ما لَمْ يُقَلْ
في ليلةٍ هادئة، كان القمرُ مكتملًا، والنجومُ تلمعُ في السماء كأنها أعينٌ تراقب الأرض بصمتٍ مطبق.
في قصرٍ ساكنٍ كالقبر، وتحديدًا في غرفة صخر، كان نائمًا، لكنّ النوم لم يكن رحيمًا به، بل حمله إلى كابوسٍ مفزع... رأى عائلته تموت أمام عينيه، والنار تلتهمهم، في مشهدٍ جهنّميّ لا يُنسى.
وفجأة، ومن وسط اللهيب والدخان، ظهر زياد... يرتدي ثوبًا أبيضَ ناصعًا، يشعّ نورًا كأنّه قادمٌ من عالمٍ آخر.
اقترب من صخر وربّت على كتفه، ثم دنا منه وهمس في أذنه بصوتٍ هادئٍ رخيم:
"الحقيقة لم تظهر بعد..."
ثم ما لبث أن تبخّر، وتلاشت معه كلّ الأصوات والصور، ولم يبقَ سوى السواد.
استيقظ صخر مفزوعًا، جسده يتصبّب عرقًا، والحرارة تتصاعد من جلده كأنّه لا يزال في الجحيم.
استقام بتعب، يجرّ جسده نحو الحمّام، فتح الباب ودخل بصمتٍ ثقيل.
وقف تحت الدش بملابسه، فتح الماء البارد على أقصاه، أغمض عينيه وأسند رأسه إلى الجدار، كأنه يحاول إطفاء نيرانًا ما تزال تشتعل في داخله.
خلع ملابسه واستحم، ثم خرج وهو يلفّ منشفة حول خصره.
دخل غرفة الملابس، ارتدى سروالًا قطنيًّا أسود وسترة خفيفة، ثم نزل إلى الحديقة.
جلس على المقعد الحجري تحت الشجرة، وضع يديه خلف رأسه، ورفع بصره إلى السماء يتأمل النجوم... ظاهره ساكن، أما داخله، فكان ملتهبًا كبركان.
في الطابق العلوي، استيقظت روز على نسمةٍ دافئة داعبت وجهها، فنهضت مستغربة؛ لا منفذَ للهواء في غرفتها.
اقتربت من الشرفة، وأطلت، فرأت صخر جالسًا تحت الشجرة، يتأمل السماء بهدوء مضلل.
غادرت غرفتها بهدوء، وهبطت إلى الحديقة، ثم جلست إلى جانبه.
لم يشعر بوجودها.
وضعت يدها على كتفه، وقالت بهدوء:
"صخر... ما بك تجلس هنا؟"
نظر إليها دون أن يجيب، لكنّ عينيه ارتجفتا حين سألته:
"صخر، من هو زياد؟"
تجمّد، ثم قال بدهشة:
"من أين عرفتِ هذا الاسم يا روز؟"
ترددت لحظة، ثم قالت، تخفي الحقيقة:
"كنتَ تهلوس باسمه وأنت نائم..."
تأملها بشكٍ واضح وقال ببرود:
"سأتظاهر بتصديقك."
ثم أردفت هي، بلهجة جادة:
"صخر، أجبني... من هو زياد؟"
صمت لحظة، ثم غاص في عينيها، تنفّس بعمق وهو يسترجع صورة أخيه التوأم، وقال بصوتٍ متهدّج:
"إنه أخي... شقيقي التوأم. حملتنا أمي تسعة أشهر في رحمٍ واحد، كنا معًا في كل شيء... زياد ليس مجرد أخ، هو نسختي، ظلي، روحي التي تمشي على الأرض. كان لطيفًا، نقيًا... بريئًا من إجرامي."
نظرت إليه روز بحزن عميق، وقالت:
"وأين هو الآن؟"
رفع عينيه إلى السماء، وأجاب بعد تنهيدة موجعة:
"مات... مات أمامي، ولم أستطع إنقاذه."
سقطت دمعة حارقة من عينيه، فلم تحتمل روز صمته، اقتربت وقالت بصوت خافت يملؤه التردد:
"صخر... زياد ما زال على قيد الحياة."
