سأتخرج بعد أشهر وأصبح طبيبًا. سنسافر معًا لنعيش خارج البلد، لست بحاجة لها، فأنا معك."
وأجابته منى بصوت مغرور:
— "أعرف... لم تكن لدي نية أن آتي، فقط رافقت زينة."
زينة التي انكسرت مشاعرها، تمتمت في نفسها:
" ترافقني؟ من طلب منها ذلك؟ "
ثم نظر إليها عمر وقال بصوت جاد، كأنه يحمل في نبرته تهديدا أو إستهزاء :
— "لماذا أتعبتِ حبيبتي؟ هل كان عليها أن ترافقك؟"
قالت منى ضاحكة:
— "توقف، عموري... زينة صديقتي."
قال عمر مبتسمًا، وقد حاول أن يصطنع الابتسامة:
— "أمزح، أمزح."
وفي نفسها قالت زينة: هذا ما كان ينقصني...
سحب عمر منى وقال:
— "هيا، فلنذهب لنأكل، أنا جائع."
ضحكت منى، ثم التفتت إلى زينة وقالت:
— "وداعًا حبيبتي، أراك غدًا."
ردت زينة بهدوء، لكن قلبها كان ينهار:
— "وداعًا."
جلست زينة على الكرسي مجددًا، وتساءلت في نفسها:
— "قالت إنه سيقلنا... لكن لا بأس... أتفهم الأمر. حظي سيئ... لن أتمكن من العودة غدًا أو بعد غد. لن أتمكن حتى من العودة الشهر المقبل، حينها سيتوقف التسجيل في المنحة... آه، أتمنى لو أستطيع الطيران مباشرة إلى منزلي. قدماي تؤلمانني، لكن يجب علي العودة."
توجهت إلى محطة الحافلات، من حافلة لحافلة، ومن محطة لمحطة، حتى وصلت أخيرًا إلى قريتها.
المكان الوحيد الذي يشعر زينة بالراحة والهدوء والاطمئنان...
كان ذلك المكان الصغير الأخضر بين الجبال، كأنه لوحة فنية مرسومة بدقة الطبيعة. على الرغم من أنه يفتقر إلى وسائل العيش الكريم، إلا أن هذا المكان كان هو الملاذ الوحيد لها. القرية الصغيرة التي تعيش فيها قد تطورت مؤخرًا، فقد أُنشئ فيها مصنع صغير لصناعة الكعك وفندق يقال إنه مسكون، لكن خلاف ذلك لا جديد. المنازل فيها جلها قديمة، تلك المنازل التي تسمى "بلحوش"، مبنية من الطوب والقرمود الذي بدأ يتآكل. ومع ذلك، بعض المنازل الفخمة بدأت تظهر هنا، إذ أتى إليها الغرباء الذين رأوا في موقعها الجمالي فرصة لبناء منازلهم هناك. بينما أهل القرية، الذين ترعرعوا في تلك البقعة الصغيرة، لم يجدوا خيارًا سوى العودة إليها بعد أن حاولوا بناء مستقبلهم في أماكن أخرى. في النهاية، كانوا يعودون إلى منازلهم الصغيرة، ليعيشوا حياة هادئة بعيدًا عن صخب المدينة.
تغير طابعها الذي لطالما أحبته زينة.
توقفت عند دكان عمي محمود، الرجل الذي لا يتوقف عن التذمر طوال الوقت. قالت بعد أن ألقت عليه السلام:
"عمي محمود... هل أخذ والدي الخبز أم لا؟"
أجاب وهو يرتب الأشياء بعصبية، محاولًا إخفاء استياءه:
"لا... لم يشتري اليوم."
قالت زينة، وهي تحاول إخفاء إحباطها:
"حقًا... حسنًا، شكرًا لك، مع السلامة."
لكن صوت الرجل المرتفع منعها من الابتعاد، صوته مليء باللوم:
"لقد تأخر والدك في دفع الدين، يا بنتي. كلنا لدينا أسر... إذا لم يدفع لي فكيف سأعيش؟"
طأطأت رأسها في خجل وأجابت بإحراج، قلبها ينبض بسرعة:
"سأخبره... آسفون."
