القصيدة التي لا تنتهي
مرت أسابيع، وربما شهور، منذ أن خرجت آخر مرة.
هاشم ظل يفتح دفتره كل يوم، يضع قلمه فوق الورقة، ثم يرفعه دون أن يكتب. شيءٌ ما لم يعد كما كان. غيابها هذه المرة لم يكن مؤقتًا، ولم يكن نهائيًا… كان غامضًا مثل الشعر السيء الذي نحبه فقط لأننا نفهم وجعه.
أصبحت المكتبة أكثر هدوءًا. زوارها قلّوا، كأن المدينة كلها قررت أن تتآمر معه على السكوت. حتى الكتب، كانت تقف على الرفوف دون أن تُطلب. بعضها كأنها تنظر إليه، تسأله: "أين تلك التي كانت تقرأنا؟"
كان لا يزال يحتفظ بالورقة التي كتبت فيها:
"إن عدتُ واختفيت، لا تكتبني وداعًا… بل اكتُب: ما زالت القصيدة جارية."
لكنه لم يكتب.
ليس لأنه لا يستطيع، بل لأنه كان يخاف أن يكتب النهاية، ويخون الشعر بحسن النية.
---
في أحد الأيام، وبينما كان يغلق المكتبة في ساعة متأخرة، وجد على الباب الأمامي ظرفًا صغيرًا. لا طابع، لا اسم، فقط ورقة واحدة داخله، مكتوبة بخطها:
> _"يا هاشم،
أنا لست بخير، ولا مريضة.
أنا فقط تائهة في مدينة لا تُحب القصائد.
كل يوم أقرأ ما كتبته، وأفكر: هل كنتَ تكتبني، أم تكتب لنفسك عبر ملامحي؟
لستُ البطلة التي كتبت عنها.
أنا امرأة عادية، تخاف الضوء كما تخاف العتمة.
لا تقرأني كشعر، أرجوك.
لأنني إن صرت قصيدة، لن أعود."_
أعاد الورقة إلى الظرف، ثم وضعه في جيب معطفه. لم يبكِ. لم يبتسم. فقط جلس يكتب:
> _"أنا لا أكتبكِ كقصيدة،
بل أكتب الشعر كي لا أفقدكِ.
إن كنتِ خائفة من أن تصبحي بيتًا يُقرأ،
فاعلمي أن كل ما كتبتُه
كان عني، لا عنكِ.
لكنكِ كنتِ اليد التي أمسك بها القلم."_
---
مع مرور الوقت، بدأت كتب الشعر تختفي من رفوف المكتبة. لا أحد يطلبها. هاشم لم يعد يُرشّحها لأحد. حين يسأله أحدهم: "هل لديك كتب شعر؟"
كان يرد:
– الشعر ليس كتابًا، بل غياب شخص لا تقدر على نسيانه.
بدأ يكتب أكثر من أي وقت مضى. لكنه لم يُنشر شيئًا، لم يُخبر أحدًا أنه شاعر. كان يرى أن نشر الشعر يشبه الصراخ باسم من تحب في شارعٍ مزدحم… ولا أحد يلتفت.
---
ذات مساء، وبينما كان يفتح دفتره، كتب العبارة التالية:
> "كل القصائد الجميلة تبدأ برحيل أحدهم، وتنتهي بسكوت الشاعر."
ثم تذكّر أول مرة قابلها. أول مرة كتبت له سطرًا على ورقة صغيرة، وقالت: "هل يمكنك أن تجعل هذا السطر بيت شعر؟"
تذكّر أنه كتب حينها:
> "عيناكِ ليستا زجاج نافذة…
بل نافذتان، تكسران الزجاج داخلي."
لم يكن يظن أن الشعر يمكنه أن يغيّر إنسانًا، لكنه أدرك الآن أن الشعر لا يُغيّر الناس، بل يعريهم حتى لا يبقى فيهم إلا الحقيقة.
---
بعد سنة، تلقى اتصالًا من رقمٍ غريب. لم يكن يتوقع شيئًا.
– مرحبًا، السيد هاشم؟
– نعم؟
– معك دار "ظلّ الكلام" للنشر… تلقينا رسالة مرفقة بمخطوطة، كُتب فيها:
“انشروا هذه القصائد. وإن سأل أحدهم عن المؤلف، قولوا: كتبتها امرأة لم تعد تقرأ.”
– وما المطلوب مني؟
– المخطوطة تحمل اسمك في أول صفحة.
فتح البريد. وجد ملفًا بعنوان:
"ما زالت القصيدة جارية"
فتحه، وبدأ يقرأ:
> _"هاشم،
كتبت هذه القصائد لأني لم أستطع أن أكون صادقة إلا في الشعر.
أردت أن أهرب، لكن كل هروبي كان عودة إليك.
سامحني لأنني لم أعد.
لكنني كنت معك
كلما كتبت بيتًا لا تعرف كيف انتهى."_
---
في مساء ذلك اليوم، أغلق المكتبة باكرًا، جلس في الزاوية التي كانت تجلس فيها، ووضع الورقة أمامه. ثم كتب أخيرًا، بعد عام من الصمت:
> "كتبتُكِ لأنكِ لم تعودي.
لكنكِ كنتِ دائمًا
الورقة التي لم أجرؤ على طيّها."
وفي اليوم التالي، وضع إعلانًا صغيرًا في واجهة المكتبة:
> "قصائد لا تُشترى.
مكتبة تبيع الكتب فقط،
لكن فيها رجلٌ يقرأ كل امرأة كأنها بيتٌ ناقص."
---
بعد شهور، جاء زائر جديد إلى المكتبة. شابٌ في العشرين، يحمل ديوانًا شعريًا ويقول:
– قالوا لي إنك الوحيد الذي يفهم الشعر، هل يمكن أن تقرأ لي شيئًا؟
هاشم ابتسم، وقرأ أول بيت في ديوانه بصوتٍ خافت:
> "قالت له: أنا خائفة من أن أصير بيت شعر.
فقال: وأنا خائف من أن أكتبك ولا تقرأيني أبدًا."
ثم أغلق الكتاب، وقال:
– نعم، هذا شعر حقيقي.
---
لم يكن هاشم شاعرًا بعد الآن.
بل صار شيئًا آخر:
قصيدة تمشي.
قصيدة لا تنتهي،
ولا تُطبع،
ولا تُلقى في مهرجانات،
ولا تُقرأ بصوتٍ عالٍ.
بل تُهمس في المكتبات…
وتبقى حيّة في قلب كل من ظنّ أن الشعر فقط كلام.
---
🖋 نهاية الرواية.