مافيا الشيطان - لَا أَحَدَ يَعْرِفُ - بقلم جنى بدوان | روايتك

اسم الرواية: مافيا الشيطان
المؤلف / الكاتب: جنى بدوان
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: لَا أَحَدَ يَعْرِفُ

لَا أَحَدَ يَعْرِفُ

في غرفة المشفى كان صخر مستلقيًا على سرير المستشفى، غائبًا عن الوعي، تحيط به الأجهزة الطبية وتعلو وجهه ملامح تعب دفين. وقف أمامه رجل يرتدي ملابس سوداء ويغطي وجهه، كانت عيناه تلمعان بالدموع وهو يُمسك بيد صخر بصمتٍ مؤلم. ثم همس بشوق: "اشتقتُ إليك، صخر... لم أتوقّع أن أراك مجددًا في هذه الحالة المُزرية. لقد فرّقنا القدر، لكنه سيعيدنا ذات يوم." صمت قليلًا وهو يتأمل وجه صخر المرهق، ثم تابع: "عليك أن تستفيق... هم ضائعون من دونك." انحنى نحو جبينه، وطبع عليه قُبلة حب واشتياق، ثم خرج من الغرفة كما دخل، بهدوءٍ وظلال. --- بعد ساعة – في مكان مهجور وقف شاهين أمام مكتبه في غرفة مُظلمة، يتأمل صورة روز بنظرات متوحشة، ثم تمتم بصوت خبيث: "الليلة... ستكونين بين يديّ يا جميلة. ستندمين على كل لحظةٍ ظننتِ فيها أنكِ في أمان." دخل عليه رجل طويل القامة متردّد الخطى، وقال بخوف: "سيدي، هل تأمر بشيء؟" أجابه شاهين بابتسامةٍ شيطانية: "جئتَ في الوقت المناسب..." ثم بدأ يُملي عليه تعليمات خطته الخبيثة. --- في قصر صخر كانت روز تقف أمام المرآة، ترتدي فستانًا أنيقًا مكشوف الذراعين. بدا على وجهها القلق، ثم خرجت من الغرفة متوجهة إلى السائق، وطلبت منه أن يقلّها إلى المشفى. وبعد خمس عشرة دقيقة، وصلت إلى المستشفى. دخلت إلى غرفة صخر وجلست بجانبه، أمسكت يده برفق، وبدأت بالبكاء بصمت. وبعد لحظاتٍ من الألم قالت من وسط دموعها: "اشتقتُ إليك، صخر... متى ستعود إلي؟" ثم اقتربت من أذنه وهمست بكلمات تمنّت لو أنه يسمعها: "أحبك جدًا، يا صخر... أنت روحي وحياتي كلها." وبدأت تُحدّثه مطولًا، تبوح له بما في قلبها من حنين ووجع. --- بعد ربع ساعة خرجت روز من المستشفى، ووقفت بعيدًا تنتظر السيارة. فجأة، توقّفت أمامها سيارة سوداء، ترجّل منها ثلاثة رجال أمسكوا بها بقوّة. حاولت مقاومتهم، لكن أحدهم عاجلها بمادة مخدّرة أفقدتها الوعي. حين استعادت وعيها، كانت في غرفة نوم فخمة، على سرير ناعم، لكن لم يُشعرها بشيء من الأمان... بل بالخوف. فُتح الباب ببطء، ودخل شاهين وهو ينظر إليها بابتسامة باردة. "اشتقتُ إليكِ، يا ابنة عمي الصغيرة." ارتجف صوت روز وهي تقول: "شاهين، ماذا أفعل هنا؟" أجابها بخبث: "اشتقتُ إليك، وقلتُ لنفسي... لمَ لا أجلبها إليّ؟" انهمرت دموعها بحرقة، وهو يقول لها بصوتٍ ناعم مُقزّز: "لا تبكي، صغيرتي..." لم تُجبه، ولم تُظهر أي تفاعل. "هل أخبركِ بسرّ، يا روز؟" قالت من وسط دموعها: "لا أريد منك شيئًا." قال متجاهلًا رفضها: "هل تعلمين أن لديك أعمامًا غير والدك؟" نظرت إليه بدهشة وصاحت: "ماذا؟! أنت تكذب!" "لا، لستُ كاذبًا، حبيبتي." "حبّك في الجحيم! أنا ملك لصخر فقط." ابتسم