الفصل الثالث عشر :
بعد ما الكل دخل أوضته، وهدأت الضحك والدوشة اللي كانت مالية البيت، اتسحب الهدوء برفق على المكان، كأن الليل نفسه قرر يطبطب عليهم ويقولهم: "كفاية بهجة النهاردة… وقت الراحة."
ربى كانت قاعدة على كرسى التسريحة، شعرها منسدل على ضهرها، وبتمشط فيه بهدوء. نور الأباجورة الناعم بينور وشها، ومراية التسريحة بتعكس ملامحها الهادية، بس في عينيها كان فيه شوية تفكير.. يمكن من كلام دار طول اليوم أو من إحساس غريب إنها أخيرًا بدأت تحس إنها مش دخيلة على المكان.
في الناحية التانية من الأوضة، ناجد كان حاطط موبايله على الكومود، ومدد نفسه على السرير.
كان باين عليه التعب، بس قبل ما يغمض عينه، لمح ضهرها وهي قاعدة بعيد، ففضل يبص عليها شوية.
لحد ما نادى عليها بصوت واطي جدًا
"ربى..."
لفت له بسرعة، صوتها كان ناعم و على وشها علامات الاهتمام
"نعم؟"
أخد نفس عميق، وهو بيبعد عينه لحظة عن عيونها، وقال بهدوء
"شكراً."
ربى اتجمدت مكانها لحظة، سابت الفرشة في إيديها وبصت له بانبهار واضح، وقالت بدهشة
"شكراً؟ على إيه؟"
ابتسامة صغيرة طلعت على وشه، ابتسامة معتادة منه كل مرة يتفاجئ من رد فعلها اللي دايمًا بيضحكه، حتى لو هو مش ناوي يضحك. رجع وشه الهادي، وقال بصوت واطي
"عشان النهارده... عشان اهتمامك بعيلتي."
ربى اتسعت ابتسامتها من غير ما ترد بسرعة. جواها، حسّت إنها بتقرب خطوة زيادة من اللي كانت بتحاول توصله، بس اللي فاجئها فعلًا إنه اعترف بده بكل بساطة، ومن نفسه.
ردت بلطف
"ده واجبي... وبصراحة أنا اتبسطت جدًا بزيارتهم."
هز راسه بإيماءة بسيطة، واستدار على جنبه. ربى طفت نور الأباجورة، وسحبت الغطا، ومددت نفسها جنبه. الاتنين كانوا على السرير، بس كل واحد مدّي ضهره للتاني.
رغم تعبها من اليوم الطويل، عينيها ما كانتش عاوزة تقفل. يمكن لأنها عايزة تطمن، أو لأنها ببساطة حابة تتكلم
نادته بهمس
"ناجد... نايم؟"
جالها صوته وهو بيهمهم
"ممم؟"
ابتسمت، واستدارت ناحيته، وشها قدام ضهره، وقالت
"أنا اتفاجئت بالعم راغد… طلع شخص مرح فعلاً، ماكنتش متخيلة كده، كنت فاكرة هيكون زيّك، جاد وراسي."
جواها كانت بتفكر إنها بتتكلم لأول مرة مع والد ناجد بشكل فعلي، مش زي زمان، تحيات سطحية وبس…
دي أول مرة تحس إنها "جزء في عيلة"، مش "زوجة على الورق".
فضل ساكت لحظة، قبل ما يلف برأسه ويبص لها. نور القمر اللي داخل من الشباك كان كافي يورّي ملامحها الهادية والناعمة
رد عليها بنبرة فيها حنية
"هو زمان كان جاد… بس لما كبرت، بقى يهرّج كتير. هو بيحب يضحّك الناس ..."
ربى وضعت إيدها تحت خدها، وضحكت بخفوت وهي تقول
"بس بجد... هزارُه مضحك."
ناجد ابتسم، وقال بمزاح
"أنتي بس اللي ضحكتي على هزارُه... في البيت ما حدش بيضحك على نِكتُه، بس شكله شافك مبسوطة، فهيمزح أكتر وأكتر."
ضحكت ربى وقالت بدلع خفيف
"ماعنديش مانع."
