نبض القصيد - حين تقرأ الحياة بصوتين - بقلم قيس شعبان | روايتك

اسم الرواية: نبض القصيد
المؤلف / الكاتب: قيس شعبان
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: حين تقرأ الحياة بصوتين

حين تقرأ الحياة بصوتين

كانت الأيام تمر، لكنها لم تكن متشابهة. منذ عادت تلك الفتاة إلى المكتبة وتركت قصيدتها، صار لكل يوم طعمٌ مختلف، ورائحة مختلفة، بل وحتى صوت مختلف. لم تعد الأوراق في نظر هاشم مجرد ورق، بل أصبحت مرايا، والكتب لم تعد مراجع، بل رسائل مبطّنة، وأما المكتبة... فقد صارت مكانًا للبوح. في كل أسبوع، كانت تأتي مرّة أو اثنتين، لا في موعد محدد، ولا في وقت منتظم، لكنها حين تأتي، يكون حضورها مثل القصيدة التي تُقرأ بصوتٍ داخلي وتترك رجفةً في الروح. --- في أحد الأيام، دخلت وهي تمسك بكتاب لم يكن من النوع الذي تهتم به. كان عنوانه "أساسيات علم النفس الاجتماعي". اقتربت من هاشم وقالت بابتسامة: – أردت اليوم أن أقرأ عن الآخرين… لا عن نفسي. نظر إليها بعمق، ثم سألها: – وهل سئمتِ من ذاتكِ؟ ردّت بهدوء: – أحيانًا، يتعب الإنسان من نفسه. حتى القصائد التي أكتبها صارت تشبه بعضها… كأنها لم تعد تندهش. نظر إلى مفكرته، وكتب: > "إذا تعبتِ من ذاتك، اتركيها بين السطور، وسآتي كل ليلةٍ لأعيد تشكيلها بحبرٍ آخر." قرأته دون أن تقرأه. كانت تعرف أنها المقصودة، وكانت تعرف أنه يكتب لها. في تلك الليلة، قررت أن تبقى أطول من المعتاد. جلسا سويًا في الزاوية الخلفية، يتصفّحان كتابًا عن الشعر المهجري. كانت تتلو أبياتًا من إيليا أبو ماضي، ثم تتوقف لتتأمل الفراغ بين الكلمات. – هل تظن يا هاشم أن القصائد تحملنا أحيانًا من دون أن ندري؟ كأنها تكتبنا ونحن نعتقد أننا نكتبها؟ – نعم، القصيدة هي الكف التي تُمسك بك عندما لا تجد كتفًا. سألته بعد لحظة صمت: – لماذا لم تسألني عن اسمي حتى الآن؟ أجاب بعد أن ابتسم قليلًا: – لأن الشعر لا يحتاج أسماء… يحتاج نَفَسًا، وها أنا أتنفسكِ مع كل بيت. ضحكت، ثم قالت: – لكنك في النهاية ستحتاج أن تعرف من أنا. ردّ وهو يكتب: > "هي ليست مجهولة، بل مكتملة تمامًا كما الحرف حين يقع في مكانه الصحيح." --- في اليوم التالي، حين جاء هاشم إلى المكتبة، وجد على الطاولة دفترها الصغير. ظنّت أنه سيقرأه فورًا… لكنه لم يفعل. جلس ينظر إليه طويلاً. ثم كتب في مفكرته: > "الدفاتر مثل القلوب… إذا فُتحت قبل وقتها، أحرقتك." بعد ساعتين، دخلت. ملامحها مختلفة. كانت تضع وشاحًا أزرق، وخاتمًا صغيرًا على يدها اليمنى لم يره من قبل. قالت: – تركته هنا لأني أردت أن أعرف: هل تقرأني حين لا أكون، كما تفعل حين أكون؟ – لم أفتحه. نظرت إليه طويلاً، ثم قالت: – لماذا؟ – لأنني لم أشتق لكِ بعد… والقراءة شوق. جلست بجانبه، ثم فتحت الدفتر بنفسها. ناولته إياه، وقالت: – اقرأه الآن، وأنا أراك. فتح الصفحة الأولى… فكانت أول جملة: "هذا الدفتر ليس عني، بل عنك… كما أراك في ظلي." ثم الصفحة الثانية، وفيها قصيدة طويلة، كتبت فيها: > "أراكَ حين تجلس صامتًا، كأنك تستمع إلى العالم وهو يُعيد تشكيل نفسه. أراك حين تكتب، فأخاف أن تكون تكتب آخر فصلي منك." كان قلبه يخفق بقوة. شعر فجأة أن الكلام لا يسعفه. لكنه كتب: > "كيف تكونين أنتِ وتعرفينني إلى هذا الحد؟ من الذي دلّكِ على قلبي وأنا لم أفتح لكِ الباب؟" سألها بصوت منخفض: – من أين تعرفين كيف أبدو من الداخل؟ قالت بهدوء: – الشعر يعرفنا قبل أن نعرف أنفسنا… وأنا أقرأك كقصيدة، لا كوجه. --- بدأت العلاقة تأخذ منحى غير مرئي. لم يتحدثا عن الحب. لم يلمسا أيدي بعضهما. لم يخططا لشيء. لكن القصائد كانت ترتّب العلاقة نيابة عنهما. في كل زيارة، كان هناك بيت جديد. رسالة مبطّنة. لحظة صمت تصبح بيتًا شعريًا. لحظة صدق تتحوّل إلى نثر. في أحد الأيام، وبينما كانت السماء تمطر، جاءت متأخرة جدًا. كانت مبللة. لم تحمل كتابًا. لم تقل مرحبًا. دخلت وقالت: – هل تظن أن القصائد تعرف كيف تجفف الدموع؟ أجابها: – لا، لكنها تعلّمنا كيف نبكي دون أن ننكسر. جلست على الأرض، وأسندت ظهرها إلى الرفّ. قال لها: – تعالي، اجلسي هنا. – لا. أريد أن أكون قريبة من الأرض اليوم. فهم دون أن يسأل. أخذ دفتره، وكتب: > "هي لا تبكي، بل تكتب الدموع في هيئة صمت وتسند ظهرها إلى الرفوف كأنها خائفة من أن تنهار." قالت له بعد لحظة: – اليوم قررت أن أعطيك اسمي… لكن لا تكتبه في مفكرتك. – لماذا؟ – لأنك إذا كتبته، سيتحوّل إلى اسم فقط… وأنا لا أريد أن أكون اسمًا، أريد أن أظلّ إحساسًا. ابتسم، وقال: – إذًا لا تخبريني به… ودعينا نكتب فصلًا جديدًا بلا أسماء. > "لا أعرف اسمك، لكنني أعرف متى تفتحين باب المكتبة ومتى تغلقين عينيكِ حين تقولين: الشعرُ موجةٌ تُغرق من لا يعرف السباحة." --- في نهاية الفصل، كتب هاشم في مفكرته: > "أحيانًا لا نحتاج إلى الحب، بل إلى من يفهم أننا نكتب لا لنعبّر… بل لنعيش." وترك الورقة مفتوحة على الطاولة، كما تفعل هي دائمًا.