الفصل الخامس عشر :
ركب ناجد العربية هو والسيد ديفير، وكانت عربية فاخرة، السواق سايق بسرعة منتظمة وناجد ساكت، عينيه على الطريق بس دماغه شغالة بألف اتجاه.
لما وصلوا لمكان التخزين، كان عبارة عن مبنى كبير من دورين، مبني بالطوب الأحمر، محاط بسور حديدي عالي، والكاميرات شغالة على مدار الساعة، واضح عليه إنه مؤمّن كويس جدًا.
أول ما نزلوا من العربية، كان أيوب واقف مستنيهم، وراه اتنين من الرجالة لابسين هدوم سكيورتي سودا، أول ما شافوا السيد ديفير نزلوا بسرعة ورحبوا بيه بحرارة
"أهلاً وسهلاً، شرفتنا يا فندم."
ديفير رد بابتسامة مهذبة وهو بيبص حواليه
"Very impressive place."
أيوب ابتسم وقال
"المكان هنا كله تحت إشراف مباشر من السيد ناجد، ودي حاجة من عنده شخصيًا."
دخلوا جوه المخزن، وابتدت جولة المعاينة.
السلع كانت متجمعة في صناديق خشب كبيرة، متقفلة بإحكام وعليها أختام خاصة، مكتوب عليها رموز بالألمانية والعربية.
الدنيا كانت ماشية تمام، وديفير بيبص على الصناديق وهو بيهز راسه باعجاب، قرب من واحدة منهم وفتحوها قدامه، وشاف أول دفعة من السلع ( اسلحة )، ومد إيده ولمس واحدة منهم.
ابتسم وهو بيقول
"Good… very good. I like your precision, Mr. Naged."
ناجد اكتفى بهزة من راسه وقال بالانجليزي
"أنا وعدتك باللي يرضيك… وأوفيت."
لكن اللحظة دي ما استمرتش كتير.
موبايل أيوب رن، شاف الرقم، اتجمد لثواني…
موظفة الاستقبال.
ردّ بصوت واطي وهو بيبعد خطوة
"أيوه، خير؟"
صوتها كان باين فيه التوتر
"أستاذ أيوب… فيه ناس من الشرطة ومسؤولين من هيئة الحسابات جم، بيسألوا على السيد ناجد بالاسم! بيقولوا إن في بلاغ ضده بتهم تتعلق بحسابات غير قانونية… مرتبطة بسلع غير قانونية كمان!"
أيوب اتجمد مكانه، عينه على ناجد اللي لاحظ التغيير وسأله بحركة حاجبه
(فيه إيه؟)
أيوب قفل المكالمة، وخد نفس عميق، قرب من ناجد وقاله بصوت واطي
"ممكن لحظة يا باشا؟"
ناجد استأذن من ديفير
"Excuse me, just a moment"
مشي مع أيوب شوية بعيد، والهدوء ظاهر على ملامحه، بس عنيه فيها نار.
أيوب قاله بهدوء وهو بيحاول يخبي رعبه
"الشرطة برا الشركة يا باشا… جوا يسألوا عنك، بيقولوا إن في حد قدم بلاغ عليك، إنك متورط في حسابات غير قانونية مرتبطة بالسلع اللي بنشحنها."
وجه ناجد اتجهم فجأة، لكنه ما فقدش أعصابه.
بص نحية الصناديق…
وبعدين نحية ديفير اللي لسه واقف بيبص على العمال وهما بيشحنوا، واضح عليه الرضا…
هو كمان مستني الصفقة دي من شهور، مش بس ناجد.
أيوب سأله بصوت خافت
"نكمّل شحن ولا نوقف؟"
سكت ناجد لحظة، عينه بتجري على كل تفصيلة حوالين المكان، دماغه بيحسب كل سيناريو ممكن.
لو كمّل، وطلع الكلام صح، هيتورط أكتر…
ولو وقف، ممكن يخسر الصفقة العمر اللي ممكن تفتح له أبواب شركات عالمية.
صوته طلع أخيرًا بهدوء مرعب
"استنى… خمس دقايق، وهرجع أقولك نعمل إيه."
ووقف مكانه، ساكت…
بس عقله شغال بسرعة رعب،
لإن لو هشام هو اللي ورا ده…
يبقى الحرب بدأت رسمي.
رجع بسرعة على الشركة، وكان عارف إنه ماينفعش يبان عليه التوتر، رغم إن الدم بيغلي في عروقه.
أول ما دخل المكتب الرئيسي، لقى اتنين من الشرطة قاعدين مستنين، وكان معاهم مسؤول من هيئة الحسابات، وأوراق كتير متفرّدة على الطاولة.
