الفصل العاشر: الغيرة
في ذلك المساء البارد، كان الهواء يملأ رئتي ياسين بضيق غريب لم يستطع تفسيره. جلس في غرفته مُمسكًا بكوب قهوة بارد، عيناه تلاحقان صورة له مع نور على هاتفه، والدمعة تتجمع في زاوية عينه رغم محاولاته الكثيرة لكبتها.
كان قلبه يعاني من ألم مزمن، لم يكن ناتجًا عن الفراق فقط، بل من شعور مؤلم اسمه الغيرة، ذلك الوحش الذي أكل روحه ببطء كلما تذكر نور مع سامر.
جلس على الأريكة في غرفة الاستقبال الصغيرة بشقته، وأخذ يسترجع تفاصيل مكالماتهم الأخيرة.
ياسين (يفكر بصوت منخفض):
"كيف لها أن تضحك مع سامر كما كانت تفعل معي؟ كيف له أن يلمس يديها وأنا بعيد؟"
تمتم بينه وبين نفسه، ثم وقف فجأة متجهًا نحو النافذة الكبيرة، يطل على أضواء المدينة البعيدة، لكنه لم يرَ إلا ظلال الألم.
في الوقت ذاته، كانت نور في مطعم صغير بجوار مقر الشركة، تجلس إلى طاولة مع سامر. كان الحديث بينهما سلسًا، لكنها كانت تحمل في عينيها ما لا يُرى بالعين المجردة: حيرة وصراع داخلي.
نور (تتنهد ببطء، تكتم همسها):
"أحيانًا أشعر بالذنب، سامر، لأنني ما زلت أفكر في ياسين... لكنه لم يعد هنا."
سامر (يمسك يدها بحنان):
"لا تلومي نفسك يا نور. أنت تستحقين السعادة، ومن الطبيعي أن يكون قلبك مضطربًا."
في تلك اللحظة، تلقى ياسين رسالة قصيرة من أحد زملائه في العمل تخبره أن نور وسامر شاهدا معًا في مقهى قريب. كانت هذه الرسالة كالصاعقة التي أشعلت نار الغيرة في صدره.
لم يستطع مقاومة رغبته في المواجهة، فاتصل بنور وقال بصوتٍ خافت لكنه متوتر:
"هل يمكننا اللقاء؟"
عندما التقى الاثنان في المطعم الفاخر الذي كانا يتشاركان فيه ذكرياتهم، بدا الجو مشحونًا، والكلمات تتأرجح على شفا فم كل منهما.
جلس ياسين، ونظر إلى نور بنظرة ملؤها الأسى والغيرة.
ياسين (بصوت مُنهك):
"نور، هل صحيح ما سمعت؟ هل أنت مع سامر حقًا؟"
ابتسمت نور ابتسامة خفيفة لكنها كانت مليئة بالحزن.
نور:
"أنا لا أريد أن أخذلك، ياسين، لكن سامر كان سندي حين لم تكن موجودًا."
تقدم ياسين نحوها، يمسك بيدها، لكن في عينيه نار الغيرة لا تخمد.
-
ياسين (بلهجة مكسورة لكنه حازمة):
"أريد أن أفهم... هل تحبينه؟ هل هو سبب ابتعادك؟"
قامت نور، نظرت إلى عينيه، وصوتها يرتجف قليلاً:
"لم أحبه كما أحبك، لكنني تعبت من الوحدة والشكوك... كنت بحاجة إلى من يساندني."
تصاعدت المشاعر، وبدأت الأصوات تعلو.
ياسين (ينفجر):
"الوحدة؟ ألم يكن من الأفضل أن تخبريني؟ أن تواجهيني؟ لا أن تهربي!"
نور (بحزم):
"وأنت؟ هل واجهتني يوماً؟ أم كنت تهرب خلف جدران الصمت والشك؟"
ارتفع صوتهما في المطعم، حتى لفتا انتباه المارة.
مرت دقائق ثقيلة على كليهما، ثم توقفا فجأة، ينظر كل منهما للآخر وكأنهما يكتشفان عذابات مخفية.
نور (بدموع تلمع في عينيها):
"أنا أريدك يا ياسين... لكن هذه الغيرة تقتلني."
ياسين (بصوت رخيم مملوء بالألم):
"وأنا لا أستطيع أن أتحمل أن تكوني مع غيري."
سقط الصمت بينهما، لكنها لم تكن صمتاً مريحاً، بل صمتاً مشحونًا بالحيرة والألم.
نهض ياسين وقال:
"سأحاول أن أكون أقوى من هذا الشعور... لكنني بحاجة لأن تثبتي لي أنكِ معي حقًا."