قال الرجل، وهو يواصل حديثه بكلمات قاسية، وكأنها السلسلة الأخيرة من الضغط:
"لا يجوز هذا، تعرفين أوضاع المحل. والدك لم يسدد ديونه منذ خمسة أشهر... لقد أشفقت عليه، لكن هذا لا يعني أن يستغل عطاءي وحسن نواياي. تعرفين..."
في تلك اللحظة، شعرت زينة بكلمات الرجل تلاحقها، وكأنها تهاجم كرامتها,قبل أن تخرج من المحل، قالت بوجه شاحب، وحروفها تتساقط كما لو كانت عبئًا على صدرها:
"لا تقلق، عمي محمود، سأحرص ألا نطيل الدفع لك مرة أخرى..."
مضت بعيدًا عن المحل، لكن خطواتها كانت ثقيلة كأنما تحمل هموم العالم بأسره توقفت فجأة في منتصف الطريق، همست لنفسها:
"أستغفر الله العلي العظيم وأتوب إليه... ماذا علي أن أفعل؟ أنا حقًا متعبة من هذا الوضع... إلاهي ساعدني..."
شعرت وكأنها غارقة في بحيرة من طين لن تغرق ولكنها تبقى في تفس المكان دون أي تقدم سريع..
إلى متى...!!
*************
_دفعت الباب الخشبي المربوط بالحبال فقط.. ودخلت الى ساحة المنزل, كانت جميلة تلعب بدميتها الصوفية على الأرض.. كانت تكلمها كأي طفل صغير...
إبتسمت زينة , مشت نحو أختها الصغيرة وعانقتها ضاحكة :
" أيتها الأم الصغيرة ألا تكفين عن إطعام إبنتك..."
علت قهقهات الطفلة.. ودخلت في حضن أختها قائلة:
"زينة.. ههههه عدتي.".
قالت زينة وهي تقبلها: أين أمي...!!
أجابت الطفلة ببراءة: لقد ذهبت للعمل..
استغربت الفتاة وأردفت متعجبة:
"عمل..!! صغيرتي أمي لا تعمل .. أي عمل هذا !!"
أجابت الصغيرة :
" لا أعرف جدتي أخبرتني.."
وقفت زينة ودخلت للمنزل ونادت قائلة: جدتي.... جدتي...
خرجت العجوز من المطبخ وقالت بصوت
خشن :ماذا... لماذا تصيحين..!!
قالت زينة مستغربة:
" جميلة قالت أن أمي ذهبت للعمل... أي عمل هذا..!!
مسحت العجوز يديها بوشاحها الذي لا يغادر رقبتها أبدا وكأنها مستعدة لإطلاق الرصاص اللاذع لكن لزينة ذرع أيضا.
" آه... ذهبت للعمل.."
لم تعي زينة أنها رفعت صوتها وقالت بحدة
" عمل..!! أي عمل هذا ياجدتي... منذ متى أمي تعمل!!"
صاحت العجوز في وجه زينة:
"ياااي... إنتبهي لنبرة صوتك... إنه عمل ..."
قالت زينة متأففة ماسحة على جبينها محاولة التحكم في أعصابها :
" جدتي... أخبريني ماذا ذهبت لتعمل..."
قالت العجوز وقد بدا عليها عدم الرضا:
" ... زوجة السيد أحمد طردت إحدى خادماتها فتقدمت والدتك للوظيفة وتم قبولها.... المهم أنها وجدت عمل... العمل لا يعاب..."
صاحت بغضب:
"خادمة ...!! أمي خادمة في منزل السيد أحمد... بحقك يا جدتي كيف سمحتي لها... أم أنك أنت من..."
خرج الكلام من العجوز كقطع الساخنة وبدون أن تهتم بمشاعر حفيدتها قالت :
"إنه عمل ...عمل.. نحن نحتاج... أنا أحتاج للدواء.. أختك الصغيرة تحتاج... والمنزل كله يحتاج.. والدك باطل عن العمل الآن.. وفوق كل هذا انت العانس هنا لاتزالين تقاسميننا الخبز والماء...."
