أرض الكنعانيين - حين نطقت كنعان - بقلم قيس شعبان | روايتك

اسم الرواية: أرض الكنعانيين
المؤلف / الكاتب: قيس شعبان
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: حين نطقت كنعان

حين نطقت كنعان

لا شيء في التاريخ يبدأ من العدم، فكما تُنبت البذور تحت التراب بصمتٍ طويل قبل أن تطلّ برأسها، هكذا فعلت المدن الكنعانية. لم تولد فجأة، بل بنت نفسها حجراً حجراً، ببطء وصبرٍ يشبه صبر البحر على نحت الصخور. الزمن كان نحو 3000 سنة قبل الميلاد. الأرض تنطق بلغتها الخاصة، لا تُشبه أي لسان آخر. الكنعانيون لم يكتفوا بالنجاة فقط، بل أرادوا أن يعيشوا. فبنوا، وكتبوا، وزرعوا، وتاجروا، وأحبوا، وحلموا... وكل ذلك وهم يعلمون أن كل من حولهم لا يراهم سوى "أرضاً جيدة للنهب". يبوس... أو القدس قبل القدس قبل أن تصبح القدس مدينة للصراع، كانت "يبوس" مدينة للسلام. كنعانية الأصل، مقدسة بالفطرة. كان فيها هيكل للإله "شاليم"، إله الغروب والطمأنينة، وكان الناس يُصلّون له حين تميل الشمس نحو الأفق، راجين أن يمنحهم مساءً بلا خوف. في شوارعها، لم يكن الأطفال يعرفون الفرق بين الإله والسماء، كانوا يرسمونه في ألعابهم كغيمة تمطر خبزاً. كانت الأسواق تضج بأصوات النسوة، وعبير الزعتر الجبلي، وكان الحرفيون يصنعون تمائم من النحاس، على هيئة طائر يحمي من الحسد. غزة... عروس الجنوب الغامضة غزة لم تكن مدينة فقط، بل كانت ميناء الأرواح. فيها نزل التجار من كل العالم، وسار على رمالها بحّارة من كريت، وجواسيس من مصر، وشعراء من صور. كان الناس يقولون إن الليل في غزة أطول، لأن القصص فيها لا تنتهي. كانت معبودة التجار، يقصدها الفينيقيون ويحملون معها خشب الأرز والعنبر، ويعودون بقصص الحب والمقاومة. وكان فيها من يكتب الأغاني على صدَف البحر، ويضعها في الماء ليرسلها إلى الحبيب البعيد. عسقلان... مدينة الأنبياء والأنبياء المضادين عسقلان كانت مدينة المتناقضات. مزدهرة ومتمردة، دينية وعنيفة، فيها من رقة الينابيع ومن قسوة الجدران. فيها عبدوا آلهة القمر، ورقصوا عند الأعياد كما لو أن القيامة غداً. وكان فيها كهّان يفسرون الأحلام، ومجاذيب يصرخون في الأسواق عن نهاية العالم. وكان من سكانها من لا ينام، يحرس المدينة من "الظلّ"، ذاك المخلوق الخرافي الذي كانوا يقولون إنه يسكن البحر، ويخرج حين تخون المدينة نفسها. نابلس... وبيت شان (بيسان) نابلس في ذلك الزمن كانت تُعرف باسم "شكيم"، مدينة بين جبلين، كان الكنعانيون يرونها كالعين بين حاجبين. فيها حكم ملك اسمه "لبايو"، وكان يدّعي أنه ابن الآلهة. كتب رسائل إلى فراعنة مصر، يتوسلهم مرة، ويهددهم مرة، ويُظهر ولاءه أحياناً، وخيانته أحياناً. رجل من طين السياسة، لا من ذهب النبوة. أما بيسان، فكانت جنة خضراء. مدينة الحب والريح. فيها سكن الشعراء، وكان أهلها يقولون: "من لم يعشق في بيسان، لم يعرف الحياة". لكن الغزاة عرفوا قيمتها. فداهمها المصريون، ونهبوها، وتركوها تشتعل خلفهم كشعلةٍ تأبى أن تنطفئ. اللغة الكنعانية... حين صارت الحروف صلاة الكنعانيون لم يخترعوا الأبجدية، لكنهم صنعوا لها المعنى. كتبوا بالأكادية، ثم بالكنعانية، ثم ألهموا الفينيقيين الذين علموا العالم الأبجدية. كانت كلماتهم تشبه الأرض: بسيطة، واضحة، وخصبة. كانوا يقولون: > "الأرض لنا ما دامت السماء فوقنا، وإن سُلبت منّا، فلن يعرفها أحد كما عرفناها." كل مدينة كنعانية كانت امرأة. يافا... تهمس للبحر. غزة... تقاتل من أجل الحب. نابلس... تمشط شعرها بالزيت. الخليل... تحرس الأجداد في نومهم. كانوا كنعانيين. لم تكن لهم جيوش عظيمة، لكن كان لهم انتماء يتخطى الزمن. كانوا لا يكتبون "فلسطين" على الورق، بل يعيشونها في الروح. ولم يكونوا وحدهم، فقد كانت الآلهة تراقبهم، والسماء تختبرهم، والتاريخ ينتظر ليبدأ المذبحة. فالمجد لا يُولد دون أن يُسفك أولًا...