الضابط قام بمجرد ما دخل وقال له
"حضرتك الاستاذ ناجد المغراوي؟ محتاجين منك تتفضل معانا شوية، في بلاغ رسمي مقدم ضدك بتهم تخص التلاعب في الحسابات والسلع اللي عندكم."
ناجد بص لهم، وبعدين وقعت عينه على ورقة من الورق…
كانت صورة من دفتر حساباته السري، نفس الدفتر اللي عمره ما خرج من درج مكتبه المقفول.
في اللحظة دي، قلبه وقع…
"مين وصّل الدفتر ده؟! إزاي؟!"
بس ما قالش ولا كلمة، بس في دماغه كان فيه جملة واحدة
"فيه خاين… وسطينا خاين."
أخد نفس، وقرب من أيوب وهمس له بسرعة وهو بيبان عليه الثبات
"اسمعني… أجّل الصفقة، بأي طريقة. لازم أحمي نفسي… وأحمي السيد ديفير كمان. هو مش هيرضى بسهولة، بس قول له إنها ضرورة مؤقتة، وأنا هبلّغه أول ما الدنيا تهدى."
أيوب هز راسه، فاهم إن الموضوع كبير، أكبر مما كانوا متخيلين.
ناجد رجع بص للضابط وقال بهدوء
"تمام يا فندم… أنا مستعد أمشي معاكم، بس لو سمحتوا، لحظات أرتب أموري."
خرج معاهم، بخطوات ثابتة، في قمة شموخه وكأنه رايح لاجتماع مش لتحقيق.
هو ناجد… حتى لو اتحاصر ...كده
وبالفعل راح أيوب بسرعة على الفندق الفخم اللي كان حاجز فيه ناجد جناح خاص لـ السيد ديفير.
دخل ولقى ديفير قاعد في التراس يشرب قهوة، مسترخي كأن الصفقة خلصت خلاص.
أيوب وقف قدامه باحترام وقال
"مساء الخير يا فندم… عندي تعليمات من السيد ناجد بخصوص الصفقة."
ديفير رفع عينه، حاسس إن فيه حاجة غلط
"نعم?"
أيوب بكل هدوء قال
"السيد ناجد بلغني نأجل الصفقة مؤقتًا، ونأجل عملية التحويل لأسباب ضرورية… هو حاليًا مضطر يتعامل مع ظرف طارئ."
ديفير ضرب فنجان القهوة على الطاولة بشدة وقال
"قل لي أنه مش جاد! انا صدقته وجيت لحد هنا عشان السلع
ودلوقتي بقى بيتهرب! دي قلة مسؤولية !"
نظرة أيوب اتغيرت، عينه لمعت بالغضب، وكان على وشك يقوم يضربه حرفيًا، بس وقف مكانه…
اتنفس بصعوبة، وقال بصوت فيه برد
"حضرتك حر في رأيك، بس أحب أفكرك إن السيد ناجد عمره ما خيّب ظن حدا قبل كده… واللي بيحصل دلوقتي أكبر من الصفقة."
سكت لحظة، وبعدين كمل
"أنا شايف إننا نتعامل مع الوضع بعقل… ماينفعش نخسر كل حاجة في لحظة غضب. فلو سمحت إستنى شوية اول مالمشكلة تتحل كل السلع هتكون عندك"
_______
في الوقت نفسه
زين كان سايق عربيته، وربى قاعدة جنبه ساكتة، عينيها على الطريق بس دماغها مع ناجد…
من الصبح وهو متغير، مابيكلّمش، وبرود غريب.
هي بتهمس لنفسها
"هو مالو؟ ليه فجأة بقى كده؟"
في اللحظة دي، الموبايل بتاع زين رن، شاف الاسم… أيوب.
رد بسرعة وهو بيحاول يخفض صوته
"أيوه يا أيوب… "
أيوب قال له بسرعة
"اسمعني يازين كويس الشرطة أخدت الباشا… الموضوع طلع كبير، واحنا لازم نتصرف بهدوء… انت خلي بالك من المدام، ما تخليش حاجة توصلها دلوقتي."
زين وشه اتبدّل، وتوتر، بس حاول يهدّى صوته
"تمام… أنا معاها، هتصرف."
ربى لاحظت، اتحركت في مكانها وسألته
"فيه إيه؟ حصل حاجة؟"
زين قفل المكالمة وقال بسرعة
"لا، مفيش حاجة مهمة… كله تمام."
بس وشه قال العكس.
