أرض الكنعانيين - النكبة حين انطفأت الانوار فجأة - بقلم قيس شعبان | روايتك

اسم الرواية: أرض الكنعانيين
المؤلف / الكاتب: قيس شعبان
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: النكبة حين انطفأت الانوار فجأة

النكبة حين انطفأت الانوار فجأة

فلسطين لم تُحتل في لحظة. بل كُسرت بالتدريج، كمرآة يُرمى عليها حجر صغير… فتتشقق ألف مرة. هذا الفصل ليس عن دولة سقطت، بل عن وطن نُزع من بين أضلع أهله، فجأة، بلا إذن… بلا رجعة. --- كانوا يقولون: "الإنجليز حياديون" قبل أن يولد الحريق، كان هناك دخان. البريطانيون جاءوا بعد وعد بلفور، وقالوا إنهم أوصياء، لكنهم عملوا كوسطاء لعصابات صهيونية تُسلّح وتُدرّب وتُمهَّد لاحتلال. الفلاحون الفلسطينيون كانوا يبيعون محصولهم ويشترون البنادق بمال لا يكفي خبزًا. بينما المهاجرون الجدد من بولندا وروسيا وألمانيا، كانوا يُموَّلون بأسلحة حديثة… وأحلام توراتية. في كل قرية… عين تنام وأخرى تحرس. --- دير ياسين… المجزرة التي فتحت أبواب الجحيم كان يومًا من أيام نيسان عام 1948. قرية صغيرة غرب القدس، هادئة، لا جيش فيها ولا مقاومة. لكن عصابتي "إرغون" و"شتيرن" دخلتا فجراً، يضحكان ويدمران. ذُبح الأطفال، اغتُصبت النساء، قُتل الشيوخ، وهُجّر من بقي. قال أحد الناجين: > "كنا نسمع الصراخ في الأزقة… ثم يليه صمت. الصمت كان أقسى من الصراخ." هذه المجزرة لم تكن استثناءً، بل بداية. أرادوا منها شيئًا واحدًا: أن يُرعبوا الشعب ليهرب من نفسه، من قراه، من تاريخه. --- 1948: فلسطين تُقسم، لا ككعكة، بل كجسد حيّ في 15 أيار من نفس العام، أعلن ديفيد بن غوريون "قيام دولة إسرائيل". والعالم صَفّق. لكن في الليلة نفسها، كانت 531 قرية فلسطينية تُمحى من الخارطة، و750,000 فلسطيني يُقذفون كالغبار في الهواء. غزة امتلأت بالخيام. الضفة الغربية أصبحت منطقة انتظار. لبنان وسوريا امتلأتا بمدن من الحزن. النكبة لم تكن فقط نكبة أرض، بل نكبة روح. --- الخيام التي كانت تنتظر الشتاء الأول… وانتظرت 75 شتاءً قالوا لهم: "اصبروا، العودة قريبة." فزرعوا مؤقتًا… وعاشوا مؤقتًا… وماتوا مؤقتًا. لكن الزمن تغيّر، والمؤقت صار دائمًا. صار الطفل في المخيم يولد وفي عنقه مفتاح بيت لم يدخله. كل عائلة تحتفظ بسند الملكية… كحلم، لا كوثيقة قانونية. وغزة؟ كانت سجنًا مفتوحًا، والضفة؟ معسكرًا بلا اسم. --- النكبة لم تنتهِ… بل تطوّرت توالت بعدها النكبات الصغرى: نكسة 1967، الانتفاضة الأولى، حصار بيروت، مجازر صبرا وشاتيلا، اجتياح جنين، اجتياح نابلس، قصف غزة، الجدار، الاقتحامات، قتل الصحفيين، اقتلاع الزيتون، تسريب البيوت في سلوان، تهويد القدس، اغتيال الشباب، اعتقال الأطفال، خيانة الأنظمة، صمت العالم. كل هذا… فرع من جذع النكبة. والجذع ما زال حيًّا… ما زال يُثمر وجعًا. --- لكن… من تحت الركام، خرجت أغنية رغم كل شيء، لم تنطفئ الذاكرة. في الأغاني، في الأسماء، في التطريز، في مفاتيح البيوت، في أعراس المخيم، في الجدّات اللواتي يروين الحكايات وكأنهن ينسجن علمًا. وفي كل طفل يُسمّى "كرمل" أو "يافا" أو "قُدس"، تُولد فلسطين من جديد. --- النكبة ليست تاريخًا… إنها حالة. وما زلنا نعيشها، ونتنفسها… ونقاومها بالحب، بالحق، وبالأمل.