التفت إليها مصدومًا:
"ماذا قلتِ؟"
أجابت بتكرار حاسم:
"زياد لم يمت."
قال بانفعال شديد:
"كيف؟! لقد رأيتُه يموت أمامي!"
قالت:
"أعلم أنك لن تصدقني... لكنني علمت بأنه حيّ عندما كنتَ في الغيبوبة."
تراجع خطوة، وجهه يغلي من الصدمة:
"إذاً كنتِ تعلمين منذ وقتٍ طويل؟!"
هزّت رأسها بصمت.
قال بصوت مكسور:
"أين؟ متى؟ كيف يا روز؟"
تنهدت، وبدأت تسرد:
"عندما كنت في الغيبوبة، كنت في خطر... وكان شاهين سيقتلني. وفجأة، ظهر شخص يشبهك تمامًا، أنقذني من يده. قال لي: عندما يستيقظ صخر، اسأليه، لكنه لا يجب أن يعلم أنني على قيد الحياة... هذا كل ما حدث."
صمت صخر، ملامحه جامدة، عينيه تائهتان بين الذهول والغضب.
قبضتا يديه ترتجفان، تنفس بعمقٍ مرارًا يحاول السيطرة على نفسه، ثم نهض فجأة، كأن الأرض ضاقت به.
سارت خلفه روز بخوف:
"صخر... أرجوك، تحدث إليّ!"
استدار نحوها، عيناه تقدحان بنار الغضب والخذلان، وقال بصوت متهدج:
"تعلمين منذ زمن... وتخفين عني أن زياد حي؟! زياد... زياد حياتي كلها!"
حدق بها لحظة طويلة، ثم هزّ رأسه كمن يريد طرد كل شيء من رأسه، واستدار عنها دون أن يقول كلمة أخرى.
كان صدره يعلو ويهبط، والدموع محبوسة في عينيه كبركان لا يجد مخرجًا.
وفي لحظةٍ ما، ومضة من الماضي اخترقت ذهنه...
رأى بيتهم القديم... الشقة الصغيرة، دفء العائلة، رائحة الخبز، ضحكات الأم، وحكايات الأب التي كانت تملأ المساء سحرًا.
ثم... الحريق... الصراخ... الدخان الأسود... جثّة أمّه، وصوت والده وهو ينهار عاجزًا.
شعر بأن قلبه ينقبض، يختنق...
لابدّ أن يعود إلى هناك... إلى البداية... إلى الشقة القديمة.
شيءٌ ما يناديه، شيءٌ أقوى من المنطق.
أسرع إلى سيارته، أدار المحرك، وانطلق نحو الحيّ القديم بسرعةٍ مجنونة.
وفي مكانٍ آخر...
كان زياد يقود سيارته أيضًا، يتجه إلى ذات المكان.
كأن القلبين اتفقا دون كلام، أن الوقت قد حان... للعودة إلى الجذور.
---
وصل صخر إلى الحيّ الذي كاد النسيان أن يطويه في زوايا الذاكرة، ذاك الحيّ الذي خَبَت ملامحه في ذهنه مع تقادم السنين.
كل شيء بدا غريبًا مألوفًا؛ المباني العتيقة تنحني تحت وطأة الزمن، الأزقة الضيقة تئنّ بصمت، وحتى الهواء... كان مشبعًا برائحة ماضٍ دفين، كأنّ الجدران ما زالت تحفظ صدى أصواتٍ انطفأت.
توقّف أمام باب الشقّة القديمة، شقّتهم. مدّ يده المرتجفة نحو المقبض، لكنه وجده موصدًا بإحكام، كأنّه يأبى أن يُفتح لمن غاب طويلًا.
خطر بباله طيف قديم: جارتهم، خلود أم جواهر، كانت تحتفظ بمفتاح الشقة حين تسافر أمّه أو تغيب.
استدار صوب شقتها المجاورة، وتقدّم بخطًى مترددة، ثم طرق الباب بقوة لا تخلو من رجاءٍ خفي.
لم تمر لحظات حتى فُتح الباب، وظهرت خلود تمسح يديها بمئزرٍ قديم، ورائحة البهارات عالقة بأطراف ثوبها.