ربى بصّت له كويس، نظراتها اتغيّرت
"زين… أنا مرات ناجد المغراوي، مش مجرد ضيفة في العربية، قولي إيه اللي حصل!"
زين سكت ، نظرتها كانت مليانة اصرار ولما أصرت اكثر هو قال بتنهيدة
"الشرطة أخدت الباشا… بس لسه مافيش تفاصيل، ولسه مش فاهمين كل حاجة."
ربى شهقت بصدمة وبعدين بصّت له بعين مليانة قلق
"لف العربية… وودّيني عند قسم الشرطة حالاً!"
_______
سفير كان ماشي رايح جاي جوه الفيلا، ماسك موبايله بعصبية، ولما رن، شاف اسم هشام اللي مسجله باسم مستعار، فتح المكالمة بسرعة
"أيوه؟"
هشام ضحك بشماتة
"مبروك يا باشا… ناجد في القسم، والدنيا مقلوبة. الصفقة اتلغت، وديفير دلوقتي بيشك في كل حاجة. شوفت بقى؟ أنا عرفت أبعِده زي ما اتفقنا."
سفير اتجمد
"أنت بتقول إيه؟ إنت دخلت الشرطة في الموضوع؟ أنا ما اتفقتش على كده!"
هشام ضحك تاني
"ماهو لو مااتدخلتش الشرطة، كان هيفضل واقف زي الأسد! أنا عملت اللي المفروض تعمله لو كنت عايز تبقى مكانه فعلاً."
سفير توتر وقال بصوت واطي
"بس… ناجد أخويا في الآخر!"
هشام بصوت ساخر
" دلوقتي أخوك غير الشقيق بقى اخوك؟! هو قاعد دلوقتي قدام المحقق… فاهم يعني إيه؟ يعني فرصتك جات… ومش هتيجي تاني."
وكمل
" يعني هتستغلها كويس وتحاول تعوضه عشان تكسب الشركة وابوك لصفك ...اما انا فيبقى علي اكسب ديفير لصفي"
سفير كان متلخبط، بس في النهاية قال بصوت خافت
"…ماشي."
______
كانت العربية لسه بتقف قدّام قسم الشرطة، وزين لسه بيشد الفرامل، لما ربى فتحت الباب بعصبية ونزلت قبل حتى ما العربية تقف تمام.
و بصوت مخنوق وسألت
"هو جوّه؟ ناجد جوّه؟!"
عينها كانت بتجري على باب القسم كإنها مش مصدقة. قلبها بيدق بسرعة، وبتحاول تفتكر...
"هو ده حصل قبل كده؟ في حياتها الأولى؟ ولا ده جديد؟ و القدر تغير !"
نسيِت شنطتها، ونسيِت الكتب والمحاضرات، وسابت كل حاجة وراها.
وزين نزل وراها بسرعة.
زين في نفسه وهو بيمشي وراها
"أنا كده ما عملتش حاجة... بس أعمل إيه؟ دي مراته... مراته وسيدتي..."
في اللحظة دي، ناجد كان قاعد في غرفة الاستجواب.
هدوءه غير عادي... ظهره مفروض، ونظراته ثابتة، وكاريزمته لسه طاغية حتى وهو في الظروف دي.
الشرطي كان بيتكلم معاه باحترام واضح، هو مش أي حد، ده ناجد المغراوي، اسم تقيل في البلد.
بس في نفس الوقت، في بلاغ، وفي صور، ولازم التحقيق.
الشرطي بهدوء
"الصور دي وصلت لنا من مصدر مجهول... الدفتر فيه أرقام وأسعار، بس ما بتيجي مع الأسعار الرسمية في السوق، وده بيطرح علامات استفهام كتير."
ناجد ببرود
"ما عنديش تعليق... هستنى المحامي بتاعي."
العربية وقفت قدّام القسم، ونزل منها أيوب ومعاه موسى، المحامي المعروف بولائه التام لعيلة المغراوي.
أول ما دخلوا من الباب، لقوا ربى قاعدة على الكرسي في حالة قلق شديد، وزين واقف جنبها.
أيوب بدهشة وهو بيقرب من زين
ـ"إيه اللي جاب المدام لهنا يازين؟!"
زين بتنهيدة وبصوت خافت
"أنا... ماقدرتش أرفض. أصرت، ومفيش حاجة تانية كنت أقدر أعملها."
ربى كانت مركّزة مع موسى...
"الراجل ده... شكله مش غريب عليا..."
موسى بهدوء واحترام وهو بيقرب
"أنا موسى عبدالسلام، محامي السيد ناجد... تشرفنا، مدام ربى."
