حطام - نذر الضل - بقلم من المجهول | روايتك

اسم الرواية: حطام
المؤلف / الكاتب: من المجهول
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: نذر الضل

نذر الضل

كنت وحدي في الطابق الثالث عشر. المكان نادر الاستخدام، مكتب أرشيف قديم تحول لمخزن مهجور. المصابيح تهتزّ، وبعضها لا يعمل، وهدير المكيّف القديم يعزف مقطوعة مزعجة لا تتوقف. السابعة والنصف مساءً. جميع الموظفين غادروا منذ ساعة، إلا القليل من المناوبين في الأدوار العلوية . وانا طبعا ، احمل في جيبي بطاقة معدنية سوداء، أعطتني إيّاها متيلدا دون قول الكثير على غير عادتها ، قالت فقط انها ستمكنني من فتح قفل الباب دون الحاجة لفك شيفرته واثارة انتباه غير مرغوب فيه كنت أبحث عن شيء محدد... شيء لم يكن في سجل الشركة الرقمي... بل ورقيًا فقط، ومؤرشف في ملفات مخفية . "ملف الموظفة A-7 " ليزا البرت " اعلم ان اغلب تقاريره ستكون ناقصة او مفبركة ، لكن ما يهمني الان هو اي معلومة عن ما رصدته كميرات المراقبة ، كل ما اريد معرفته هو سبب اختفاء بعض المقاطع من كاميرات السطح والمصعد في نسخة الشركة العامة. حديدي صدئ في آخر الممر، قفل إلكتروني. مررت البطاقة... وسمعت الطنين المنخفض. فتحت. غرفة صغيرة، مضاءة بمصباحين متدلّيين، أحدهما يومض بشكل مريب. رفوف فولاذية تئن تحت وطأة مئات الملفات المتناثرة. رائحة العفن، الورق المحترق، والتخلي. أغلقت الباب خلفي بهدوء. مشيت نحو الخزانة المؤرخة بيوم الحادث: 18 أبريل. يدي رعشت قليلًا وأنا أسحب الملف المُوسوم "كاميرات المصعد / السطح – L. Marshall". فتحته. أول صفحة كانت عادية، توقيتات، أسماء كاميرات، بيانات الرؤية. لكن الصفحة الثانية... هناك مذكرة بخط اليد، مرفقة بتقرير داخلي: "استجواب الشاهدين: ــــ الموظف [D.K] أفاد بأنه رأى شخصين على السطح قبل لحظة من سقوط الضحية، أحدهما ليس ليزا، من زاويته في مبنى الصيانة. ــــ الموظف الآخر [M.G] أصرّ أن لا أحد كان هناك إلا ليزا، وأنها بدت متوترة قبل ان تلقي بجسدها . — تباين الشهادتين غير مبرر. أُغلق التحقيق الأولي لعدم كفاية الأدلة." أحسست بشيء يخترق جلدي. اغلق التحقيق ؟! ، احد الشاهدين يقول انه رأى شخصين على السطح و لم يستدعى مجددا على الاقل ! لمذا طمر ذلك ؟ بل... كيف سُجِّل تقريرٌ كهذا ولم يُرفق في النظام؟ ......... لحظة، هل كان هناك صوت؟ همسة... لا، كان ذلك احتكاك قماش بجلد .... أحدهم خلفي. استدرت فجأة. نظرت بسرعة للمرآة الصغيرة في الزاوية — وظل ظهر فجأة خلف أحد الأرفف. كان هناك شخصٌ معي في الغرفة. صوت الخطوة التالية كان بطيئًا، متأنّيًا، كما لو أن الهواء نفسه لا يملك الشجاعة ليهتز معه. سحبت الملف، ووضعته بسرعة تحت معطفي. "من هنا؟!" صوتي خرج أعلى مما أردت، مشوبًا بغضبٍ دفاعي. لا رد. تقدّمت خطوة، جسدي متوتر، كل عضلة مستعدة للفرار أو القتال. ثم خرج من خلف الظل. لم أستطع أن أراه بوضوح. اللعنة الإضاءة سيئة جدا ، بالكاد أراه ، الظل الملتف حوله، شعر طويل أم قبعة؟ لا أعلم. كان يلبس شيئًا داكنًا، خطواته ناعمة، لكنه لم يكن مألوفًا. "لما تبحثين في أماكن ليست لكِ.؟ " صوته أجوف، كأن أحدهم يتحدث من قاع بئر. كان يملك ملفًا تحت ذراعه — ملف بلا اسم. "من أنت؟" سألته بصوت حاد، اتراجع ببطء و يدي تحاول الوصول لهاتفي دون أن أبدو متوترة. لم يُجب. اقترب خطوة أخرى. اتضحت ملامحه قليلا ، لم تكن غريبة... رأيته في صورة قديمة في أحد تقارير الموارد البشرية. رونان بليك... موظف سابق في قسم البيانات الأمنية، اختفى فجأة قبل حادثة ليزا بشهر. "أنت...؟" بدأت، لكنّه قاطعني. "لا تتدخلي فيما لا يعنيك، نارمين." صوتي تصدّع: "كنتَ تعرف ليزا." "أخرجي من هنا، واعتبري أنك لم تريني. هذا ليس شأناً يخصك " " لست انت من يحدد ما يخصني يا هذا " اقترب أكثر... حدّ الرف. "قلت اخرجي!" زمجر. دفعته وصرخت " اغلق فمك ايها اللعين ! ، رفعك لصوتك لن يخفيني ابدا ، اما ان تقول من انت وتتعاون واما اهجم بلا ثرثرة " ضحك بصوت خافت ثم قال : "لا يُهم من أكون. بل الأهم... ما الذي ستفعلينه بتلك الاوراق ؟" يدي أمسكت الملف بقوة. "وهل يهمّك هذا؟ أم... أنك أنت من كان معها على السطح؟" حدث بعدها كل شيء بسرعة. قفز عليّ، أمسك كتفي بقوة كافية لأسقط الملف الذي كنت احمله ، ركلته في قدمه، لكنه ثبتني بذراعه الأخرى. ضربني بجسده نحو أحد الرفوف ، الكتب والملفات تساقطت ، اسندت جسدي بعد ان اداره الى الرف وركزت قوتي على قدمي واندفعت قفزا الى الوراء ، ارتطم ظهره بالرف الخلفي ، سقط ارضا ،استدرت وغرست اظافري في رقبته او في شيء شبيه بها ... لا اذكر . لكنه افلت ملفه اخيرا ، سحبت ورقة بسرعة وانا اخنقه ، انطفأت الاضاءة لثوان تمكن فيها من دفعي والفرار ، ثم عادت لما هي عليه خافتة مزعجة ... اللعنة . كأنه لم يكن هنا أصلًا. لا صوت، لا أثر، لا ملف. فقط... الورقة الوحيدة التي لا تزال بين يدي. نظرت إليها، كانت منزوعة من تقرير مفصّل بخط يدوي مرتب. تاريخ قديم نسبيًا، يعود لثلاثة أيام قبل وفاة ليزا. "تم اكتشاف نسخٍ غير مُرخصة من ملفات المشروع الرئيسي مخزنة في قرص خارجي، محمي بكود مشفّر. تم التبليغ بذلك فورًا. توقيع المُبلِّغة: l.a" هل كانت ليزا تبلغ عن جرائم الشركة ؟! لكن ...لمن؟ واصلت القراءة "الشهادة المُسجلة: الموظف D.K أصرّ أن اثنين كانا على السطح، أحدهما لم تكن ليزا. المراجع الأمنية أُمرت بإزالة السجل من النظام وإتلاف النسخ الورقية، لأسباب "تخص أمن المنشأة". الشاهد الآن في إجازة قسرية... غير متاح للاستجواب. — توقيع إداري: M.A.C — التاريخ: 17 أبريل." اتسعت عيناي ، تراجعت خطوتين، أنفاسي متسارعة. حسنا اهدئي ، ما اتضح بعد كل ما حدث ان ليزا كانت تبلغ اسرار الشركة السوداء لجهة غير معروفة لذا تم التخطيط لقتلها و حتى تقارير التحقيق جهزت مسبقا من قبل الشركة . لذا فالشركة من يحذف الأدلة... ويُخفي الشهود. ومن كان معها على السطح هو من قتلها . اللعنة على هذا . من كان يتوقع ان شركة برمجة العاب تمارس جرائم قتل في حق موضفيها . المشكلة هي ان الشركة مليئة بالموضفين والفرز بين المجرمين و ضحيا المستقبل مهمة اشبه بمستحيلة ، وما زاد الامر خطورة هو ان تحركاتنا بدأت تثير الانتباه ، ليس من المستبعد ان يتم التخطيط لقتلي او لقتل متيلدا . على فك هذه العقد قبل ان تخنقني ....علي معرفة من قتل ليزا. تنهّدت، نظرت حولي مرة أخيرة، ثم دسست الورقة في جيبي وخرجت بصمت، كأنّني خرجت من سرداب إلى عالم لم أعد أعرفه بعد الآن.