بين لعنة الفراعنة و مكر الآشوريين
كل أرض جميلة لها ضريبة، وفلسطين... كانت الأجمل. تلك الفتاة التي تجلس على حافة المتوسط، تضحك للغيم وتخفي في حضنها ذهبًا وماءً وحنينًا، كانت هدفًا لكل طامع، وكانت تلد مع كل غازٍ حكاية. لكنها لم تكن ككل الأرضين، بل أرض حين تُجرَح... تحفظ الدم في الورد.
في مطلع الألفية الثانية قبل الميلاد، سقطت فلسطين في عيون إمبراطوريتين لا ترحم: الفراعنة من الجنوب، والآشوريين من الشرق. أرض الكنعانيين لم تعد تنام بسلام، بل صارت كل مدينة فيها تسأل أختها: "مَن منّا التالي؟"
---
يد الفراعنة… بردى لا يُشفي
جاء المصريون إلى فلسطين لا لزيارتها، بل لسرقة نبضها. تحت حكم تحتمس الثالث، ارتفعت رايات مصر في مدن الجنوب: رفح، غزة، ويافا، وحتى مجدو، تلك المدينة التي لم تسقط إلا مرة واحدة... ولكنها بكت طويلاً بعدها.
كانوا يكتبون عن فلسطين في ألواح العمارنة، ويقولون:
> "أرض الكنعانيين لا تُطيع، وشعوبها كثيرة مثل رمل البحر، تحتاج كل مدينة فيها إلى ملك."
لكن الحقيقة؟ لم تكن الأرض عصيّة... بل فقط مرهَقة. كلما حاولت أن تستعيد نفسها، جاءت حرب جديدة تدهسها كما يدهس الجمل زهرة برية في طريقه.
ومع ذلك، لم يكن الكنعانيون عبيدًا. في كل مرة يدخل فيها جيش مصري مدينة، كان أهلها يزرعون سكينًا في خاصرته. أريحا كانت تبني الجدران، وغزة كانت تصلي بعيون مفتوحة، ويافا ترسل القتلة متنكرين في الهدايا.
وكانت النساء هنّ من حفظن الهوية. امرأة كنعانية في الخليل خبأت طفلها في سلة، ودفنته في جذع شجرة لتُبعده عن أعين المصريين. سمّته "شالوم"، وقالت إنها تراه في الحلم يركض في مدن لم تُبْنَ بعد.
---
أريحا تنهض... ثم تبكي
كانت أريحا في كل مرة تُحتل، تنهض من رمادها. لكنها في هذه المرة، كانت وحيدة. الفراعنة دمّروا السور، وسرقوا تماثيل الإلهة "عناة"، وأخذوا الرجال إلى الجنوب كسبايا. لكنها لم تصرخ.
أريحا، تلك الجدة العتيقة، كانت تعرف أن الزمن دوّار. أن من يركب الخيل اليوم، قد يَسقط غدًا تحت نعال طفلٍ جائع.
---
الآشوريون... حين جاءوا بالنار
لكن إذا كان الفراعنة غزاة بشهية ملك، فالآشوريون كانوا غزاة بشهوة وحش. لم يأتوا ليبنوا، بل ليحرقوا. من نينوى جاءوا، بأسلحة لم تعرفها أرض كنعان من قبل. سيوف على شكل رؤوس تعوي، وخوذات مغطاة بعيون الموتى.
ساروا نحو الساحل، احتلوا عسقلان، وأشعلوا عكا، ثم نظروا شرقًا نحو نابلس. كانوا لا يسألون: من أنتم؟ بل يقولون: أنتم لنا.
كان ملك نابلس آنذاك "يادين بن تاموز"، رجل عاشق للكرامة، لكنه لم يكن يملك أكثر من 300 مقاتل. فكتب في رقيم طيني رسالة واحدة قبل المعركة:
> "إن متنا، فليكن موتنا في أرضنا. أما إن انتصرنا، فلتعود مدينتي حرة... كما كانت حين حلمت بها أمي."
قاتل حتى الرمق الأخير، وسقط. لم يُدفن، بل عُلّق على بوابة المدينة كتحذير. لكن نساء نابلس خرجن ليلًا، أنزلنه، وغسلنه بماء الزيتون، ودفنّ جسده في كهف قرب بئر يعقوب. وحين عاد الآشوريون بعدها بعقود... لم يجدوا الكهف.
---
حيفا ويافا... الحب في زمن السلاسل
في تلك الفترة، لم تكن المدن الساحلية تنام. حيفا كانت تصنع السفن، ويافا تُخفي الثوار. كان بين المدينتين شبكة رسائل تُرسل عبر الحمام الزاجل، يتحدثون فيها عن تحركات الغزاة، وعن أحلام الحرية.
وكانت هناك فتاة من يافا اسمها "تيرزا"، كتبت لفتى في حيفا اسمه "نيرون" تقول:
> "أحبك كما تحب الأرض المطر، لكني لن أهرب من مدينتي. إن جاءوا، سأرمي عليهم الزيت المغلي، وأغني... حتى لو لم يبقَ أحد ليسمعني."
الغزاة جاءوا. ويافا احترقت. لكن الرسالة بقيت. نُقشت على جدار في كنيس قديم، وعُثر عليها بعد ألف عام.
---
بين الملوك والعامة... كانت الأرض تشهد
كل مدينة في فلسطين كانت تخسر أبناءها، وتعيد ولادتهم من جديد. لم يكن لأحد أن يحكم الأرض إلا بموافقتها، وفلسطين لم تكن تبارك أحدًا... بسهولة.
من غزة إلى صفد، كانت المدن تسجل بصمتها في الرمل، وكانت الجبال تحفظ ما لم يُكتب. كان لكل حجر حكاية، ولكل نبع ذاكرة، ولكل امرأة ثأرٌ لم يُنهَ بعد.
---
فلسطين لم تكن مجرد أرضٍ تُمَرّ فوقها الجيوش، بل كانت ذاكرة تمشي... وتسجل.