ربى قامت فورًا، وعينيها فيها رجاء
"حضرتك لازم تساعده... أرجوك."
موسى بثقة
"متقلقيش... أنا هنا علشانه، وكل حاجة هتتحل إن شاء الله."
ربى بإصرار
"أنا عايزة أشوفه... الشرطة رفضت تخليني أقابله."
موسى بلُطف
"هحاول، بس لازم نستنى شوية لحد ما يخلصوا التحقيق."
ربى بتأكيد
"هستنى... هستنى قد ما ياخد... المهم أشوفه."
موسى يومئ برأسه، وبعدين يبص لأيوب وزين
"خليكم مع المدام ربى... لحد ما أرجع."
أما زين فاستأذن وخرج يجيب أكل لربى، رغم إنها كانت قاعدة من غير نفس، مش قادرة حتى تفكر في الأكل.
لحد ما عدّت تلات ساعات... وربى لسه في نفس المكان، عينيها كل شوية على الباب.
"ليه طول كده؟! إيه اللي بيحصل؟"
وفجأة دخل راغد المغراوي، ومعاه مراته نعيمة، وملاك، وسفير.
كلهم كانوا باين عليهم القلق... بس سفير كان متوتر بشكل مختلف، كأن قلبه مش مرتاح.
أيوب وزين قربوا من راغد واتكلموا معاه بهدوء، ووشه بدأ يتجهم كل ما الكلام زاد.
أما نعيمة وملاك، قعدوا جنب ربى اللي كانت باينة عليها علامات الضيق والتوتر.
فجأة الباب اتفتح، وخرج موسى، وتعبيرات وشه كانت مش مطمئنة خالص.
راغد قام فورًا وقرب منه.
راغد بصوت واطي
"في إيه؟ طمني ياموسى"
موسى بهدوء
"الموضوع أكبر من المتوقع يا باشا... الصور دي واضحة، وفيها تفاصيل دقيقة جدًا تخص أسعار السلع... والشرطة قررت تراجع حسابات الشركة بالكامل."
راغد بتوتر
"دفتر الحسابات ده... اللي اتصورت منه الصور؟ كان فين؟"
موسى
"ده دفتر خاص بالسيد ناجد، فيه كل التفاصيل المهمة... بس أنا متأكد إنه مش موجود في الشركة."
راغد
"لو كان هناك، كانت المصيبة هتكبر أوي..."
موسى بثقة
"ما تقلقش... ناجد باشا مش ساذج، الدفتر ده هيكون في أيد أمينة."
راغد باستفسار
"وإحنا نعمل إيه دلوقتي؟"
موسى بصوت هادي
"هيفضل في الحجز تلات أيام، ده باتفاق معاه... وخلال التلات أيام دول، حضرتك تتكلم مع معارفك في الجهات العليا... وبعدها نخرّجه من غير ما حد يشك، ويكونوا ما لاقوش أي دليل في الشركة."
راغد بصوت واطي
"والدفتر؟"
موسى بثقة
"سيبها عليا... ناجد باشا وصاني بالحرف... وإنت بس خليك في الشركة خلال غيابه."
راغد يومئ برأسه، وبعدين يسأله
"أقدر أشوفه؟"
موسى باعتذار
"في حد سبقك... مستني من الصبح."
وبعدها يبص وراه، ناحية ربى اللي كانت قاعدة بتراقبهم بعين قلقة.
موسى رجع للعيلة، وبصوت عالي شوية قال
"ما تقلقوش... الأمور تحت السيطرة. مدام ربى، ممكن تيجي معايا؟"
نعيمة بصوت منخفض لزوجها
"في إيه؟ إيه اللي بيحصل؟"
راغد بهدوء وحزم خفيف
"سيبيها تشوفه... وأنا هقولكم كل حاجة بعدين، بس مفيش داعي للقلق دلوقتي."
______
ناجد كان قاعد لوحده في الغرفة، ضهره مستقيم لكن ملامحه فيها تعب واضح. إيده متشابكة قدامه على الطاولة، وعينيه سرحانة في اللاشيء، كأن دماغه شغّال بألف فكرة وفكرة.
بيفكر في كل حاجة... الصور، البلاغ، الحسابات، وخصوصًا الخطوة الجاية.
هو عارف إن الموضوع مش بسيط، وعارف إن في ناس مستميتة تطيّره من مكانه، بس برضه... كان فيه هدوء في ملامحه، كاريزما الرجالة اللي مهما اتزنقوا يفضلوا ثابتين.
