البدء كان كنعان
قبل أن تُسمى فلسطين، وقبل أن يعرف الإنسان الخرائط والحدود، كانت الأرض تعرف نفسها. كانت الشمس تشرق على تلالٍ بلا أسماء، وتغيب على سهولٍ ممتلئة بالماء، والريح كانت تمرُّ بين شجيرات السنديان وهي تضحك دون حاجةٍ للغة.
هناك، في قاع الزمان، في عمق عميقٍ لا تُدركه كتب الجغرافيا، نشأت أول قصة: أريحا. أقدم مدينة مأهولة عرفتها البشرية. لم تكن تُسمى بهذا الاسم بعد، ولم تكن تعرف أنها ستُصبح ذات يوم موضوع جدالٍ في الأمم المتحدة، ولا تعرف أن أهلها سيُطردون ذات فجرٍ بلون الرصاص. كانت فقط مدينة. بيت من طين، بجوار نبع ماء، وشجرة توت تمدّ ظلها على أمٍ تُرضع وليدها.
كان الإنسان الأول فيها لا يعرف اسمه. يسمّي نفسه بالصمت، ينام على حصيرة من القصب، ويحلم بصيد غزالٍ هارب. تلك الأرصفة الترابية التي سارت عليها أقدامهم لم تكن تعرف معنى السلطة، ولا أن تلك الأرض ستُنتزع فيما بعد باسم "التحرير". كانوا كنعانيين، لا يعرفون أنهم كنعانيون، لكنهم غرسوا أسماءهم في الجدران، على ألواح فخار، وعلى حوائط الكهوف.
في مغارة الكرمل، هناك من رسم أول دمعة. مشهد صبي يُودّع والده المريض، يرسمه بلون الفحم، ثم يتركه للزمن، وكأن الحائط صار شاهد قبر. وفي شاطئ غزة، نحتت فتاة وجه أمها على صخرة، ثم رمتها في البحر، لعل التيارات توصلها إلى الآلهة.
أرض فلسطين لم تكن هادئة قط. كانت خصبة، كثيرة الخير، ولذلك كثر الطامعون فيها. لكنها أيضًا كانت عميقة، تعرف كيف تُعاقب من يُهينها.
الكنعانيون بنوا مدنًا مثل يبوس (القدس)، وبيسان، وعسقلان، ومدينتهم الأعظم: مجدو. وكانوا يُصلّون لآلهة المطر والخصب، ويعلّقون تمائم تحميهم من الأرواح، ويغنون بصوت مرتجف حين تشتد الريح. حكاياتهم لم تُحفظ في الكتب، بل في العظام والتراب والنقوش.
كانت المرأة الكنعانية قوية، تزرع وتحصد، وتغني للطفل وللإله في نفس النفس. وكانت الأغنية هي السلاح، وهي وسيلة التفاهم. كان الفلاحون يُنادون السماء بأنغام من حنجرتهم، ويستقبلون موسم الحصاد بالرقص.
وفي الليل، حين يُطفئ القمر عيونه، كان رجال القبيلة يروون قصص الأجداد. كيف قاتل جدُّهم النهر، وكيف تزوجت امرأة من رعد. كيف خُلق الإنسان من تراب غزة، وكيف سرق الموت فلاحًا من قلقيلية. الحكايات كانت ممتدة، لا نهاية لها، كما لو أن الأرض نفسها كانت تحكي عبرهم.
في ذلك الزمن، لم تكن هناك دولة تُدعى إسرائيل، ولا إمبراطوريات عظيمة. كان هناك بشر، وأرض. كل شيء آخر كان وهماً.
ظهر الغزاة: مصريون، ثم آشوريون. كلهم مرّوا من هنا. حملوا نارهم، وسيوفهم، وقاموا بجرائم لا تختلف كثيرًا عن تلك التي نراها على شاشات اليوم. لكن الكنعانيين، رغم ضعفهم، لم يختفوا. ذابوا في الأرض. صاروا حجارة، وعيون ماء، وأسماء قرى: بيت جالا، دير دبوان، عنبتا، جنين...
كل ذرة تراب كانت شاهدة. ولم يكن التاريخ يومًا في فلسطين مجرد توثيق... بل كان نبضًا.
كل ليلة، كانت أريحا تحكي لطفلها: "نحن أول من سكن هنا. نحن البداية. لن تُمحى أصواتنا، حتى لو كتبوا ألف كتاب ضدنا."