ليست المرة الاولى التي تنكسر فيها مشاعر زينة... ليست مرتها الاولى التي تسمع فيها كلاما قاسيا كهذا.. رغم ذلك تمالكت نفسها وهدأت ماسحة على وجهها بأصابعها المرتجفة
" لا عجب أنك أنت من دفعتها للعمل... كيف يمكنك فعل ذلك... أولم تشفقي على حالها.. إنها مريضة وكبيرة في السن.. ماذا يمكن أن يحدث لها أكثر مما حدث حتى تصدقي أنها مريضة وتحتاج للمال أكثر منا !!... أتريدنها أن تموت أمام عينيك... أخبريني !!"
العجوز إصفر وجهها ودخلت المطبخ وكعادتها أخذت تصرخ بكل أنواع الشتائم وتتظاهر أنها ضحية !!
" أنت ترفعين لي ضغط الدم... أدعو الله ألا يوفقك"
إنه دعاء العجائز بالشر ... عندما لايجدون مايقولونه وعندما تفوز عليهم في الكلام.. يتفوهون بالحماقات...هذا معروف عند زينة ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة,مادامت تعيش في حوش جدتها فهذا تقليد متوارث لا رجعة فيه..
لكن عكس الكثيرات زينة تقابل سوء القول والفعل الذي يصدر من جدتها ببرود أعصاب ويمكن أن نسميه أيضا بمواجهة الحق مع الباطل ودائما تخسر
"كوني واثقة أنني لن أدع أمي تعمل في منازل الآخرين, أفضل أن نموت جوعا على أن تفعل هذا ... بالنسبة لدواءك فأخبري أولادك الرجال ليشتروه لك"
دخلت زينة غرفتها وأغلقت الباب, نظرت لجدران الغرفة المتهالكة والتي تعفنت بسبب المطر الذي يدخل في فصل الشتاء.. رمت نفسها على الفراش ولم يكن لها مهرب من الواقع التعيس سوى النوم
" ماذا أفعل...إلاهي أرجوك أشفق علينا.. ماذا أفعل حتى أعيش كالناس "
فتحت الصغيرة الباب ورمت نفسها بجانب شقيقتها التي إحتضنتها هي الأخرى
ببراءة سألت أختها الكبرى:
" زينة.. متى سنطلي الجدران كما أخبرتني..!! "
عضت شفتيها ولكن الوجه البريئ لأختها الصغيرة دفعها للإبتسام والكذب للمرة المليون :
" قريبا عزيزتي قريبا... أكلتي..!! "
***************
_ إمرأة بثياب رثة, بدا عليها التعب,إصفرار وجهها والهالات السوداء تحت عينيها وحتى تشقق شفتيها,بالطبع كانت هذه صفات خادمة..
ما إن سمعت الطفلة صوت أمها قفزت من حضن أختها النائمة وركضت نحوها
لم ترد الأم في البداية أن تعانق إبنتها لإتساخ ملابسها وشعورها بالقذراة من نفسها بعد يوم عناء طويل
"صغيرتي... أعادت أختك !! "
أجابت الطفلة:
" أجل إنها نائمة الآن..."
إستلقت فاطمة دون حتى أن تغتسل
وأول من إستقبلها بعد إبنتها كان حماتها ذات الوجه البغيض والمستاء
"أتيتي..!! "
سألت العجوز وهي تضع كأس ماء على المائدة ونظرت لفاطمة وأبدت نظرات تقزز وإشمئزاز
قالت فاطمة مغمضة العينين :
" آه... عظامي ستتحطم.."
ردت العجوز:
" إبنتك أساءت لي بالكلام... تلومني على ذهابك للعمل.."
تنهدت وبصوت هادئ قالت مستغربة :
"زينة... ولما تفعل ذلك !! آخ هذه الفتاة..."
*************
على مائدة خشبية تقليدية الصنع وضع الفول المطهو في البخار على يد الجدة ومطلوع ساخن (خبز تقليدي)
قاطع نوم زينة صوت أمها:
" زينة... تعالي لتأكلي.."