وفجأة، الباب اتفتح.
استدار برأسه ببطء، أول ما سمع الصوت...
كانت ربى.
دخلت وعينيها مغرّقة دموع، أول ما شافته، راحت عليه جاري من غير ما تفكر، حضنته بقوة كأنها بتحاول تطمن قلبها قبل ما تطمنه.
ناجد اتفاجئ، بصراحة ماكنش متوقع إنها تيجي، ولا تكون القلقانـة عليه بالشكل ده... بس إيده ردّت، وربّت على ضهرها بخفّة.
المحامي موسى، اللي كان واقف وراها، قال بصوت محترم:
"أنا هستأذن، أخليكم شوية لوحدكم."
بص للشرطي وقال له: "ممكن تطفي الكاميرات لو سمحت؟"
الشرطي هز راسه وراح نفّذ على طول.
اتقفل الباب، والهدوء رجع للمكان.
ربى رفعت وشّها وبصت له، عينيها فيها دموع وشوق وقلق:
"إنت كويس؟! إيه اللي حصل؟! في إيه؟! ليه جابوك هنا؟!"
كانت الأسئلة طالعة بسرعة، صوتها بيرتعش، مش مصدقة اللي بيحصل.
ناجد قال بهدوء، وهو بيحاول يخفف عنها
"أنا كويس، والله كويس... وكل حاجة هتعدّي."
ربى قربت أكتر، وبصت له بترجي
"يعني خلاص؟ هنخرج؟ هنروح مع بعض؟"
سكت شوية، وبعدين قال بصوت واطي
"لا... لازم أفضل هنا ٣ أيام على ذمّة التحقيق."
ربى اتجمدت لحظة، وشها اتبدل، وكأنها خدت صدمة، قالت
"تلات أيام؟! إزاي يعني؟! ليه؟! طالما ماعملتش حاجة؟!"
ناجد بص لها، والابتسامة الهادية رجعت على وشّه، لمحة طيبة طلت من عينيه لأول مرة من وقت طويل. رفع إيديه، وحاوط وشّها بإيديه الاتنين، صوته كان ناعم ومليان حنية:
"هتبقي كويسة، ما تقلقيش. أنا هخرج، الموضوع بس وقت... صدقيني، أنا عارف أنا بعمل إيه."
ربى دموعها بدأت تنزل وهي بتهمس
"بس ليه كل ده؟! ليه تفضل هنا؟! لو مفيش حاجة ليه ما تطلعش؟"
قال وهو بيتنهّد عشان مش عارف يشرحلها وفي نفس الوقت مش عايز يزعلها
"القانون كده، دي الإجراءات... وصدقيني، دي أحسن طريقة دلوقتي."
سكت لحظة، وبعدين نبرته جدّت شوية
"اسمعيني كويس... الفترة دي، خدي بالك من نفسك. ماتخرجيش من غير زين أو أيوب. و... ماتثقيش في حد غيرهم جوه البيت."
ربى اتفاجئت من الكلام
"ليه؟! إنت تقصد إن في حد...؟"
قاطعها بلطف
"أنا مش عايزك تقلقي، بس اسمعي اللي بقولك عليه. اتأكدي إن باب أوضتك دايمًا مقفول، وباب مكتبي كمان. والمفاتيح خديها معاك، ماتسيبيهاش لأي حد."
ربى بصت له بريبة
"يعني إنت خايف من حد؟ في حد ناوي يعمل حاجة؟!"
سكت، وبعدين قال بصوت خافت
"موضوع شغل... وأنا هتصرف فيه. بس إنتي دورك إنك تحافظي على نفسك. ماتدخليش حد البيت غير موسى لو احتاج أي حاجة. ولو احتجتي أي حاجة تانية، خلي زين أو أيوب يجيبوها لك."
ربى كانت بتبص له كأنها بتحاول تفهم أكتر من اللي بيقوله، وبصوت واطي سألت
"ليه بتكلّمني كده؟ كأنك... كأنك مش هتخرج. كأنها مش تلات أيام."
قلبه وجعه من الكلمة. حرك إيده على خدّها، ومسح دموعها، وقال بابتسامة هادية
"أنا قولتلك، تلات أيام بس... ماتخافيش. أنا موجود، ولسه هنا، ولسه هنخرج ونعيش اللي ورانا سوا."
بصت له بحزن
"بس أنا قلبي مش مرتاح... حاسة إن في حاجة كبيرة ورا اللي حصل."
قال وهو بيقربها منه شوية
"حتى لو في... أنا هكون موجود علشان أواجهها. فماتقلقيش"