مافيا الشيطان - حين وُلدت الخطيئة - بقلم جنى بدوان | روايتك

اسم الرواية: مافيا الشيطان
المؤلف / الكاتب: جنى بدوان
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: حين وُلدت الخطيئة

حين وُلدت الخطيئة

الحاضر: كان الليل يطبق على المدينة كنعشٍ أسود، والهدوء الثقيل يُكتم أنفاس النوافذ المغلقة. في إحدى غرف القصر، جلس غريب على طرف السرير، جسده الهزيل ينكمش كطفلٍ ضائع، ودموعه تنزف بصمت، تنحدر فوق وجهه ناصع البياض كما تنحدر الذكريات فوق الذاكرة الممزقة. فتح صخر الباب بهدوء، وما إن رأى أخاه حتى توقف للحظة. "غريب... ما بك تبكي؟" قالها بصوت لم يُعرف عنه من قبل، دافئًا، يكاد يهمس. رفع غريب عينيه الذهبيتين، المرتجفتين، وردّ بصوت مختنق: "لا شيء..." لكن صخر رأى الحقيقة في الجروح القديمة التي لم تُشفَ، في نظرات الخوف المخبأة تحت ملامح البراءة. جلس بجانبه، ومدّ يده ليرفع كمّ قميصه، لتظهر خطوط العذاب التي لم تمحُها السنوات. "هل هو نفس الأمر... مجددًا؟" سأل، رغم أنه كان يعلم الجواب. غريب انفجر بالبكاء، كأن داخله صرخة لم تجد طريقها إلى الهواء منذ سنين. "وهل تظن أنني سأنسى؟!" صاح وهو يرتجف، "أنسى ما كنت فيه؟ ذلك الجحيم... قبل أن تأخذني منه؟" ضمّه صخر إلى صدره. "ستنسى... أعدك بذلك." وأغمض غريب عينيه، تاركًا دموعه تسيل على كتف أخيه، بينما عقله ينزلق رغماً عنه… إلى الوراء. --- الماضي: في المستشفى. كان صراخ الولادة يتداخل مع بكاء الحياة الجديدة، وبين الرائحة المعقّمة وهمسات الممرضات، كانت إحدى النساء تصرخ بجنون: "ماذا؟ فتاة؟! لا أريد فتاة، أريد صبيًا!" نظرت إليها الطبيبة بجمود وقالت: "هذا رزقكِ من الله." "استبدليها،" قالت المرأة وهي تخرج من حقيبتها شيكًا مفتوحًا، "أريد صبيًا. أيّ صبي." دخلت طبيبة أخرى، تهمس: "هناك امرأة في الحضانة أنجبت صبيًا…" ابتسمت المرأة، وقالت: "أحضريه… وخذي الفتاة. مليون دولار لكما." لم تترددا. كانت تجارة الأرواح تُدار بابتسامات. دخلت الطبيبة الحضانة، نظرت إلى الطفل النائم، له عيون ذهبية غير بشرية، وشعر أسود كالفحم. ترددت للحظة… لكنها أخذته، واستبدلته بالفتاة. عادت به إلى المرأة، التي نظرت إليه بقلق: "ما هذا؟ لماذا عيونه كأنها ذهب…؟ وشعره؟" "إنه الصبي الوحيد،" أجابت الطبيبة ببرود. دخل الزوج، وسأل: "صبي أم فتاة؟" "صبي،" قالت الطبيبة. "لكن… كنت أريد فتاة!" ردّ الرجل متفاجئًا. "لكنه صبي!" قالت الزوجة بانفعال. اقترب الرجل من الطفل، نظر إليه، ثم عبس بشدة: "ما هذا؟! لا يمكن أن يكون ابني! مستحيل!" قالت الطبيبة: "على الأقل، سمّه." قال الرجل وهو يشيح بوجهه: "غريب." --- في غرفة أخرى: كانت عائلة صغيرة تحتضن لحظة سعادة، رغم الفوضى خارجها. قال الأب لابنه: "صخر، سمِّ أختك الصغيرة." "لكنّي أردت أخًا..." تمتم الصغير. قالت الأم: "أنت أخوها الكبير، سمِّها." فكر صخر، ثم ابتسم بخفة: "تالا." ضحكت الأم: "جميل، يا صغيري." --- بعد عشر سنوات: في زاوية مظلمة من بيتٍ لا يعرف الرحمة، جلس غريب على سريره المهترئ. دخل عثمان كعاصفة، وصاح: "غريب! أين المال الذي سرقته؟!" "لم أسرق شيئًا!" أجاب غريب. ظهرت هند من الخلف: "زين رآه. سرق المال، وضربه أيضًا." بكى زين بتمثيل فج: "أجل! ضربني!" "أقسم أنني لم—" لم يُكمل. كان أول اللكمات أسرع من دفاعه، والأرض أبرد من جسده المرتجف. --- قبل عشر سنوات من ذلك: في مرج أخضر، حيث كانت العائلة تلعب وتضحك، كان صخر يركض خلف الفراشات. اقترب من أمه، وقال: "أنا جائع." ضحكت الأم، وأطعمته بيدها. قال الأب: "تعال، يا صغيري، إلى حضن بابا." ركض إليه، لكن فجأة... دوّى صوت رصاصة. "صخر!" صاح الأب، "خذ تالا! إلى الشجرة!" اختبأ الصغير مع أخته، بينما وقف الأب أمام صفوان. "ماذا تريد؟" سأله. "أريد روحك." الرصاص أجاب بدلًا من صفوان. سقطت الأم أولًا، ثم الأب، ثم النار… التهمت كل شيء. صفوان لمح الطفلَين، لكنه لم يقتل. خدرهما، وألقاهما في الشارع. ووجدهما… خال ريان. --- بعد سنوات، صخر لم يعد ذلك الطفل. اكتشف الحقيقة… تالا ليست شقيقته. بحث عن شقيقه الحقيقي. وبعد رحلة مظلمة، وجده. مُعذّبًا، محطمًا… اسمه غريب. قُتل كل من أساء إليه. وأُخذ غريب إلى "البيت الجديد". وفي زاوية الغرفة، سمع صخر بكاء طفلة… كان يحمل سكينًا. لكنه تجمّد. شعرها الأحمر، عيناها الواسعتان… لم يستطع. فمسكها… وربّاها. --- بعد ثلاث سنوات: رحل خال ريان وزوجته في حادثٍ لم يُبقِ سوى الرماد. وبقيت الذكريات… تنتظر الانتقام.