الورقة التي لم تكتب بعد
كانت المكتبة قد بدأت تفقد لونها المعتاد. رفوف الكتب التي كانت تقف بشموخ، بدا وكأنها تتنفس معه. كل شيء أصبح يحتفظ بأثر تلك اللقاءات التي تحدث بلا موعد، كأن الزمن نفسه بدأ يكتب شعرًا، ويتركه بين الصفحات، بلا توقيع، بلا عنوان.
هاشم لم يعد فقط موظف مكتبة. صار حارسًا لصوتٍ لا يُسمع، حارسًا لحروفٍ تُمطر من قلبها على هيئة نظرات، على هيئة قصائد. والفتاة… تلك التي لا تملك اسمًا، صارت مثل ظلٍ يسير بجانبه حتى وإن لم تكن حاضرة. حضورها لم يكن جسدًا، بل أثرًا.
في صباحٍ هادئ، وبينما كان يفرز الكتب الجديدة، وجد ورقة صغيرة موضوعة بين رواية روسية قديمة. كانت بخط يدها، وعليها سطرٌ واحد:
> "أحيانًا، نتمنى لو أن القصائد كانت أذرعًا."
وقف ساكنًا. لم يكن يعرف ما تعنيه، لكن قلبه قرأها قبل أن يقرأها عقله.
جلس خلف الطاولة، وأخرج مفكرته. كتب لها:
> "لو كانت القصائد أذرعًا،
لاحتضنتكِ كلما قرأتيني،
ولَمَا تركتيني تسقطين
من عينيكِ إلى الأرض."
---
مرّت أيام دون أن تأتي.
أسبوعٌ كاملٌ وهو يحدّق في الباب كل مرة يُفتح فيها. كل رنين مفتاح في الباب الخلفي كان يوقظ قلبه. كل ظلٍّ يعبر الزجاج كان يثير فيه الشك.
كان يعرف أن غيابها ليس عاديًا. هي لا تغيب إلا إن أرادت أن تكتب شيئًا جديدًا، شيئًا لا يُكتب إلا بالغياب.
في اليوم العاشر، قرر أن يكتب لها رسالة كاملة، لا شعرًا. للمرة الأولى، أراد أن يقول لها شيئًا لا على هيئة بيتٍ موزون، بل على هيئة جملة تشبه النداء:
"أنتِ لا تعلمين كم أن حضوركِ يجعل الحياة أقل قسوة. لا أطلبكِ، ولا أُطالبكِ، ولا حتى أنتظركِ… لكن كل شيء هنا يخفت حين لا تكونين. كتبي تذبل، ونظري يتيه. عودي فقط لأنني لم أكتب بعد بيت الوداع."
وضع الرسالة داخل كتابها المفضل. ثم أغلق المكتبة باكرًا لأول مرة منذ شهور.
---
في ذلك المساء، تذكّر كل اللقاءات كأنها تحدث الآن.
تذكّر حين دخلت للمرة الأولى وقالت:
– هل تعرف أين أجد الشعر الذي يشبهني؟
تذكّر كيف أجابها حينها:
– ابحثي عن القصائد التي تخيفكِ، فهي على الأرجح كُتبت عنك.
وتذكّر أول قصيدة تركتها على الطاولة:
> "حين نظرت إلى عينيك
خفت أن أكون بيتًا لم يُكتمل…
فآثرت الهرب قبل أن تكسرني القافية."
---
في اليوم التالي، لم تفتح المكتبة أبوابها. ظلّ هاشم في بيته، يقلب صفحات دفتره. كل صفحة كانت تنطق بها. كل بيت كان يحوي جزءًا من حديثها.
وفي منتصف النهار، رن هاتف المكتب. رقم غريب.
رفع السماعة.
صوت امرأة، صوت ناعم جدًا… لكنه ليس صوتها:
– مساء الخير، هل أنت السيد هاشم؟
– نعم، مَن المتحدث؟
– أنا سارة… صديقتها. عذرًا، فقط أردت أن أقول إنها مريضة، منذ فترة، وقد كانت تكتب عنك كثيرًا، وقالت لي إن أخبرك بأنها… لا تقدر أن تعود الآن.
صمت هاشم. شَعَرَ بأن الهواء ثقيل جدًا. ثم سألها:
– هل هي بخير؟
– لا أعرف. لكنها كانت تقول إن القصائد وحدها تفهم وجعها.
سألها:
– هل يمكنني رؤيتها؟
قالت بعد تردد:
– لا تظنها تخاف الموت، لكنها تخاف أن تراك حزينًا… فتكتب عنها، لا لها.
---
في تلك الليلة، كتب هاشم أطول قصيدة في حياته. لم تكن عن الحب، ولا عن الفقد، بل عن الانتظار الذي لا يُعلن نفسه.
> _"كنتُ أكتبكِ،
لا لأحفظكِ
بل لأمنعكِ من الذبول
في فراغ لا يحمل اسمي.
كنتُ أقرأكِ
كي لا أصدق أنكِ تكتبين رحيلكِ
بين السطور."_
---
بعد ثلاثة أيام، عادت.
دخلت دون أن تتكلم. لم يكن وجهها كما كان. لم يكن وجه حزن، بل وجه قرار.
جلست أمامه.
قالت:
– أردت أن أعود… كي لا تكون القصيدة الأخيرة عن الغياب.
أجابها:
– كل قصيدة تكتبها الحياة،
لن تكتمل إلا إذا كنتِ أنتِ القافية.
---
وفي نهاية ذلك اليوم، كتبت له على ظهر صفحةٍ بيضاء:
> "إن عدتُ واختفيت،
لا تكتبني وداعًا…
بل اكتُب:
ما زالت القصيدة جارية."
ثم خرجت.
هاشم لم يكتب شيئًا.
لكن دفتره ظل مفتوحًا… كأن الصفحة التالية تنتظرها.