لا أعرفك... لكنني اطمأننت
كانت السماء تمطر بغزارة، والمطر يختلط بدموعها التي لم تجد لها ملجأ سوى الوجنتين. كانت تسير بتعثّر، مرتجفة، إلى أن أوقفها ضوء سيارة قوي، كاد يعمي بصرها… وتوقّفت السيارة فجأة، على بُعد خطوة واحدة من جسدها.
ترجّل منها شاب طويل، بملامح صارمة وعينين لا تُشبهان بعضهما… اقترب منها بقلق ظاهر رغم جموده وقال:
"هل أنتِ بخير، آنسة؟"
همست بصوت خافت متردد:
"أ... أجل، أنا بخير."
رمقها بنظرة طويلة متفحّصة، ثم قال بلهجة قاطعة:
"سأصطحبكِ إلى المستشفى، للاطمئنان عليكِ."
"لا داعي، لا أريد أن أُزعجك، يا سيدي."
لكنّه لم ينتظر موافقتها، بل أمسك بذراعها وساعدها على ركوب السيارة السوداء الفخمة. لم تمضِ سوى دقائق حتى وصلا إلى أحد المشافي الراقية. ترجّل من السيارة، ثم فتح الباب وقال بهدوء حازم:
"انزلي."
"أخبرتك أنني بخير… لا حاجة للمستشفى."
لكنّه تجاهل عنادها، وأمسكها برفق حازم وأدخلها إلى الداخل. وما إن وقفا أمام غرفة الفحص حتى طرق الباب ودخل.
"سيد صخر، تفضّل."
"افحص الآنسة فورًا."
جلست روز على سرير الفحص، مترددة، والدموع تلمع في عينيها. بدأت تتحدث لكنها قُوطعت.
"لا تعاندي، دعيه يؤدي عمله."
أنهى الطبيب فحصه بعد دقائق، ثم أشار إلى صخر ليقترب جانبًا.
"سيدي، هل لك بها صلة قرابة؟"
"لا."
تنهّد الطبيب وقال بهدوء:
"يبدو أنها تعرّضت لمحاولة اعتداء... لم يُتمّ فعلته، لكنها كانت محاولة عنيفة."
تجمّد صخر في مكانه. سأل بصوت منخفض، متوتر:
"أين وجدتها؟"
"في الشارع...كادت أن تُدهس تحت سيارتي."
"ربما من الأفضل أن تتحدث معها. تبدو خائفة وقلقة جدًا."
عاد صخر إلى الغرفة، وجلس على الكرسي المجاور لسريرها. تطلّع إليها بنظرات لا تخلو من القلق، ثم قال:
"ما الذي جرى معكِ؟"
ارتجفت شفتاها، ثم انهمرت دموعها بصمت، وسرعان ما خنقها البكاء.
قالت بصوت متهدّج:
"بعد وفاة والديّ، انتقلت للعيش مع عمي. لم يكن يومًا أبًا بديلًا، كان قاسيًا، جامد القلب… وابنه…"
توقفت لحظة تحاول السيطرة على شهقتها، ثم أكملت:
"كان يطاردني بنظراته وكلماته، حاول مرارًا التقرّب مني بطرقٍ مريضة… واليوم… حاول أن يجبرني…"
شدّت على يديها المرتجفتين، ثم همست:
"قاومته بكل ما أوتيت من قوة… وضربته… ثم هربت."
سكت صخر طويلًا. ثم سأل بنبرة أخفّ:
"كم عمركِ؟"
"عشرون."
همس لنفسه:
"إنها في عمر تالا..."
ثم قال بصوت مسموع:
"هل لديكِ مكان آخر تلجئين إليه؟ أقارب، أصدقاء؟"
هزّت رأسها نفيًا:
"لا أحد… لا خال، ولا عمّ غيره."
"إذن، ستأتين معي."
رفعت رأسها بسرعة:
"لا! لا أستطيع، لا أريد إزعاجك."
