الفصل الثاني
في زقاق قديم لا تصله الشمس إلا مجزأة، وفي مقهى شعبي خافت الإضاءة، جلس مراد ينتظر.
الوقت مساء، والمكان هادئ كما لو أنه يتهيأ لشيء غير عادي.
دخل أيمن أولًا.
ضحكته كانت تسبق خطواته، كعادته، لكنه ما إن رأى ملامح مراد الجادة حتى قال:
– "وجهك لا يبشر بشيء عادي. أهذه الجلسة من جلسات الفلسفة أم حدث كبير؟"
ابتسم مراد نصف ابتسامة، وقال:
– "انتظر البقية، ولن تخرج من هنا كما دخلت."
دخل بعدها حسن.
عيناه ثاقبتان كأنهما تكشفان النوايا قبل الكلمات.
صافح مراد بقوة، وجلس دون أن يسأل، كما لو أنه يعرف أن ما سيُقال يستحق الصمت.
وأخيرًا، دخل محمد، متأخرًا كعادته، لكنه هذه المرة كان يحمل كوب شاي بيده.
قال وهو يضحك:
– "إن كنتم تنوون الانقلاب على العالم، أخبروني لأحضّر شيئًا أثقله من الشاي."
ضحك أيمن، لكن مراد لم يضحك.
وضع حقيبته على الطاولة، وأخرج منها الأوراق، المخطوطات، والدفتر الصغير.
قال وهو ينظر إليهم نظرة مختلفة:
– "ما ستقرؤونه الآن… قد يغيّر كل شيء. هذا ليس مجرد ماضٍ… هذا هو سبب كل ما نحن فيه الآن."
بدأوا يتصفحون الأوراق.
الصمت حلّ.
حتى أيمن، خفّت ابتسامته.
كان هناك خريطة، تقارير، أسماء...
أسماء عربية خانت.
وقّعت، وقبضت، وفتحت بوابات للغزاة باسم الحرية.
قال حسن، بنبرة من يكتشف خيانة شخصية:
– "لم نُهزم فقط بالسلاح… بل بخناجر في الظهر."
أما محمد، فهزّ رأسه وقال:
– "لا عجب أن صرنا كما نحن… تشتتنا من يومها."
صمت مراد للحظة، ثم قال:
– "أصدقائي… هذه الأوراق ليست للقراءة فقط. جدي، رحمه الله، خبأها لأنه آمن أن هناك من سيكمل الطريق. الطريق الصعب. وأنا… لا أستطيع المشي فيه وحدي."
نظر إلى أيمن، ثم حسن، ثم محمد.
– "إن سرنا فيه… فلن يكون هناك رجوع. سنتعرض للسخرية، للملاحقة، وربما لما هو أكثر."
أيمن وضع يده على كتف مراد، وقال بابتسامة خفيفة:
– "إذا كان التاريخ نائمًا… فلنوقظه."
حسن قال بثبات:
– "أنا لا أرحم من يعبث بهوية الأمة. هذا الطريق… طريقي."
أما محمد، فقال ببساطة:
– "أنا لا أفهم كل ما قرأناه… لكني أثق بك. وأنا معك."
هكذا… تشكّلت البذرة الأولى.
خليّة صغيرة من أربعة، تحمل حِمل قرن، وتحاول زرع بذور التغيير في أرض قاحلة.
لم يعلموا وقتها أن هذا اللقاء… سيكون بداية لمعارك أعظم مما تخيّلوا.