أرض الكنعانيين - الحروب التي غسلتها السماء بالدموع - بقلم قيس شعبان | روايتك

اسم الرواية: أرض الكنعانيين
المؤلف / الكاتب: قيس شعبان
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الحروب التي غسلتها السماء بالدموع

الحروب التي غسلتها السماء بالدموع

في هذا الفصل، لن نروي قصة معركة، بل قصة الدم حين أصبح لغة دبلوماسية. سنخوض في الزمن الذي فيه ارتجّت الأرض تحت أقدام الجيوش، حين كانت فلسطين ليست فقط أرضًا، بل جائزة. كل من سمع باسمها… أرادها، لا ليعمرها، بل ليضع تاجه فوق قبابها. --- حين جاء الفرس… وأخذوا القدس كمن يأخذ وردة من مقبرة كان الزمان زمن غروب إمبراطوري. الفرس، بسيوفهم المنقوشة وبنقمتهم التاريخية من الرومان، اجتاحوا بلاد الشام كالريح السوداء. دخلوا القدس في عام 614 ميلادي، وسفكوا الدماء كما يُسكب الزيت المغلي. نهبوا الكنائس، وهدموا ما استطاعوا، وأخذوا “الصليب المقدس” الذي كان مزارًا للمسيحيين. في عيون أهل المدينة، لم يكن الفرس غزاة فقط، بل "نهاية" مرحلة. لكن كما تأتي الريح، تهدأ. ولأن التاريخ لا يحب الأبدية… عاد الرومان بقيادة هرقل، وأعادوا الصليب بعد سنوات. لكن شيئًا في القدس تغيّر. كأنها فقدت براءتها. --- ثم جاءت البشارة… فدخل عمر بلا دم السماء كانت تُجهّز فلسطين لزمن جديد. محمد عليه الصلاة والسلام، رحل وترك خلفه أمة تُولد من الصحراء. وبعد سنوات من الدعوة والسيوف والصلح، جاء الخليفة عمر بن الخطاب إلى القدس. لم يدخلها متباهيًا، بل مشى وحده، على قدميه، بثوب مرقّع. البطريرك صفرونيوس سلّمه مفاتيح المدينة، لا خوفًا بل احترامًا. وقيل إن عمر بكى حين صلّى قرب كنيسة القيامة، ولم يُصلِ داخلها حتى لا تُؤخذ من أهلها ذريعة. وبنى مسجدًا من خشب قرب الصخرة. مسجدًا متواضعًا، لكن صلبًا كالإيمان. وهكذا دخل الإسلام إلى القدس، لا كفاتح، بل كحارس. --- صلاح الدين… حين انتصر القلب على الحديد قرون مرت، جاء فيها بنو أمية، ثم العباسيون، ثم الطولونيون، ثم الفاطميون. ثم… جاءت العاصفة: الحروب الصليبية. جيوش بأدرعٍ لامعة من الغرب، نزلت على الشواطئ ككابوس. وفي عام 1099، دخلوا القدس بعد حصار طويل، وقتلوا من فيها دون تمييز. قُتل فيها المسلمون، والمسيحيون الشرقيون، وحتى اليهود. وتحوّلت المدينة المقدسة إلى جرح ينزف دون توقف. لكن فلسطين، كما في كل مرة، أنجبت رجلاً. صلاح الدين الأيوبي… الكردي المتدين، القائد الذي لا ينام. قاتلهم، لا بحقد، بل بحنكة. وفي معركة حطين عام 1187، كسر شوكتهم، ثم سار إلى القدس كما يُسار في جنازة. دخلها دون أن يُسفك دمٌ. وأعاد إلى المدينة روحها، وأعطى للأسرى حرية لم يحلموا بها. وقال حينها: > "القدس لا تُباع، ولا تُشترى… هي وعدٌ." --- العثمانيون… والظل الطويل في 1517، دخل السلطان سليم الأول القدس. ومن بعده، جاء سليمان القانوني، فأحبّ المدينة كما يحبّ الصوفي معبده. أعاد بناء سورها، وجعلها أجمل مما كانت، وكتب على أبوابها آيات وقصائد. العثمانيون لم يعمّروا فقط، بل حموا. حتى لو طال الزمن، ظلت القدس عندهم كالعين في الجفن. لكن حين بدأت الدولة العثمانية تضعف… بدأت قوى أخرى تشمّ رائحة الضعف. --- الاحتلال البريطاني… حين ضُربت فلسطين بالحبر لا بالبارود فقط عام 1917، الجنرال أللنبي دخل القدس وقال كلمته الشهيرة: > "اليوم انتهت الحروب الصليبية." لكنه لم يكن صليبيًا، بل سياسيًا يرتدي خوذة. وفي العام نفسه، وعد بلفور أعطى لليهود وعدًا ليس له، بأرض ليست له، على حساب من يملكونها. وهكذا… لم تُسرق فلسطين في الليل، بل في وضح النهار. بالحبر، والمكاتب، والخداع. --- فلسطين، يا من مزقوكِ بالجيوش، وجعلوا من ترابك وثيقة نزاع… كل حرب مرّت عليكِ تركت على جسدك ندبة، لكنكِ لم تسقطي. في كل مرة، كنتِ تنهضين… لا كضحية، بل كقصيدة.