"وإلى أين ستذهبين؟ هل تنوين قضاء الليل في الشارع؟"
"ربما… لكنني لن أعود إلى بيتهم."
نظر إليها للحظة، ثم قال بهدوء:
"في منزلي، ستكونين بأمان. أعدكِ."
"أنا لا أعرفك."
"وأنا لا أعيش وحدي. معي شقيقتاي، تالا ومسْك. لن تكوني بمفردكِ."
صمتت مترددة، فقال بصرامة لطيفة:
"هيا، لن تُناقشي أكثر."
وقبل أن تعترض، رفعها عن السرير برفق، وأدخلها السيارة مجددًا.
في الطريق، ظل يفكر:
"منذ متى وأنا أشفق على أحد؟ هل أنا حقًا من يفعل هذا الآن؟"
أما هي، فكانت الدموع لا تزال حبيسة عينيها، لكنها شعرت بشيء غريب… راحة لم تفهمها، وقلقًا ممزوجًا باطمئنان.
وصلوا إلى بوابة ضخمة لقصر شامخ، انفتحت تلقائيًا بمجرد اقتراب السيارة. ركنها بهدوء، ثم نزل وفتح لها الباب، ومدّ يده.
تردّدت، ثم أمسكت بها بخجل.
دخلوا إلى القصر الفخم، وما إن فتح الباب حتى جاء صوت فتاة غاضبة:
"صخر! ما هذا الوقت؟!"
كانت تالا، بوجهها الجميل المليء بالقلق.
"كنت مشغولًا."
"مشغول؟ والفتاة هذه من تكون؟!"
ظهرت روز من خلفه، بعينين متورّمتين، وجمال مدهش رغم الحزن.
قال صخر بهدوء:
"سأخبركِ لاحقًا. الآن، خذيها إلى إحدى الغرف، أعطيها ثيابًا دافئة، دعيها تستحم وترتاح. وسأشرح كل شيء لاحقًا."
نظرت تالا إلى روز مطولًا، ثم قالت بلطف:
"هيا، تعالي معي."
دخلت روز الغرفة الوردية الهادئة، وجلست بخجل. عادت تالا بعد دقائق ومعها ملابس نظيفة.
"استريحي، واستحمي براحتك. خذي وقتك."
أما صخر، فقد دخل غرفته، وبدّل ملابسه، واستحم، ثم ارتدى ملابس مريحة. لكن فكره كان مشغولًا…
"روز... لماذا تبدو مختلفة؟ ما هذا الإحساس الغريب؟"
خرج من غرفته، وذهب إلى غرفة شقيقه الأصغر غريب. طرق الباب برفق، فوصله صوته الهادئ:
"ادخل…"
دخل صخر، وجلس قربه.
"غريب، لماذا لم تأكل شيئًا؟ ولم تشرب دواءك؟"
"لا رغبة لي…"
"ولا حتى من أجلي؟ أنا الذي أعيش لأجلكم…"
سكت غريب، ثم قال بعد صمت:
"أحيانًا، أشعر أنني عبء."
"لا تقل هذا الكلام أبدًا."
بقي إلى جانبه حتى أنهى طعامه وأخذ دواءه، ثم غطّاه وخرج.
في طريقه، مرّ على غرفة تالا، وجدها نائمة، وكذلك مسك. لكنه توقف أمام غرفة روز… طرق الباب بخفة، فجاءه صوت خافت:
"تفضل…"
دخل، فوجدها جالسة قرب السرير، ودموعها تلمع في الضوء الخافت.
"ما بكِ الآن؟"
همست:
"لا شيء… فقط أبكي على نفسي."
نظر إليها، وشعر بشيء يهتز داخله. شعور لم يعرفه منذ زمن.
"منذ متى أصبح ضعفي ظاهرًا؟ متى أصبحتُ أتأثر بدمعة؟"
لكنّه لم يقل شيئًا… فقط بقي واقفًا، ينظر إليها، وشعور غريب يتسلل إلى قلبه دون استئذان.