نهظت بكسل, لم تنظر من ناحية جدتها وجلست بعد أن إفترشت الصوف المصنوع باليد على شكل وسادة
" ماقصة العمل يا أمي.. من أين أتيتي بهذا أيضا !! "
قالت الأم وهي تقشر الفول وتعطيه لجميلة :
" مثلما أخبرتك جدتك... بيت السيد أحمد إحتاج لعاملة وأنا تقدمت للوظيفة .. ولقد تم قبولي الحمد الله "
إرتسمت السعادة على وجه العجوز وذلك ما أغاظ زينة فإنفجرت غاضبة :
"عاملة..!! تقصدين خادمة يا أمي.. أنت لا يجب أن تخدمي في بيوت الناس.. انت كبيرة في العمر .. ومريضة أيضا يجب أن تهتمي بنفسك"
إبتسمت الأم بكل رضا وهي تطعم إبنتها تارة وتارة تضع حبة الفول في فمها الجاف ردت:
" العمل لا يعاب زينة.. نحن نحتاج للمال... الأكل والشرب والملبس.. فكري قليلا.. فكري في أختك الصغيرة "
لم يكن لزينة خيار سوى أن تستعمل ورقة أخرى لتبرهن لأمها أنها على خطأ عالمة أن إستخدام هذه الورقة سوف يمطر عليها وابلا من الشتائم العجائزية
" واين هو والدي الآن.. لما لا يتحمل المسؤولية قليلا !! "
أردفت العجوز الشمطاء بصوت عال :
"الآن حان دور إبني صحيح..!! دور عادل المسكين بعد أن إنتهيتي مني... ما الذي تريدنه أن يفعل لك ... الفتيات في عمرك يصرن مسؤولية أزواجهن لا أبائهن !! "
"جدتي... أنا لا أطلب من أحد أن يتحمل مسؤوليتي, لكن كلامك هذا هو من جعل أبي لا يبحث عن عمل.. ماذا عن جميلة .. ماذا عن أمي المريضة!! "
لكي توقف فاطمة الكلام قالت بحدة:
" زينة.. توقفي أنت تفكرين بأنانية,جدتك معها حق"
أجابت زينة بسخرية:
"أنانية.. حقا!! لقد فكرت بك لكنك ... إنسي الأمر أنا المخطئة "
بعد أن لمحت فاطمة الحزن على عيني إبنتها ولكي تغير موضوع عملها قالت :
" زينة هل حقا لم تقبلي في منحة البطالة ..!! "
" لم أقبل!! من أخبرك"
قالت فاطمة:
"جدتك .."
تأففت الفتاة وتمتمت بينها وبين نفسها
" هذه العجوز تبالغ دائما "
" لا الأمر ليس هكذا.. لقد أخبرونا أن نعود غدا.. لقد أغلقت البلدية..قالوا بسبب عطل في الشبكة"
بصوت بارد قالت الأم
"إذن إستيقظي باكرا للذهاب"
وضعت زينة الخبز على الطاولة ثم قالت متوترة :
"لا يا أمي.. لا أريد لربما سأحصل على عمل قريبا"
ردت الأم مستغربة :
"ماذا... لا هذا غير منطقي إذهبي غدا للبلدية وفي نفس الوقت إنتظري فرصة العمل بإذن الله.. أنا من سأعطيك المال للتنقل "
قالت زينة هازةا رأسها:
"لا يا أمي.. أتركي المال للمنزل سوف أعثر على عمل قريبا.."
تبسمت الأم ثم قالت :
" لا بأس إن كنت تشعرين بالشفقة على والدتك
فأعيدي لي المال عندما تحصلين على أول راتب"
العجوز بعد أن حللت عدة أمور في رأسها قالت بمكر:
"ومن أين حصلتي على المال يا فاطمة !! "
قالت فاطمة وقد بدت عليها السعادة:
" لقد أعطتني زوجة السيد أحمد راتب الشهر مقدما بعد أن رأت أحوالنا الصعبة "
نهظت من المائدة وذهبت نحو المطبخ لتهرب من التفاصيل التي تؤلمها,إلى متى سيواصلون العيش على رأفة الناس..!!
حلمها وهدفها أن تستقل ماديا أن تأكل دون أن تسمع كلمة " رأفة" وتستحم دون أن تسمع كلمة "إقتصاد"
تتسوق دون أن تفكر في كلمة " ديون" والكثير الكثير..
" ليت قلبي مصنوع من الصوان لا يهدمه لا معول ولا منجل...آخ فقط يوم واحد, يوم واحد..."
يتبع...