الفصل الخامس عشر: طريق الهروب
لم يكن في نبرة هادي ما يشبه الندم. بل كانت كلماته تتقاطر سمًّا، وكأن صوته مدجّج بالشماتة، بالسخرية، وبالانتصار المزيّف.
هادي (من الهاتف):
"أتعلم ما يؤلم أكثر؟ أن تكون ذكيًّا، صاحب شركة، رجلًا لا يُهزم، ثم تقع... هكذا بسهولة."
ياسين (بغضب مكبوت):
"أين نور؟"
هادي (بضحكة قصيرة):
"لم يحن وقت السؤال عنها... بل عن نفسك. أنت الخاسر هنا يا ياسين. أنا أعرفها منذ الطفولة، تعرف كم كانت تحب البساطة؟ الشوارع، الضحك، الحي… بينما أنت؟ رجل بارد، رسمي، لا تفهم قلبها."
ياسين (يصرخ):
"أين هي؟!!"
لكن الخط أُغلق. ومرة أخرى، تُسحب الأرض من تحت قدميه.
ضغط على شاشة هاتفه، بحث في كل جهة، اتصل بكل من يعرفها. لا أحد يجيب.
كان يشعر بنيران تتأجج في صدره، بين خيانة وغيرة وخوف.
"لن أسمح له… لن أسمح له أن يسرقها مني كما سرق الأمان من قلبها."
قاد سيارته بأقصى سرعة إلى عنوان منزل عائلتها القديم. وصل متعرقًا، يتنفس كمن خاض معركة. طرق الباب، فتح له رجل عجوز.
العجوز (يحدّق فيه):
"أنت تبحث عن نور؟"
ياسين (بتوتر):
"نعم… أين هي؟"
العجوز (بهدوء):
"ذهبت منذ نصف ساعة. كانت تبكي. قالت إنها ستختفي لبعض الوقت."
"لاااااااااا…"
صرخة تمزّقت بداخله، لم تخرج من فمه، لكنها طعنت صدره، تمامًا كما تفعل الخيانة.
كانت نور تسير بخطى متعثّرة في شارع طويل بلا نهاية. حقيبة صغيرة على ظهرها، قلب ثقيل، دموع تنزل بلا استئذان. هاتفها في جيبها، مغلق. لم تعد تطيق سماع صوت أحد.
"كل ما حاولت أن أشرح، أن أكون صادقة، صدمت بجدار لا يفهمني… هل أكون أنا المخطئة؟ هل كان يجب أن أكذب مثلهم؟"
دخلت إلى محطة القطار. اشترت تذكرة لأي مكان بعيد… لا تعرف حتى الوجهة.
جلست على أحد المقاعد، وأغمضت عينيها. لكنها كانت ترى وجهه… ياسين. صمته. جرحه. نظراته المشكّكة.
"سامحني… كان يجب أن أشرح لك كل شيء، لكنني خفت… خفت أن تفهمني خطأ."
**
قبل ساعات من هذا الهروب، تلقت نور رسالة على هاتفها من رقم مجهول:
> "إذا لم تبتعدي عن ياسين، سأدمّر حياته. هذه الصورة قد نُشرت بالفعل على صفحات عملائه. الصورة التي جعلته يشك بكِ… من نشرها؟ أنا."
تحت الرسالة، رابط لمنشور على أحد المواقع التي تهتم بعالم الأعمال. الصورة هناك. التعليقات تنهال. البعض يشكك في أخلاق نور، البعض يسخر من ياسين كرجل أعمال يُخدع من "موظفة بسيطة".
الصدمة شلّت عقلها. تراجعت في غرفتها، جلست على الأرض، لا تعرف هل تبكي أم تصرخ.
"لن أكون السبب في دمار مستقبله. حتى لو أحببته… لا يهم. ما يهم أن أنقذه منّي."
لم تكن تدري أن ياسين بدأ يجمع خيوط اللعبة.
وصل إلى صديقه كريم، طلب تتبّع الرقم. وبعد ساعات، عرف المفاجأة.
الرقم… باسم مزيف. لكنه مرتبط بعنوان بريد إلكتروني قديم يعود إلى… ليلى.
كانت الخيانة أوسع مما تخيّل.
ليلى وهادي… معًا. تعاون بين غيرة امرأة ومرض رجل. وكلاهما قرّرا أن يدمّرا النور الذي جمع بين قلبين.
**
في مكان آخر، على رصيف القطار، جلست نور تنتظر المغادرة. تسمع نداء الرحلة الأخيرة. وبين يديها، كتبت رسالة إلى ياسين:
> "سامحني… قراري قد يؤلمك الآن، لكنه سيحميك. لا أريد أن أكون نقطة ضعفك. أحببتك، وسأظل… لكن الحب وحده لا يكفي في عالم مليء بالكذب."
وقبل أن تصعد إلى القطار، سمعت صوتًا يتصاعد بين الزحام:
ياسين (يصرخ):
"نورررررر!!!"
استدارت ببطء… عيناها لم تصدّقا.
جاء راكضًا، يتعثر بين الناس، يحمل هاتفه بيده، وعلى الشاشة… وجهها، وصورتها، وكل شيء.
**
حين اقترب منها، لم يكن بينهما سوى صمت، ودموع، وعينان تتحدثان بلغة يعرفها العاشقون فقط.
نور (بهمس):
"كيف عرفت مكاني؟"
ياسين (يلهث):
"أحبكِ. وهذا كافٍ لكي أعرف أين أنتِ… حتى لو تهتِ في العالم."
عانقها بشدة. كأن العالم ضاق ولم يتبقَّ فيه سواها.
**
لكن لحظات قليلة فقط مرت، حتى رن هاتفه مجددًا.
رسالة جديدة.
من ليلى.
> "ظننتَ أنك فزت؟ اللعبة بدأت الآن. انتظر مفاجأتي القادمة."
رفع رأسه، يلتفت حوله… ونظرته تحولت من حب إلى حذر.
"لن أسمح لهم بأن يفرقونا… لكن هذه الحرب، لم تنتهِ بعد."