الفصل الثاني عشر: الوجه الآخر
لم تنم نور تلك الليلة. بقيت جالسة قرب النافذة، تضم ركبتيها إلى صدرها، تحدق في ضوء القمر الذي تسلل إلى غرفتها بخجل، كما لو كان يخجل من أن يضيء قلبًا مثقلًا بالخوف والندم.
رسالة التهديد التي وصلتها لم تكن مجرد كلمات، بل كانت كالصفعة التي أيقظتها على وجه سامر الحقيقي.
كانت تعرف أنه غامض، بارع في التمثيل، لكن لم يخطر ببالها يومًا أن يكون خلف قناعه اللطيف وجه مخيف، مخادع، ومريض بالهوس.
في الصباح، بينما كانت تحاول استجماع قواها للنزول إلى العمل، وصلتها رسالة صوتية من رقم مخفي. ضغطت على زر التشغيل، وإذا بصوت سامر يهمس بهدوء مرعب:
> "أتعلمين، يا نور؟ أنا لا أحب أن أخسر. خصوصًا حين أتعلق... وعندما يبدأ شخص ما في التطفل على ما أعتبره ملكي، فإن الأمور... قد تصبح قبيحة."
شهقت نور، وأسقطت الهاتف من يدها.
حاولت أن تتماسك، لكنها كانت ترتجف بالكامل. أخرجت هاتفها واتصلت بـياسين فورًا.
نور (بصوت مرتعش):
"ياسين، أحتاج أن أراك فورًا. الأمر خطير."
في مقر الشركة، أغلق ياسين مكتبه ليتحدث معها دون أن يسمعه أحد. نظراته كانت مليئة بالتوتر والقلق، وعيناه لا تترك وجهها.
ياسين (بصوت متزن لكنه صارم):
"ماذا حدث؟ ما الذي قاله لك؟"
نور (تمد له الهاتف وتشغل الرسالة):
"استمع بنفسك..."
أصغى ياسين للصوت. خلال ثوانٍ، تغيّرت ملامحه بالكامل. قبض على يده بشدة، وراح يضغط على الطاولة حتى كاد يكسرها.
ياسين (بعينين تشتعلان نارًا):
"لقد انتهى هذا المعتوه. سأجعله يندم على كل حرف نطق به."
نور (تضع يدها على يده):
"لا تفعل شيئًا متهورًا... هذا ما يريده. أن تستفزه، أن تهاجمه، ليراك بعين القانون مجرمًا."
جلس ياسين للحظة صامتًا، ثم قال بهدوء مرّ:
"سأحارب بأسلوبي، لكنني لن أسمح له بتهديدك أو إيذائك. انتهى زمن الصمت."
في المساء، أرسل سامر رسالة جديدة، أكثر تهديدًا، مرفقة بصورة قديمة لنور وهي تدخل بيت ياسين قبل أسابيع، وكتب:
> "هل تعتقدين أن علاقتك بي ستنتهي بقرارك؟ لديّ ما يكفي لتدميرك أمام الجميع. إن عدتِ إليه، سأحرص أن ينهار كل شيء في حياتك، وسأجعله يشك بك من جديد. اختاري: أنتِ لي... أو لا تكوني."
دمعت عينا نور، وارتجف صوتها وهي تعيد قراءة الكلمات.
اتصل بها سامر مباشرة بعدها. رفعت الهاتف، لكنها لم تتكلم.
سامر (بهدوء مقيت):
"هل وصلتك الرسالة؟ هل فهمتِ ما أعنيه؟ لا تختبئي خلف ياسين... هو لا يعرف عنك كل شيء، أليس كذلك؟"
نور (بصوت غاضب):
"ماذا تريد؟"
سامر:
"أريدكِ لي، كما كنتِ، لا أقل. وإن فكرتِ مرة أخرى في الابتعاد... سأرسل تلك الصور لوسائل الإعلام، لرئيس عملك، وحتى إلى عائلة ياسين، رغم أنهم في القبر."
نور (تصرخ):
"أنت مريض!!"
سامر (بضحكة باردة):
"قد أكون... لكني مريض بكِ."
أغلقت الخط وهي تكاد تنهار. جلست أرضًا، تحتضن نفسها، وبدأت تبكي بحرقة.
في تلك الليلة، جاء ياسين إليها على عجل. لم تتحمل أن تراه، وهرعت إلى حضنه دون تفكير، كأنها تهرب من عالم بأكمله لتجد نفسها في صدره.
نور (بدموع متدفقة):
"أنا خائفة يا ياسين... خائفة جدًا."
ياسين (يهمس في أذنها):
"لن يمسكِ سوء وأنا حي. أقسم أنني سأحميك."
في اليوم التالي، بدأ ياسين بجمع الأدلة. استعان بمحامٍ صديق له، وطلب منه تتبع نشاط سامر، وسرعان ما تكشّف له وجه آخر أكثر ظلمة.
سامر ليس مجرد رجل مهووس، بل لديه تاريخ في ابتزاز النساء، وتسجيل مكالمات، والتلاعب بالحقائق. كانت تلك المعلومة كالسيف، لكن استعماله يتطلب ذكاءً وصبرًا.
في المقر القديم للشركة، جاء سامر لمقابلة نور، ووجد ياسين بانتظاره.
سامر (بابتسامة ساخرة):
"ماذا تفعل هنا؟ تراقبها؟ تحرسها؟"
ياسين (ينظر له بثبات):
"أنا هنا لأضع لك نهاية."
سامر (يضحك بسخرية):
"أنت غيور مسكين... تعلم أن نور كانت هنا معي، تشكو لك. الآن هي لي."
ياسين (يقترب منه):
"بل أنت من ستشكو للشرطة قريبًا. لدينا كل ما يكفي لفضحك."
سامر (تتغير ملامحه):
"ماذا... تقصد؟"
ياسين (يرفع هاتفه ويسجل):
"كل شيء موثق. ابتزاز، تهديدات، رسائل، صور. وأقترح أن تختفي بهدوء... قبل أن أقدم كل شيء للنيابة."
تراجع سامر خطوة، يحاول أن يخفي ارتباكه.
لكن نظرة ياسين كانت قاتلة.
سامر (بصوت منخفض):
"ستندم."
ياسين:
"لا أندم على حماية من أحب."
خرج سامر غاضبًا، محطمًا، مهزومًا للمرة الأولى. لكنه لم يكن ليسكت بسهولة...