حدّقت فيه طويلاً، كأنّها ترى طيفًا من عالم آخر. ارتعشت شفتاها، وتمتمت بصوت خافت مرتجف:
"مستحيل... صخر؟ أأنت حيّ؟!"
ارتبك صخر من وقع كلماتها، لكنه تجاهل دهشتها، وقال بنبرة ملحّة:
"خالتي خلود... المفتاح القديم... مفتاح شقتنا. هل ما زال معك؟"
ازدادت خلود ذهولاً، تراجعت خطوة إلى الوراء وهمست:
"ظننتك... متَّ مع أمّك وأبيك... كيف؟!"
قال ببرودٍ يشبه جليد الأعوام التي قضاها بعيدًا:
"ليس الآن... المفتاح فقط، أرجوكِ."
لم تزد حرفًا. استدارت ببطء، وغابت في الداخل. بعد لحظات، عادت تحمل صندوقًا خشبيًّا صغيرًا، أخرجت منه مفتاحًا صدئًا، وسلّمته إليه ويدها لا تكفّ عن الارتجاف.
أخذ صخر المفتاح، تمتم بشكرٍ عابر، واتجه نحو الباب المغلق، بينما ظلّت خلود تراقبه بصمتٍ يتكثّف فيه ألف سؤال لم يُطرح.
---
في اللحظة ذاتها، توقّفت سيارة أخرى أمام المبنى، نزل منها زياد، وعيناه تجوبان المكان كأنما تبحثان عن شبحٍ من ماضٍ بعيد.
خفق قلبه بعنفٍ غامض، دون أن يدرك السبب.
رفع بصره إلى السلالم العتيقة، ثم بدأ يصعدها ببطء، كأن كل خطوة تُثقلها نذرُ قدرٍ لا مفرّ منه.
كان صخر قد وصل إلى الباب.
أدخل المفتاح بيدٍ مرتجفة، فتح الباب ببطءٍ مشوب بالحذر،
فانبعثت إليه رائحة العتق والغبار، ضربت وجهه كصفعة، ومع ذلك، خالطها دفءٌ غريبٌ سرى في قلبه.
دخل إلى الداخل كمن يعود إلى حضنٍ خُطف منه قسرًا.
كل شيء كان كما تركوه تقريبًا: الكنبة القديمة، الصور المعلقة على الجدار، ألعاب الطفولة المبعثرة في الزوايا...
وقف في منتصف الغرفة يتنفس بصعوبة، وكأن الذكريات تتساقط عليه كالمطر الغزير.
ثم، في تلك اللحظة... سمع وقع خطواتٍ خلفه.
استدار ببطء، وقلبه يكاد يتوقف من الخفقان.
ورآه...
زياد، واقف عند عتبة الشقة، أنفاسه متقطعة، وعيناه تغرقان بالدموع.
تلاقت النظرات...
لا كلمات، لا أصوات، بل نظرة واحدة فقط جمعت كل الحنين، كل الألم، كل الحب المفقود.
همس صخر، بصوت مبحوح بالكاد خرج من حنجرته:
– زياد...
فأجابه زياد، بصوتٍ مثقل بالمشاعر ذاتها:
– صخر...
وفي لحظة خاطفة، ارتمى الأخوان في حضن بعضهما البعض، عناقٌ تتشبث فيه الأرواح قبل الأجساد،
كأنما يخشيا أن يضيع أحدهما من جديد.
لكن... لم يطل الصمت، إذ قطعه صوت صراخٍ عالٍ آتٍ من الشقة المجاورة:
– جميل! إلى متى ستظل عنيدًا؟! أنت لست كما تظن!
ثم تلاه صوت شابٍ غاضب، هشٌّ في عناده:
– أنا جميل! لا أحد يملك الحق أن يقول لي غير ذلك!
تبادلت عينا صخر وزياد نظراتٍ مذعورة، ثم همس صخر، مرتبكًا،
– من أين يأتي هذا الصوت؟
زمّ جبينه فجأة، واندفع نحو الباب كمن يركض خلف مصيره.
ركض زياد خلفه دون أن يفهم شيئًا.
وصلا إلى باب الشقة المجاورة... كان مواربًا.
