الفصل الثاني: أول عفريت
تجمعت الكلمات الغامضة على شفتي رابائيل كما لو كانت نداءً قديمًا من أعماق الزمن، الطلسم الذي كانت ترسمه لم يكن مجرد حروف على الورق، بل كان جسراً بين عالمها وعالمٍ آخر، عوالم خفية لا يفهمها إلا من خاض في الظلال.
يدها ترتجف، لكنها لم تتوقف. كل حرف كانت تنطق به يلهب الهواء حولها، ينذر بقوة لا يستهان بها. فجأة، بدأ الهواء يثقل، وبدأت أصوات همسات مكتومة تتصاعد، كأن آلاف الأرواح المحبوسة تئن في ظلمة ما وراء الواقع.
ثم، من بين الدخان الكثيف، ظهر عفريت ضخم، وجهه مشوه بدموع السواد، وعيونه الحمراء المتوهجة تحترق بنار الحقد. كان جسده مغطى بقشور سوداء تبدو وكأنها تذوب في لهب خفي، يتلوى كأفعى ضخمة، ويداه القويتان تمسكان بفؤوسٍ من ظلال.
اندفع نحوها بسرعة مخيفة، صرخته المدوية ارتطمت في أذنيها، قلبيها كاد يتوقف من هول الموقف. تحاول رابائيل ترد السحر، لكن العفريت كان أسرع، تمددت يداه نحوها كأنها الظلال نفسها تريد ابتلاعها.
فجأة، تردد صوت قوي من بين الظلال، وصوت صراخ ملء المكان. خرج من الظلام ملائيك، الجن الذي ضحى بحياته من أجلها سابقًا، عاوده الظهور في هذه اللحظة الحرجة. جسده كان مصبوغًا بآثار معركة قديمة، وعيناه تحملان عزيمة لا تلين.
تجمعت دماء العفريت على الأرض، لكنه لم يتحرك بعد ضربة ملائيك القاتلة. رابائيل ارتجفت من هول المشهد، وفجأة شعرت بصدمة عميقة عندما التفتت إلى ملائيك، الذي كان حيًا أمامها، رغم أنها كانت ترى روحه قد فارقت الحياة في الماضي.
نظرت إليه بدهشة وصوت مرتعش:
"كيف... كيف لم تمت؟"
ابتسم ملائيك ابتسامة عميقة، وأجاب بصوت هادئ وحازم:
"حين يحمل ملك الجن قلبًا لا يهاب الموت، ولا تستسلم روحه مهما طال الظلام، لا يموت حقًا... بل يعود من بين الرماد، أقوى وأشدّ. قوتي ليست في جسدي، بل في العهد الذي قطعته لحمايتك."
وقف بثبات، وعيناه تشعان نورًا غامضًا، وأضاف:
"في عالمنا، القوة ليست فقط في السحر أو القوة الجسدية، بل في الإرادة التي لا تنكسر، وفي الحماية التي تعطى دون مقابل."
رابائيل شعرت بموجة من الامتنان والأمل تتدفق في قلبها. رغم كل ما مرّت به من خوف وألم، لم تكن وحدها أبداً.