بخبث: "لا يجوز، يا صغيرة... أنتِ مسلمة، وهو مسيحي." نظرت إليه بصدمة، وقبل أن تنطق، صفعها على وجهها بقوة، ثم أمسك بشعرها ورماها أرضًا وبدأ يضربها بوحشية. كانت ضعيفة، غير قادرة على الدفاع عن نفسها. لكن فجأة، فُتح الباب بعنف، ودخل رجل بملابس سوداء، دفع شاهين بعيدًا، ثم حمل روز بين ذراعيه، وركض بها نحو السيارة. انطلقت السيارة بسرعة، بينما كانت روز تهمس بألم: "من... أنت؟" لم يجبها، بل نظر إليها للحظات، ثم عاد يُركّز على الطريق. همست مجددًا بصوت خافت: "من أنت؟" رفع اللثام عن وجهه، فنظرت إليه بدهشة: "صخر؟! متى أفقت من الغيبوبة؟!" قال بنبرة هادئة: "أنا لست صخر... بل أخوه." "لكن... صخر ليس له أخ سوى غريب، وقد تُوفي!" نظر إليها بغموض: "عندما يستيقظ صخر، اسأليه... لكن إيّاكِ أن تخبريه أنني على قيد الحياة." أومأت روز برأسها، وقد بدا عليها الخوف والارتباك، ثم قالت: "أريد العودة إلى المستشفى، إلى صخر." قال ببساطة: "حسنًا." --- في المشفى توقّفت سيارة زياد عند المدخل، وفتح بابها لتخرج روز برفق. دخلت إلى غرفة صخر وجلست قربه، نظرت إلى المكان الذي كان يقف فيه زياد فلم تجده. أمسكت بيده، وبدأت دموعها تنهمر بسكون. ثم عادت إلى القصر، دخلت غرفتها، استحمت بماء ساخن تُزيل به عن جسدها كل ما مرّ بها في هذا اليوم، ثم ارتمت على سريرها وغفت. --- في بيتٍ آخر دخل زياد إلى منزل واسع لكنه بسيط. سمع صوتًا من خلفه، التفت فإذا بجده يقول: "أين كنتَ يا زياد؟" "كنت في العمل، يا جدي." نظر إليه الجد بشك: "عيناك تقولان غير ذلك." تجاهل زياد تعليقه وسأل: "أين جدّتي؟" "في الغرفة مع نساء أعمامك وبناتهن." هزّ زياد رأسه ودخل، فوجد جدّته وسط أربع نساء كبيرات وخمس فتيات صغار. فتحت له ذراعيها بحب، فهرع إليها واحتضنها بقوة. قال وهو يدفن رأسه في حضنها: "اشتقتُ إليكِ كثيرًا، يا جدّتي." قالت بعصبية خفيفة: "كم مرة قلت لكَ لا تقل جدتي، بل نادني روان، أو رورو." ضحك زياد بخفة وقال: "حسنًا يا رورو... ما الطعام اليوم؟" قالت بمكر: "خمن!" "هممم... رز ولبن؟" "لا." "إذًا... ماذا؟" أجابت حور، ابنة عمه، بحماسة: "رز وملوخية!" نظر إليها زياد بدهشة وسعادة: "أحقًا ما تقولين؟!" "أجل!" ابتسم زياد وقال وهو يلتفت إلى جدته: "متى سنأكل؟!" ضحكت روان: "هيا بنا إلى المائدة!" --- بعد أسبوع كان الجميع متجمعين حول سرير صخر، في انتظار أن يفيق. دخل الطبيب يفحص مؤشراته الحيوية، ثم قال بصوت منخفض: "إنه مستيقظ... منذ يومين." "هل أخبرتهم؟" سأل صخر. "لا يا سيدي." "أدخل روز أولًا." "أمرك، لكن... لماذا؟" "أدخلها فقط." دخلت روز بتوتر، وسألت الطبيب: "ما الأمر؟ هل حدث شيء؟" "لا شيء... فقط اجلسي بجانبه." فعلت كما طُلب منها، وأمسكت بيده، وعيناها مليئتان بالدموع. فجأة شعرت بضغطٍ خفيف على يدها، فنظرت إلى صخر لتجده ينظر إليها، مستيقظًا! كادت تصرخ من الفرح، لكنه قال: "لا تصرخي..." "اشتقتُ إليك كثيرًا!" "ما الذي حدث في غيابي؟" "لا شيء جديد..." وفجأة، دخل البقية إلى الغرفة واحتضنوه بحرارة. وفي أحد ممرات المستشفى المظلمة، كان زياد يقف بعيدًا، ينظر إلى المشهد بشوقٍ وألم. فجأة، التفت صخر نحو الممر وكأنه شعر بشيء... لكنه لم يرَ سوى الظلام. ________________ بعد ساعةٍ من عودته من المستشفى، دخل صخر إلى غرفته واستلقى على سريره، يتأمل السقف بصمتٍ وقد أثقل قلبه الشوق لأخيه غريب. نهض فجأة وكأن ذكرى ما أيقظته، وتوجه بخطى بطيئة إلى غرفة غريب. وما إن فتح الباب، حتى انهمرت عليه الذكريات كالسيل، كل زاوية في الغرفة كانت تنبض بصور الماضي. تقدّم نحو السرير، واستلقى عليه بهدوء، وأغمض عينيه بتعب، تاركًا روحه تسبح في بحر الذكريات. --- قبل ثلاث سنوات... كان غريب يجلس على كرسيه المتحرك في الشرفة، يتأمل الطبيعة بصمتٍ حالم. دخل صخر يحمل في يده كعكة الشوكولاتة وعصير البرتقال، ووضعهما على الطاولة الصغيرة بجانبه، ثم جلس على الأرض أمامه، ينظر إليه بحب وقال مبتسمًا: "اليوم هو يومك المميز، أليس كذلك؟ عيد ميلادك... لا يمكنك نسيانه." ابتسم غريب ابتسامة حزينة وقال بنبرة هادئة: "وكيف أنساه، وأنت لا تدعني أنساه؟" ضحك صخر بخفة، وأخذ قطعة من الكعكة ووضعها في فم غريب قائلاً: "أنا أخوك، ومن واجبي أن أحرص على ألا تُنسى لحظة من حياتك." تناول غريب الكعكة بهدوء، ثم نظر إلى الأفق وقال بصوت خافت: "هل تعتقد أنني كنت سأحظى بمستقبل مختلف... لو لم يحدث كل ذلك؟" نظر إليه صخر بجديّة، ثم أمسك بيده برفق وقال: "مستقبلك لا يزال أمامك، والماضي لا يحدد من نكون. أنا هنا... وسأبقى دومًا هنا من أجلك." أغمض غريب عينيه وكأنه يحاول حفظ هذه الكلمات في أعماق ذاكرته، ثم فتحهما وقال بابتسامة صادقة: "إذن، هل ستغني لي أغنية عيد الميلاد؟" ضحك صخر وضرب كتفه برفق: "لا أظن أن صوتي جميل... لكن من أجلك، سأحاول." بدأ صخر يغني بصوته العميق الرجولي. لم يكن مغنيًا، لكن صوته حمل كل ما في قلبه من دفء وحب. ساد الصمت من حولهما إلا من صوت الرياح الخفيفة، وكأن العالم توقف ليستمع لهما. ضحك غريب وقال مازحًا: "أعتقد أنني وجدت مهنتك الجديدة... مغنٍ بدلًا من رجل أعمال وزعيم مافيا!" رفع صخر حاجبه وضحك: "أوه! هل تريدني أن أترك كل شيء وأصبح مغنيًا؟" هز غريب رأسه مبتسمًا: "لِمَ لا؟ لديك صوت عميق وجذاب... أراهن أن الجميع سيحبونه." جلس صخر بجانبه وأخذ قطعة أخرى من الكعكة وأطعمها إياه، ثم قال بابتسامة: "لا يهمني إن أحبّه الجميع... يكفيني أنك تحبه." شعر غريب بدفء عميق يتسلل إلى قلبه، ثم نظر إلى صخر بعينين يملؤهما الامتنان والحب الأخوي وقال: "شكرًا لك، صخر... على كل شيء." هز صخر رأسه وقال بثقة: "لا داعي للشكر، فأنت أخي، وسأظل دائمًا إلى جانبك." --- استفاق صخر من هذه الذكرى الجميلة، لكن ذكرى أخرى تسللت إليه دون استئذان. في ليلة رأس السنة، كانت الألعاب النارية تملأ السماء ألوانًا وأصواتًا. في تلك الليلة، كان غريب في غرفته يقرأ رواية على سريره. فتح صخر الباب ودخل، ثم جلس بجانبه وقال: "الساعة متأخرة... ما الذي يبقيك مستيقظًا حتى الآن؟" أجابه غريب ببراءة: "أقرأ رواية." "رواية ماذا؟" "رواية هذا ما حدث معي، للكاتب أسامة المسلم." ابتسم صخر وقال: "أوه، حقًا؟ هذا رائع." أضاء وجه غريب بابتسامة صافية وقال: "صخر... ابقَ معي الليلة." ردّ صخر برقة: "حسنًا، سأبقى من أجلك." زادت لمعة عيني غريب بفرحٍ طفولي. وبعد ساعة، نام غريب على كتف صخر مطمئنًا. نهض صخر برفق، غطاه جيدًا، عبث بشعره بمحبة، وقبّل جبينه قبل أن يغادر الغرفة. --- فتح صخر عينيه، وقد فاجأته دموعه الساخنة تنساب على وجنتيه. نهض عن السرير ببطء، لكنه توقف حين سمع صوت طرق خافتٍ تحت السرير. عقد حاجبيه باستغراب، وانحنى ليرى ما هناك. لمح صندوقًا أسود أنيقًا، يزيّنه شريط أسود كأنه وُضع هناك ليُكتشف في لحظة كهذه. التقطه بحذر، وشعر بثقله، كأن داخله أسرار أكثر من مجرد ذكريات. جلس على الأرض، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم فتحه. كانت الصور أول ما وقع عليه بصره. صورٌ قديمة لعائلته، بعضها لوجوه لا يعرفها، لكنها بدت مألوفة بطريقة غريبة. من بينها صورة لرجل وامرأة يحملان طفلين صغيرين... أحدهما يشبهه كثيرًا. قلب الصور ببطء، وكل واحدة تحكي قصة ناقصة، كأنها تنتظر من يكملها. ثم لمح ظرفًا أسود صغيرًا في الزاوية. فتحه ببطء، وسحب الورقة التي بداخله. كانت الكتابة أنيقة، وخطها يحمل مشاعر كثيفة. > "إلى من يقرأ هذه الرسالة... لا أعلم متى أو كيف ستعثر على هذا الصندوق، لكن إن كنت تقرأه الآن، فهذا يعني أن الوقت قد حان. هناك الكثير من الأمور التي لا تعرفها... أشياء أُخفيت عنك لحمايتك. ولكن الحقيقة... دائمًا تجد طريقها إلى النور. أنت لست وحدك، ولم تكن كذلك أبدًا. هناك من هم مستعدون للموت لأجلك. وهناك أسرار دُفنت لتبقى في الظلام... لكنها تنتظر من ينيرها. ابحث عن الحقيقة... لكن تذكّر: ليست كل الحقائق جميلة. بعضها قد يكسرك. وبعضها قد يجعلك أقوى. القرار لك... لكن في النهاية، أنت من تختار من تكون." شعر صخر بقشعريرة تسري في جسده. الكلمات كانت ثقيلة، تشي بشيء كبير يُخفي أكثر مما يُظهر. من كتب هذه الرسالة؟ ولماذا تُركت له؟ ومن كان يعلم بأمر هذا الصندوق؟ وقبل أن يتمكن من التفكير، سمع صوت طرقات على الباب، تبعها دخول ريان وأركان ومالك. بسرعة، أغلق الصندوق وأعاده تحت السرير، لا يريد لأحد أن يعرف ما وجده. نظروا إليه بقلق، إذ بدت ملامحه شاحبة، ونظراته تائهة. سأله ريان: "صخر، هل أنت بخير؟ تبدو وكأنك رأيت شبحًا." أجاب صخر بصوت هادئ يخفي اضطرابه: "أنا بخير... فقط كنت أفكر في بعض الأمور." لكن الحقيقة كانت شيئًا آخر تمامًا... صخر لم يكن بخير. على الإطلاق. ____________________ في حيٍّ شعبيٍّ بسيط، وتحديدًا داخل عمارةٍ متوسطة الحجم، كانت خلود تقف عند مدخل المطبخ، تمسح يديها بمنديل مطبخي وهي تنادي بصوتٍ مرتفع اختلط فيه الضيق بالعجلة: "جواهر! تعالي الآن، أحتاجك!" لم تمضِ لحظات حتى انفتح باب الغرفة المجاورة بقوة، وخرجت منه جواهر بخطى سريعة وصوت غليظ أشبه بصوت أولاد الحارة: "ما الأمر، يا أمي؟" رمقتها خلود بنظرة ممتزجة بين الغضب والإرهاق، وزفرت بصوت مسموع قبل أن تقول: "اذهبي وأيقظي جميل، لقد تأخرنا عن موعد الإفطار." ارتفع حاجبا جواهر في امتعاضٍ واضح، ووضعت يدها على خاصرتها قبل أن ترد بنبرة ساخرة: "إلى متى ستظلون تتعاملون معه وكأنه ابنكم؟" نظرت إليها خلود نظرة طويلة، فيها من الحزن قدر ما فيها من الحزم، ثم قالت وقد بدأ صوتها يعلو: "جواهر، لا أريد جدالًا الآن، اذهبي إليه فورًا!" لكن جواهر لم تكتفِ، بل تابعت بلسان سليط لم تستطع كتمه: "يا أمي، صحيح أن ملامحه بريئة، عيناه كبيرتان وذهبيتان، وشعره أسود ناعم، وبشرته بيضاء كثلج الشتاء... لكن هذا لا يكفي! اسم (جميل) لا يليق به، بل (غريب) هو الأنسب. ويكفي أنه مشلول شللًا نصفيًا، ولا يذكر من هو أصلًا!" في لحظة خاطفة، رفعت خلود الشبشب من الأرض، ورمته نحو ابنتها بقوة ودقة عجيبة، فأصابها في منتصف وجهها تمامًا. صرخت جواهر: "آخ! يا أمي، هذا مؤلم!" قالت خلود بهدوء قاتل وهي تعود إلى المطبخ: "ولا مرة في حياتي أخطأت التصويب... والآن، إلى غرفة جميل، فورًا." تمتمت جواهر بكلمات غاضبة وهي تمسك بأنفها، ثم سارت نحو الغرفة المجاورة، ودفعت الباب بقوة. كان ضوء الصباح يتسلل من الستائر نصف المغلقة، وعلى السرير وُجد جميل، أو كما تسميه هي "غريب"، مستغرقًا في نومٍ عميق، وجهه ساكن كطفل، وأنفاسه هادئة. نظرت إليه لحظة بصمت، ثم التفتت إلى الطاولة الصغيرة بجانبه، حيث كان هناك كوب ماء بارد. ابتسمت ابتسامة ماكرة، أمسكته وسكبت محتواه على وجهه دون تردد. شهق جميل فجأة، وفتح عينيه بتوتر: "ما هذا يا جواهر؟!" ردّت، وقد بدا في عينيها أثر انتقام طريف: "هذا لأنني ضُربت بسببك... بالشبشب!" ضحك جميل ضحكة طويلة من أعماق قلبه، تلك الضحكة التي تشبه ضحكة طفل اكتشف أمرًا سخيفًا: "هاهاهاهاهاها، آسف... آسف، حقًا!" قالت وهي تنظر إليه باستهزاء: "نعم، اضحك، فأنت نائم كالملائكة، وأنا أُجلد بجريرة نومك العميق!" سكت جميل تدريجيًا، ثم تنحنح وقال بصوت هادئ: "هل... هل تسندينني لأجلس على الكرسي المتحرك؟" رمقتْه جواهر بنظرة شبه كسولة، ثم تقدمت نحوه وساعدته على النهوض، وإن كانت تفعل ذلك بخشونة أكثر من اللزوم. "آه، جواهر... أنت تؤلمينني!" قال وهو يعاني ليستقر على الكرسي. ردّت بلا مبالاة: "إذا كنت لا تحتمل ذلك، فتعلم كيف تنهض بنفسك في يوم من الأيام!" دفعت جواهر الكرسي المتحرك باتجاه المائدة، حيث كانت خلود قد رتبت الإفطار بعناية، كعادتها كل صباح. وعلى الرغم من الجدال المتكرر، والشتائم الصغيرة التي تتبادلها جواهر مع الجميع، إلا أن هذا المشهد — اجتماعهم حول المائدة — ظل ركنًا ثابتًا في يومهم، كأن الزمن مهما تغيّر، هناك لحظة لا تمس: لحظة الإفطار العائلي.