قواعد تبدأ بسر
السيارة تنزل من التل ببطء، الضوء البرتقالي للغروب ينسكب على الزجاج الأمامي ويكسر ملامح متيلدا إلى خطوط وظلال.
الشوارع شبه خالية، والهدوء لا يحمل سلامًا... بل ترقّبًا.
كنت أقود.
متيلدا إلى جانبي تتكلم عن شيء لا أذكره الآن... عن لعبة جديدة ربما، أو شكل السحاب الذي بدا مثل سلحفاة عملاقة.
كنت أسمع، لكنني لم أكن أستمع. لم يكن ذلك مهمًا.
أنا من اقترح فكرة الخروج للتبضّع معها.
هذا ليس، ولن يكون أبدًا، من اهتماماتي... على عكسها.
لكنني أردت أن أخلق فرصة مناسبة لأكشف الملفات... تلك الملفات التي تخص الشركة، وتخص متيلدا، وتخصني أنا أيضًا، بطريقة ما،
لكن لا علاقة لها ببرمجة الألعاب.
توقفت عند إشارة، نظرت أمامي، ثم قلت بنبرة هادئة، كأنني أعلّق على الطقس:
"قرأت الرسالة."
توقفت عن الكلام. مرت ثانيتان، ثم التفتت إليّ، حاجباها مرفوعان، تمثّل الاستغراب جيدًا. أفضل مما توقعت.
– "أي رسالة؟"
أجبت دون أن أنظر إليها:
"التي كتبتِها في sandbox يوم الثلاثاء صباحًا، قبل أن تمري من أمام مكتبي خمس مرات دون أن تحتاجي شيئًا."
لم ترد. نظرتُ إليها بطرف عيني. كانت تحاول أن تفكر بسرعة، أن ترتب كذبة قابلة للتصديق.
انتظرتُ بصبر. ثم أردفتُ بهدوء أشد:
"أعرف عندما يكذب أحد.
أعرف متى يبلع ريقه، ومتى يدير عينيه لجهة الذاكرة بدل المنطق.
أعرف نبرة الصوت حين تتحول من تلقائية إلى بنية دفاع.
لذا لنختصر حسنا .... ان لم تجدي كذبة مناسبة فيمكنك قول الحقيقة ببساطة"
لم تتحرك. ربما نسيت أن تتنفس... أو لنقل إن تركيزها كان على المسدس المخفي في جيب معطفها.
اتعلمين ؟ لقد أجدت إخفاء الامر حقا !
صحيح ان لعبتك قديمة....لكنك اجدت اللعب
ولكن هذا لن ينطبق على الجميع
قراءة الجسد وتفكيك الاكواد
بناء الثقة وكسرها ايضا ، إخفاء النيّة... كلّها مجرد أنماط.
وأنا... أعيش على الأنماط."
كُشف الأمر، وما عاد يتوجب عليها إلصاق العفوية أو الظرافة لكلماتها، لذا قالت بهدوء يحاول أن يُداري قلقه:
– "نارمين... من أنتِ بالضبط؟"
– "لِنَقُل إنني قريبة إيريك بلاكوود، أحد رؤوس قسم الاستخبارات الخاصة في وحدة مكافحة الشبكات السوداء.
الكذب كان تمرينًا يوميًا في المنزل ..... وكذلك القتال.
لذا لن تنفع ألاعيبك. ولا مسدسك أيضًا."
سحبتُ نفسًا خفيفًا، ثم أضفتُ:
"لكن لا تقلقي. لن أخبر أحدًا. ليس لأنك أذكى مني... بل لأنك نزيهة بما يكفي لأن تُثيري فضولي."
نظرتُ إليها أخيرًا. كانت عيناها مملوءتين بالتساؤلات، لكنها لم تتكلم. لم تكن خائفة. فقط مربكة.
قلتُ بهدوء:
"هدفك واضح. تحقيق، مراقبة، بحث في ملفات قديمة...
شيءٌ ما في mirrorcore ليس نظيفًا. مدفون من قبل.
وأنا لا أمانع أن أراقب معك... أو أمامك."
ثم أضفتُ، وأنا أركن السيارة أمام المبنى.
الشمس انزلقت خلف الأفق، كما لو أنها انسحبت لتتركنا وحدنا في اللعب:
"في المرة القادمة... فقط نظّفي الكود بعدك.
ترك البصمات ليس من عادة المحققين الجيدين."
خرجتُ من السيارة، أغلقتُ الباب خلفي بهدوء، دون أن أنظر إليها. لم أكن بحاجة.
كنت أعرف أنها ستنزل بعدي. وأن شيئًا، منذ هذه اللحظة، تغيّر بيننا.
لكننا لن نتحدث عنه. ليس الآن.
هناك قواعد للصداقة... تبدأ دائمًا بالسر الذي لا يُقال.