الفصل الثالث
الشرارة الأولى..
بعد لقائهما الأول في المقهى، لم يتبادلا أرقام الهواتف، ولا حتى وعدًا باللقاء مجددًا. كان كل شيء بسيطًا، صادقًا، ومفتوحًا على احتمالات القدر.
لكن القدر... كان يخبئ الكثير.
في اليوم التالي، دخلت نور إلى قاعة المحاضرات في كليّة العلوم الإنسانية، وجلست في صفها المعتاد. كانت السنة الأولى لها في الجامعة، تخصصت في الأدب العربي، تحمل حلمها على كتفيها، وتحارب بصمت أفكار الناس وخوف أمها من "الاختلاط"، وقلق والدها من "البيئة".
رفعت عيناها بين الطلاب... وفجأة، تجمّد كل شيء.
جبران.
كان هو، بذاته، يجلس في آخر القاعة، يراجع دفترًا صغيرًا، ويبدو عليه التعب وكأنه لم ينم. نظرت إليه، وكأن اللقاء الأول لم يكن صدفة بل إشارة، وعرفت أن هذه الحكاية... بدأت تكتب نفسها من جديد.
وفي نهاية المحاضرة، مرّ بقربها وهمس بابتسامة: "واضح إنك بتحبي الأدب... وأنا كمان. شكلك رح تضلّي تلاحقيني بكل الأماكن الهادية."
ضحكت نور بخجل وقالت:
"أو يمكن أنت يلي بتلاحقني."
ابتسم، وقال وهو يغادر:
"يمكن... بس ما فيني أهرب من النور."
ومن تلك اللحظة، بدأت علاقة غريبة تنمو.
نقاشات عن الكتب، محاضرات مشتركة، أحاديث طويلة على مقاعد الحرم الجامعي، ثم اختلافات… ثم أسئلة… ثم شيء أعمق من الصداقة بدأ يتكوّن.
وفي إحدى المحاضرات، عندما تحدّث أحدهم بسخرية عن الأديان، كان جبران أول من وقف.
دافع، بشجاعة، لا عن دينه… بل عن الحق باختيار القلب.
عن الاحترام.
وعن نور.