دفعه صخر ودخل.
وكان المشهد أمامهما كالصاعقة:
في وسط الغرفة، فتى يجلس على كرسيٍّ متحرّك، جسده النحيل مائل، ملامحه شاحبة،
عيناه زائغتان، شعره مبعثر...
كان مألوفًا لصخر... مألوفًا حدّ الألم.
تجمّد في مكانه، وقد سُحبت الأرض من تحت قدميه.
همس بصوت متهدّج، مذهول:
– غريب...؟!
نظرت الفتاة – جواهر – إليهما بذعر:
– من أنتما؟! كيف دخلتما؟!
لكن صخر لم يُجب.
اقترب من الفتى وجثا أمامه، أمسك بيده برفقٍ يشبه رجاءً:
– غريب...
فردّ الفتى، بصوت متردد قلق:
– أنا... أنا جميل... لا أعرف من هو غريب.
سأل زياد بدهشة:
– صخر، من هذا الفتى؟
فأجابه صخر، بصوت مكسور،
– إنه... غريب. أخي الصغير.
قال زياد وقد اتسعت عيناه:
– لنا... أخٌ ثالث؟!
قاطعتهم خلود، وقد ظهرت من الغرفة الداخلية، وملامحها تحمل خليطًا من الذهول والارتباك:
– صخر؟ زياد؟! ماذا تفعلان هنا؟ كيف دخلتما؟
ردّ صخر بغضبٍ مكتوم:
– ماذا يفعل غريب هنا، يا خلود؟!
فصاحت جواهر فجأة، بحدةٍ لم تحتملها الأعصاب:
– اسمها السيدة خلود، يا جاهل!
هنا تحوّل صخر فجأة.
تقدّم منها بخطى ثقيلة، ونظرة قاتمة خالية من الرحمة.
ثم، وبلا إنذار، أمسكها من شعرها القصير بقوة، شدّه بعنفٍ صادمٍ حتى صرخت من الألم،
هزّها كمن يريد أن يقتلع التحدي من داخلها.
قال بصوتٍ بارد، جامد كالجليد:
– كيف تجرئين على رفع صوتك أمامي؟!
صرخت جواهر، تحاول أن تفلت من قبضته الحديدية:
– آآآه! أنت تؤذيني!
لكنه لم يبدُ عليه أدنى شفقة، بل ازداد قربًا منها، حتى شعرت بأنفاسه الحارّة تلفح وجهها.
همس ببطءٍ زاحفٍ بالتهديد:
– ألم تتعلمي بعد... أن الصراخ لا يُنقذ؟ الصراخ... يُسقط.
كانت دموع الألم تملأ عيني جواهر، لكنها تماسكت، لم تمنحه لذة رؤيتها تنكسر،
لكن جسدها لم يحتمل، فراح يرتجف تحت يده.
تدخل زياد أخيرًا، وأبعده بصعوبة:
– صخر! ما بك؟ دع الفتاة!
وفجأة، ارتفع صوت غريب، غاضبًا باكيًا:
– اخرجا من هنا... كلاكما!
تجمّد صخر، نظر إليه مصدومًا:
– غريب، أنا...
لكنه لم يُكمل، فقد قاطعه صوت غريب بصيحةٍ أقوى:
– اسمي جميل! لست غريبًا... أخرجا من بيتي حالًا!
أمسك زياد بذراع صخر وسحبه بهدوء، خرجا من الشقة دون مقاومة،
لكن صخر توقف عند آخر ثلاث درجات،
جلس هناك، ودفن رأسه بين راحتيه، ثم... انهار.
ظل صامتًا، والدموع تنهش صدره، كأنما العالم انهار من حوله.
جلس زياد إلى جواره، لا يعرف ماذا يقول،
فاكتفى بأن وضع يده بلطف على كتف أخيه.
مرت الدقائق ثقيلة، لا يُسمع فيها سوى شهقات صخر المختنقة.
رفع صخر رأسه ببطء، عيناه حمراوان، ملامحه مهزومة،
تأمّل الباب المغلق أمامه، كأنما يرى وراءه عمرًا كاملاً تبخّر.
