ثأر قديم - الفصل الرابع - بقلم palastino | روايتك

اسم الرواية: ثأر قديم
المؤلف / الكاتب: palastino
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الرابع

الفصل الرابع

كانت الشمس لم تشرق بعد حين تحرك مراد بسيارته السوداء القديمة، تتبعه ثلاث ظلال لصيقة بقلبه أكثر من دمه: أيمن، حسن، ومحمد. أربع أرواح متحدة، تسير نحو ما ظنه البعض مجرّد مقبرة مهجورة، لكنه بالنسبة لمراد… كان بابًا لأول أسرار الجد. جلس حسن في المقعد الأمامي، يتفحص سلاحه بهدوء قاتل، بينما كان أيمن في الخلف يُقلب خريطة عثمانية قديمة، مطوية بعناية خلف صفحة ممزقة من أحد كتب الجد. قال محمد وهو يراقب الضباب يتكاثف: – "قرية مهجورة، قبر غامض، وثائق منسية… هل نحن في رواية؟" ابتسم أيمن: – "نحن نكتبها الآن." أما مراد، فبقي صامتًا. عيناه تراقبان الطريق، لكن تفكيره غاص عميقًا في الكلمات التي كتبها جده ذات يوم: > "من سيولد بروحي، سيفهم لغتي. ومن فهمها، فليبذر بذور العودة." حين وصلوا أطراف القرية، كانت الأرض تغرق في الصمت. لا صوت طير، ولا أثر حياة. كأن الزمن قد توقف هنا منذ قرن. قال مراد وهو ينزل: – "هنا دُفن الذين عرفوا الحقيقة… وربما الحقيقة معهم." تحركوا كأنهم فريق ميداني محترف. بدأوا التنقيب بهدوء بين القبور المتآكلة، كل منهم يعرف مهمته دون كلام. أيمن راح يقرأ النقوش العثمانية، يربطها مع رموز الخريطة. حسن حفر في الأرض الصلبة، ويده على الزناد دائمًا. محمد واصل البحث بين الصخور، حتى صرخ فجأة: – "هنا! الحجر هذا… ليس كباقي الأحجار!" اقترب مراد وركع بهدوء. رفع الحجر بحذر، فظهر صندوق معدني صغير ملفوف بجلد قديم، عليه ختم الدولة العثمانية وعلامة صغيرة تعرفها عينا مراد جيدًا… توقيع الجد. فتح الصندوق… الداخل كان أكثر مما تخيلوا: – خرائط استخبارات عثمانية. – أسماء زعماء خانوا، وعملاء تآمروا. – مراسلات بين ضباط عثمانيين وشيوخ قبائل عربية. – رموز تشير إلى ما سُمّي لاحقًا بـ"سايكس بيكو". قال أيمن مذهولًا: – "نحن لا نحمل أوراقًا، بل نحمل قلبًا مدفونًا لأمة." فجأة… سمعوا صوت محرّك يقترب. وقف حسن فورًا، سحب مسدسه، وقال: – "لدينا ضيوف… ووقت اللعب انتهى." أدار مراد رأسه ببطء، ثم قال بثقة: – "خطة الانسحاب كما درّبنا… من النفق خلف المقبرة، إلى التلة الشرقية." تحركوا بسرعة منظمة. أيمن يغطي التراجع بدقة، يطلق رصاصة تحذير واحدة أخافت السيارة القادمة. حسن بقي لحظةً أطول، كأنّه يتمنى أن يشتبك، لكن صوت مراد أعاده إلى الواقعية. محمد أمسك الوثائق بقوة، وكأنّها أمانة دماء ملايين. قبل أن يختفوا في الظلال، سمعوا صوتًا رجوليًا من السيارة: – "لن تهربوا بالحقيقة… التاريخ دُفن، ومن ينبشه سيموت معه." لكن مراد، دون أن يلتفت، قال بصوتٍ منخفض: > "نحن لا ننبش… نحن نُعيد الكتابة." بعد دقائق، جلسوا جميعًا تحت شجرة زيتون قديمة في الخلاء، يتنفسون ببطء، والغبار لا يزال على أكتافهم. قال أيمن: – "نحن لم نعد طلاب معرفة… نحن الآن جنود ذاكرة." قال حسن: – "دعهم يأتون… أنا مستعد لدفنهم تحت نفس التراب الذي دفنوا فيه شرفهم." قال محمد: – "هذه الوثائق… ستحرق عالمهم. لكن علينا أن نكون مستعدين لدفع الثمن." نهض مراد ببطء، رفع الملف بيده، وقال: > "اليوم أعدنا فتح جرح… وغدًا، سنصنع سيفًا منه."