و انتصر الحب - الفصل الحادي عشر: شتات القلوب - بقلم امل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: و انتصر الحب
المؤلف / الكاتب: امل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الحادي عشر: شتات القلوب

الفصل الحادي عشر: شتات القلوب

مرت أيام ثقيلة على ياسين، وكأن الزمن قرر أن يعاقبه على كل لحظة سعادة ذاقها مع نور. كان يجلس وحده في مكتبه، يحدق في الأوراق أمامه دون أن يراها حقًا. لم يكن جسده في المكتب، بل روحه معلقة في مكان آخر… حيث تسكن نور. تحولت صورها في رأسه إلى أطياف تطارده، ضحكتها، همسها، وحتى شجاراتهما الحميمة، كل شيء صار كطعنة باردة في قلبه. وفي الجهة الأخرى من المدينة، كانت نور تسير ببطء في أحد الشوارع القديمة، تتفحص المحالّ دون تركيز. شعرها منسدل على كتفيها، ووجهها شاحب كأن الحياة غادرت قسماته. لم تكن تعلم إلى أين تمضي، لكنها فقط تمشي، هربًا من صوت عقلها وقلبها في آنٍ واحد. في حقيبتها، كانت الرسالة التي كتبها ياسين لها قبل انفصالهما الأخير، مطوية بعناية، لكنها أصبحت بالية من كثرة ما قرأتها. كانت تحفظها عن ظهر قلب، ومع ذلك، لا تتوقف عن قراءتها مرارًا. > "نور، لا أحد يجرؤ أن يملأ مكانك. لا أحد قادر أن يُنهي ما بدأناه. ولكنك اخترتِ أن تكوني ظلًّا في حياة آخر. وأنا... غرت. ضعفت. لكني أحبك، ولا أعرف كيف لا أفعل." وضعت نور يدها على قلبها، وشهقت بصوت منخفض، تذكّرت نظرته الأخيرة، عندما أخبرته أنها مع سامر. --- نور (تهمس لنفسها): "أنا لم أعد أطيق هذه التمثيلية، سامر طيب لكنه ليس أنت، يا ياسين... سامر لا يعرف أن ينظر إلى عينيّ ويقرأني كما تفعل... لا يعرف كيف يضحكني حين أكون على شفا البكاء." وفي المساء، كانت تجلس في شرفة منزلها الصغير، تنظر إلى السماء، حين دخل سامر دون أن يطرق الباب، كما اعتاد مؤخرًا. سامر (يضع علبة حلوى على الطاولة ويبتسم): "جلبت لكِ شيئًا تحبينه." نور (بصوت هادئ دون أن تنظر إليه): "شكرًا." سامر (يقترب أكثر): "أنتِ متعبة؟ هل تفكرين فيه مجددًا؟" أجابت بصراحة لم يكن يتوقعها: "نعم، أفكر فيه كل لحظة." سكت سامر، ارتسم الغضب في عينيه، لكنه تنفس ببطء وقال: "أتعلمين يا نور؟ حبك له يعذبني، لكنه لا يمنعني من البقاء بجانبك. لأنني أعلم أنه سيؤذيك مجددًا." رفعت نظرها إليه ببطء، ونظرت إلى وجهه، وكأنها تراه لأول مرة: "وأنت؟ لن تؤذيني؟ حتى وأنت تُخفي أشياءً كثيرة؟" ارتبك سامر. كانت كلمتها كالسهم المباغت. سامر (يتلعثم): "أنا؟ لا، أنا فقط أحبك، وأحاول أن أحميك." هزّت نور رأسها وابتسمت ابتسامة حزينة، ثم قالت: "لكن ياسين لم يكن يُخفي حبه، لم يكن يُخفي غيرته، لم يكن يُخفي حزنه... كل شيء فيه كان حقيقياً." --- في هذه الأثناء، كان ياسين يزور قبر والدته. جلس هناك طويلًا، تحدث إليها كما لو أنها ما زالت تصغي له. ياسين (ينظر إلى القبر): "أمي... هل كنتِ لتغفري لي ضعفي؟ هل كنتِ ستوبخينني لأنني تركتها تمضي؟ نور كانت النور فعلاً... لكنني خنقتها بغيرتي. وخذلت نفسي." أغمض عينيه، والدموع تبلل وجنتيه. مشاعره لم تعد تخضع لمنطق، ولا لتحكم. لم يعد يثق بنفسه، لكنه يعلم أن قلبه لا يريد إلا نور. --- وبينما كان الليل يتثاقل على المدينة، قررت نور أن تخرج. ارتدت وشاحها الأحمر الذي تحبه، ومشت في اتجاه بيت قديم، بيت كانت تلتقي فيه مع ياسين ذات مساء شتوي... كان بيت ذكريات، لكنه الآن صامت. وقفت أمام الباب، تتحسس مقبضه، وكأنها تلمس قلبها. فجأة، فُتح الباب من الداخل. لم تكن تتوقع أن يكون هناك أحد. إنه... ياسين. تجمّدت اللحظة. نظرات طويلة. صمت ثقيل. أنفاس متقطعة. ياسين (بصوت مرتعش): "لم أتوقع أن أراك هنا." نور (بهمس): "ولا أنا." ياسين: "لماذا جئتِ؟" نور (بصدق): "لأنني... تعبت. تعبت من التمثيل، من إنكار الشوق... من سامر... ومن نفسي." اقترب منها، وبقي ينظر إلى عينيها دون أن يلمسها. ياسين: "أنا أيضاً... لم أكن حيًّا بدونك." ثم سألها فجأة: "هل انتهى الأمر بينك وبين سامر؟" أطرقت برأسها وقالت: "لم يبدأ حقًا. كنت أحاول أن أخدع حزني، لا أكثر." --- وفي تلك اللحظة، وصلت رسالة إلى نور من رقم مجهول. فتحتها، وتبدلت ملامح وجهها تدريجياً. كان محتواها: > "نحن نعرف أين كنتِ الليلة الماضية يا نور. لا تلعبي بالنار، فسامر ليس كما تظنين." رفعت رأسها نحو ياسين، ويداها ترتجفان. نور: "ياسين... أعتقد أن الأمر لم ينتهِ بعد. سامر... يبتزني بشيء لا أعرفه بعد." اتسعت عينا ياسين، وتحول الحزن فيه إلى غضب وقلق. ياسين (بصوت خافت لكنه مرعب): "لن أتركه يقترب منكِ مرة أخرى... أقسم." وأُسدل الستار على لحظة من الصدق، محمّلة بالخوف، وببذور مواجهة جديدة، ستكون أشد ألمًا...