قال بصوت مبحوح، يائس:
– زياد... لقد فقدته مرة أخرى... لكن هذه المرة... بيدي.
لم يُجبه زياد. الكلمات كانت عبئًا.
فقط جلس إلى جواره بصمت، يراقبه وهو يغرق.
ثم رفع صخر يده أمام وجهه، تأمّل أصابعه المرتجفة كمن يرى عليها دمًا لا يُمحى.
همس:
– كنت أظن أنني سأحميه حين أجده... لكنه الآن... يخافني.
ضرب الأرض بقبضته، أطلق صرخة ألمٍ مدوية، ثم أسند ظهره إلى الجدار، وأغمض عينيه بيأسٍ قاتل.
مرت لحظات قبل أن ينطق زياد، بنبرة حازمة مشبعة بالعاطفة:
– لم ننتهِ بعد يا صخر... لن نغادر بدونه،
حتى لو اضطررنا لكسر هذا الباب ألف مرة.
فتح صخر عينيه، في نظراته حزنٌ وأملٌ متقدان، وقال:
– حتى لو كرهني... لن أتركه هذه المرّة.
---
نهض صخر مستندًا إلى ذراع زياد، وسارا معًا في صمت ثقيل حتى بلغا سيارة صخر. مدّ يده إلى مقبض الباب، لكنه توقف فجأة، واستدار نحو زياد الذي كان يبتعد في اتجاه سيارته الخاصة.
نادى صخر، والدهشة تعلو صوته:
— "زياد... إلى أين تمضي؟"
التفت إليه زياد، وأجابه بهدوء:
— "أعود إلى حيث كنت."
ازداد حَير صخر، واقترب منه خطوة وسأله:
— "إلى حيث كنت؟ ألا تأتي معي إلى القصر؟"
هز زياد رأسه بأسى، وقال:
— "لا... لن أعود معك."
ارتبك صخر، وبدت نبرته قلقة وهو يقول:
— "لماذا؟"
تنهد زياد بعمق، ثم دنا منه ووضع يده على كتفه، وقال بصوت خافت كأنه يختنق:
— "صخر... ليس الآن وقت العودة."
لكن صخر لم يتردد، وقال بعزمٍ لا يخلو من رجاء:
— "إذن خذني معك."
رمقه زياد بنظرة متسائلة وقال ببراءة مباغتة:
— "إلى أين؟"
رد صخر بلهفة:
— "إلى أي مكان تنوي الذهاب إليه."
ساد الصمت لحظة، قبل أن يقول زياد بنبرة جادة:
— "صخر... أنت مسيحي، ولم تدخل الإسلام بعد، وأنا مسلم..."
قطعه صخر، وقد صعقته المفاجأة:
— "متى أسلمت؟!"
أجاب زياد بهدوء غريب:
— "منذ عشرة أعوام."
تسعت عينا صخر، وبدت الصدمة كأنها جمدت الدم في عروقه. عجز عن النطق، وكأن الكلمات خانته.
ابتسم زياد ابتسامة حزينة، وقال بصوت ينهال كالوخز:
— "ثم إن علاقتك بروز... لا تجوز."
ارتبك صخر، وسأل وقد اعترته الحيرة:
— "لماذا؟"
أجابه زياد بوضوح لا يحتمل التأويل:
— "لأنك مسيحي، وهي مسلمة."
تجمد صخر في مكانه، وشعر كأن الأرض تميد تحت قدميه. أصبح كل ما حوله ضبابًا، وكلمات زياد تتردد في أذنه كصفعات.
همس بصوت مبحوح:
— "لكنني... أحبها."
خفض زياد بصره، وقال بأسى:
— "الحب وحده لا يكفي، يا صخر. ثمة أمور أعظم من العاطفة... دين، وعقيدة، ومصير."
تشبث صخر بذراعه كالغريق المتمسك بآخر أمل، وقال برجاء كاد يبكي:
— "سأدخل الإسلام... أليس هذا كافيًا؟"
رفع زياد بصره إليه، وفي عينيه شفقة يكسوها ألم دفين:
— "لا تفعلها من أجل روز، ولا من أجلي، ولا لأجل أي إنسان. إن دخلته، فليكن إيمانًا ويقينًا. افعلها بقلبك، لا فقط بقلبك المكسور."
