اثر لا يمحى
كنا هناك.
أمام الباب الحديدي الذي يقود إلى السطح...
مغلق، كما هو متوقّع، بكود أمان لا يُفتح إلا من خلال بصمة مشرف القسم أو بطاقة المدير.
عبثت متيلدا بقفل الباب الإلكتروني بخفة ساحرة كأنها تعزف على بيانو قديم، وهمست:
"خمس ثوانٍ، أو أقل."
"هل تفعلين هذا كثيرًا؟" سألتها، أراقب محاولاتها وهي تتنفس بثقة.
"تعنيـن التسلل؟ ليس كثيرًا، فقط حين أشعر أن ملفًا ما يستهزئ بي."
انفتح الباب أخيرًا، صرخ صوت مفصله المعدني في صمت المكان ، الهواء هنا خانق ، لا لقلة الاكسجين بل لأنه لم يوجد ليتنفسه اي احد ، ليس من المفترض ان يتواجد اي شخص في هذا المكان ، ولكننا فعلنا...وعلى الساعة الثالثة فجرا
دخلنا إلى السطح، كانت السماء ملبّدة، وأضواء المدينة البعيدة تلمع من تحتنا، كأننا نطلّ على عالم آخر... عالم نظيف وخادع
"هل أنتِ متأكدة من أن الكاميرات مُعطّلة؟" همستُ متيلدا، وهي ترفع ياقة معطفها
أجبت وانا اراجع شاشة هاتفي المرتبط بجهاز تشويش صغير:
"لمدة 8 دقائق فقط. بعدها، كلّ شيء يعود كما كان. لذا تحركي "
تقدمنا بسرعة نحو حافة السطح الشمالية
"سقطت من هنا؟" سألت، وأنا أحدّق في الحافة المعدنية الباردة.
"نعم... على ما يبدو."
"لكن السور مرتفع. لا يمكن أن تسقط بالخطأ. ولا بالقفز، إلا ان كانت قد تسلقته ، لكن ... اليس من الصعب ان تفعل ذلك بمفردها ؟"
" اجل لكن هذا ما ورد في تقرير الشرطة. سقطت من هذه النقطة."
" والسبب ؟ "
"لا شيء... انتحار ، أو خطوة خاطئة. كلاسيكي."
صمتنا لحظة... قبل أن يقطع الصمت بصوت خطوات خفيفة.
التفتّ بسرعة.
تأهّبت، قبل أن يظهر رجل يحمل حقيبة معدنية صغيرة ، بيده جهاز غريب الشكل، أشبه بلوح صغير موصول بمصفوفة حساسات.
كان بملامح باردة، شعره اجعد، طويل، نحيل، نظارته مستديرة وسميكة كأنها من طراز عتيق.
"أنتما تأخرتما،" قال وهو يقترب دون تردد.
رمقته بحذر للحظة
" إليوت دليكسر "، عرفته متيلدا وي تشير اليه ، " فني سابق في قسم الأنظمة الهندسية .. ومتعاون حاليًا مع جهة غير رسمية. لكنه يدين لي ببعض الجميل ."
" لما لم تخبريني انك ستستدعين احدا ؟ "
" لست وحدك صاحبة المفاجآت ، هيا. سيساعدنا "
ابتسم بهدوء، فتح حقيبته، وأخرج جهازًا صغيرًا بحجم قبضة اليد.
" مالذي تحاول فعله ؟ " سألته
" هذا كاشف بصمات حرارية مؤقتة. يمكنه التقاط آخر نقاط تماس بشرية على المعدن... إن لم يمرّ أكثر من 72 ساعة." قالها وهو يشير للجهاز ، وانحنى ليضعه على الارض
صمتنا جميعًا، ننتظر النتيجة. مرّر الجهاز على السور. لا شيء.
ثم على نقطة محددة فوق أنبوب التهوية... أصدر الجهاز نغمة حادّة.
نظرت إلى موضع البصمة... كان مرتفعًا جدًا. من غير الممكن أن تصل إليه ليزا دون أن تتسلّق شيئًا.
"شخصٌ طويل، أو شخصٌ رفعها. وفي الحالتين... لم تكن وحدها." قال إليوت.
كان صوته خاليًا من الانفعال، كأنه يقرأ تقرير طقس.
واصل التمرير بعدها ، تمكن من التقاط بصمات حرارية متأخرة ، او بالاحرى آثارا تبخرت تقريبا ، لكنها لم تختف تماما ، بدأ الجهاز يُصدر طنينًا خافتًا، تزامن مع ظهور ضوء خافت على شاشته الصغيرة.
" هذا غريب " ،" قال. "بصمة قدم ليست للضحية... أكبر حجمًا، واتجاهها... نحو الحافة، لا منها."
اقتربت متيلدا منه، نظرت للشاشة ثم همست:
"ما يعني أن أحدهم كان هنا... ووقف خلفها."
هززت رأسي، يداي بدأت بالتعرّق رغم البرد.
"هل يمكن أن تكون آثار شرطي أو أحد المسعفين؟" قالت متيلدا
"لا،" رددت . "الشريط الأمني كان لا يزال مغلقًا وقت فحصي. هذه الآثار غير موجودة في سجلات الحركة الرسمية."
تابعنا الجولة حول محيط السطح، وعند أحد الزوايا – قرب فتحة تهوية ضخمة – أشار إليوت نحو علامة شبه غير مرئية على الجدار المنخفض:
"انظري هنا... خدش صغير، جديد نسبيًا، بزاوية اصطدام. يمكن أن يكون أثر مقاومة."
وضعت يدي على الخدش، ملمسه خشن قليلاً.
سألت بهدوء مستغربة "وكأنها... حاولت التمسك؟"
رد إليوت بصوت منخفض:
"أو دفعها أحدهم فجأة، وهي لم تسقط مباشرة... بل اصطدمت هنا قبل الانحدار."
نظرت لمتيلدا... لم تكن تبتسم هذه المرة، بل تنظر إليّ بنفس النظرة التي رأيتها عندما صارحتها بشكوكي عن قضية هذه الجريمة ، ربما لأننا وجدا ما يؤكد هذه الشكوك