صمت صخر، وغرق في دوامة من الحيرة والعجز، ثم تمتم بصوت بالكاد يُسمع:
— "أنا... لا أعلم."
ربت زياد على كتفه برفق، وابتسم ابتسامة باهتة:
— "حين تعلم... حين يصبح يقينك أرسخ من حبك لأي بشر... سأكون أول من يفرح بك."
ثم تراجع خطوة، وفتح باب سيارته دون أن يضيف شيئًا. صرخ صخر وراءه، مستجمعًا ما تبقى له من رجاء:
— "زياد... لا تتركني!"
توقف زياد لحظة، دون أن يلتفت، وقال بصوت خافت:
— "أنا لا أتركك... أنا أرشدك إلى الطريق."
ثم دخل سيارته، وأدار المحرك، ومضى بعيدًا في عتمة الليل، تاركًا صخر واقفًا في العراء، يتخبط بين أمواج الحيرة والأسى.
رفع صخر رأسه إلى السماء، وهمس بنداء مبحوح لا يدري لمن يرفعه:
— "ماذا أفعل...؟"
كان وحيدًا... لكن وحدته هذه المرة كانت أعمق من أن تُقاس بالوجود الجسدي فقط؛ لقد شعر، لأول مرة، بفراغ في روحه لا يملؤه شيء.
---
عند ريان
كان ريان مستلقيًا على فراشه، يحدّق في السقف بصمت، تائهًا في خيالاته. تسللت إلى ذهنه صورة تالا، حبّ عمره، وعاد به الحنين إلى أيام الطفولة، حيث الذكريات تومض في عقله كضوء نجم بعيد.
كان آنذاك في الخامسة عشرة من عمره، وكذلك أصدقاؤه صخر، أركان، مالك، وزياد. أما تالا، فكانت لم تتجاوز العاشرة، صغيرة بحجمها، عظيمة بحضورها في قلوبهم.
جميعهم كانوا يدرسون في المدرسة ذاتها، وفي فترة الاستراحة، اعتاد الفتية أن يجتمعوا في زاوية هادئة بعيدة عن صخب الطلاب.
قال صخر وهو يتكئ على الجدار: — "زيزو، هل تملك علكة؟"
أجابه زياد بابتسامة: — "أجل، أي نكهة تريد؟"
قال صخر بحماس: — "فراولة."
رماها زياد إليه بدقة، فالتقطها صخر بفمه بحركة ماهرة، وكأنه تمرن على هذا طوال حياته.
صفق أركان ضاحكًا: — "لو وُجدت بطولة دولية للعلكة، لفزت بها دون منازع!"
انحنى مالك من الضحك، ثم قال: — "لكن لا تنسَ تشكر زياد، لولاه ما رأينا مهاراتك هذه!"
وبينما كانوا يتبادلون النكات، ظهرت تالا تركض نحوهم، خصلات شعرها تتطاير خلفها، ويديها الصغيرتين تمسكان بكيس ممتلئ بالحلوى.
ابتسمت ابتسامة واسعة وقالت: — "جمعت لكم حلوى! لكن بشرط... أريد علكة!"
ضحك صخر وربّت على رأسها بلطف: — "أنتِ تأمرين يا أميرة العائلة."
أخرج زياد علبة العلكة من جيبه، وناولها لها بدلال: — "خذي، يا تالو الصغيرة. لكن لا تنسي أن تعطيني نصف مصروفك الأسبوع القادم!"
ضحكت تالا وهي تمد العلكة إليه وكأنها تساومه، ثم ناولت ريان قطعة منها بحماسة.
تناولها ريان بهدوء، وقال وهو يغمز لها: — "هذه أحلى علكة في العالم، لأنكِ أنتِ من أعطاني إياها."
رفع صخر حاجبه وقال بمزاح: — "لكن تذكري، لو ضايقك أحد في المدرسة، قولي لنا، أنا وزياد نشكّل لجنة دفاع خاصة!"
وضعت تالا يديها على خصرها وردّت بثقة طفولية: — "أنا لا أحتاج دفاعًا! أنا قوية مثلكم!"
تعالت ضحكاتهم، تراقصت مع نسيم الربيع، وكأن الزمن توقف عند تلك اللحظة.
**
ابتسم ريان وهو يتذكر مغامرة أخرى...
كانوا جميعًا في نفس العمر، يوم خطّطوا للهروب من المدرسة. وقفوا تحت سورها الخلفي، يتبادلون النظرات المليئة بالحماس، وكأنهم على وشك تنفيذ مهمة سرية.
قال مالك بحذر: — "زياد، أحضر السلم!"
فأجابه زياد وهو يجرّه: — "ها هو ذا... من يصعد أولًا؟"
توجهت الأنظار نحو صخر، الذي كان واقفًا بهدوء في زاوية المكان.
قال أركان: — "أنت، هيا اصعد!"
رد صخر وهو يبتسم: — "لماذا أنا دائمًا الأول؟"
ثم صعد السلم بخفة، وجلس على الحائط، وقال بملل: — "هيا، ارموا الحقائب!"
ألقوا الحقائب واحدًا تلو الآخر، ثم بدأوا بالصعود. وعندما جاء دور زياد، انكسرت إحدى درجات السلم.
نظر الجميع إليه بقلق، فيما ظل هو متشبثًا، يحاول إيجاد طريقة للنجاة.
— "صخر... أين أنتم؟"
— "نحن فوق، ننتظرك."
— "لا أستطيع القفز!"
— "حاول!"
وفي لحظة من التردد، قفز زياد، لكن سرواله تمزق من الخلف، فصرخ بخجل: — "أحااا! سروالي تمزق!"
ضحك صخر بصوت مكتوم وقال: — "انزعه."
تردد زياد، ثم خلعه على عجل، وقفز نحوهم وسط ضحكاتهم المكتومة.
**
حين وصلوا إلى قصر خال ريان، ياسين، بدت الأجواء مختلفة. كان الهدوء يلف المكان على غير العادة. ما أثار دهشتهم هو رؤية ياسين في الصالة الكبرى، يتحدث في الهاتف بنبرة هادئة، ولكن كلماته كانت صادمة:
— "نعم، أستاذ... لا تقلق، سأرتب لهم درسًا في السلوك."
تجمدوا في أماكنهم، وقد أدركوا فجأة أن خال ريان كان يتحدث إلى مدير المدرسة، وأنه يعلم بكل ما فعلوه!
قطع ياسين المكالمة، ثم التفت إليهم رافعًا حاجبه: — "آه، ها أنتم! يبدو أنني جئت في الوقت المناسب."
قال زياد محاولًا التخفيف من التوتر: — "خال ياسين، أنت تعرف... نحن فقط نحب الحياة، قليلاً من الحماس فقط."
ضحك ياسين ساخرًا: — "حماس؟ أنتم تحطمون سلّم المدرسة وتتصرفون كأبطال فيلم أكشن!"
قال أركان مترددًا: — "كنا فقط بحاجة للهروب من ضغط الدروس!"
أغلق ياسين الهاتف وقال: — "بما أنكم في ورطة، إليكم العرض التالي: تنظيف الحديقة كاملة غدًا، وإن أنجزتم المهمة، قد أفكر في رفع الشكوى."
نظروا إليه وابتسامة خفيفة تعلو وجوههم، فقد كانوا يرونه أكثر من مجرد خال، بل كان لهم ملاذًا وأبًا وسندًا بعد فقدان والديهم.
**
عاد ريان إلى واقعه على صوت رنين الهاتف. التفت نحو الهاتف المحمول، ونظر إلى الشاشة... الاسم: صخر.
رد بسرعة، واقترب بالهاتف من أذنه.
— "صخر... كيف حالك؟"
لكن الرد لم يكن صوت صخر، بل صوت غريب، خافت ومجهول:
— "هل تعرف صاحب هذا الهاتف؟"
شعر ريان بتيار بارد يسري في جسده، ورد متوترًا: — "أ... أجل، لماذا؟"
قال الصوت المجهول: — "نحن من مستشفى ****."
شدّ ريان على الهاتف وقال بقلق: — "أجل، ماذا هناك؟"