سادت لحظة صمت، ووشوشهم بقوا قريبين جدًا، بيبصوا لبعض من غير تكلف. بعدها ابتدوا يتكلموا عن عيلته، عن تفاصيل صغيرة بتربطهم، عن الترابط اللي هي حست بيه النهارده، وقالتله
"أنت محظوظ بعيلتك... مترابطين، وبيحبوا بعض."
هز راسه بحزن بسيط، وقال بنبرة فيها شجن هادي
"مكنّاش كده في الأول... ماما نعيمة مش أمي الحقيقية. أمي سابتني وأنا لسه صغير. بابا اتجوز ماما نعيمة بعدين... وكانت أرملة وعندها سفير، أصغر مني بحاجة بسيطة."
ربى اتفاجئت اللي قالوا ماكنتش عارفاه رغم انها كانت مراته زمان زي دلوقتي . يمكن عشان ماكنتش مهتمة تعرف او تسأل .
حسّت إن في حاجة تقيلة نزلت على قلبها. بس ماحبّتش تتصرف على إنها بتتعاطف، بالعكس، ابتسمت بنعومة وقالت بمرح
"بس دلوقتي ربنا عوّضك... علاقتكم ببعض حلوة، واللي يشفكم يحسبكم كلكم من بطن واحدة."
ناجد تفاجأ من رد فعلها فكر انها هتقول انها اسفة او حاجة من الكلام ده لكنه ماعلقش . اما ربى فقربت منه شوية، وقالت بخفوت كأنها بتحكي سر
"عايز أقولك على سر؟"
بصلها مستغرب، وهز راسه وكأنه بيقوللها "قولي."
حاولت تمسك ضحكتها، وعملت نفسها جدية وقالت
"أنا كنت فاكرة إن عيلتك هتكون مرعوبة منك... بس بعد ما شفت أبوك بيحضنك كل شوية، اتصدمت."
ناجد تجمد للحظات قبل مايقوم ضاحك بصوت عالي خفيف، وهو بيهز راسه من غير تصديق، وهي كمان ماقدرتش تمسك ضحكتها، فضحكت معاه.
الضحك خف، وابتدت السواليف تكمل، من غير ما يحسوا. كلامهم جرفهم من موضوع للتاني. ربى كانت لأول مرة تسمع عن طفولته، عن أيامه الصعبة مع أبوه، عن الشقة اللي ماكانوش بيدفعوا إيجارها، عن الهروب من صاحب العقار، عن الأكل اللي كانوا بيقسموه على اتنين، عن الضحك في عز الفقر.
كانت سامعة، ومندهشة، ومبسوطة. عمرها ما فكرت تسأله عن حياته زمان.
مكنتش عايشة معاه، كانت عايشة على أطلال حياة مش راضية عنها، عمرها ما فكرت تتعرف على الراجل اللي شاركها اسمه.
ولأول مرة، حسّت إنها مش غريبة، وإنه مش غامض.
ابتدت تلمح جواه إنسان طيب، بريء، بسيط.
حد كان ممكن تعيش معاه زمان حياة كويسة لو كانت تعرفت عليه زي دلوقتي
ومع كل همسة، وكل ضحكة، وكل سر انقال، كانوا بيقربوا من بعض أكتر.
لحد ما النوم أخدهم، وهم حاسين بدفى غريب، وهدوء نادر.
كانوا قريبين اوي، لدرجة إنهم بقوا يتنفسوا بنفس الإيقاع، كأنهم واحد.
_____
عدّى أسبوع من يوم ما عيلة ناجد جت زارتهم، والبيت لسه محتفظ بصدى الضحك والهزار اللي كان ماليه. الأسبوع ده مرّ على ربى وكأنه طيّارة، كل يوم كان فيه حاجة بتخلي قلبها يدق أسرع، مش من توتر، لأ... من فرحة.
الصبح كانت بتصحى تجهز شنطتها وتروح الجامعة، وبالمساء ترجع تلاقي البيت فيه حياة. كانت بتحس إنها راجعة "بيت"، مش مجرد مكان بتبات فيه.
نعيمة، حماتها، بقت بتحب تقعد معاها في المطبخ، يتكلموا عن وصفات الأكل، ويتحكوا على مواقف من زمان.
وملاك، شقيقة ناجد، كانت دايمًا بتيجي أوضتها، تسألها عن لبسها، عن الكلية، وتحكي لها عن اجواء مصر اللي ماتغيرتش
الوحيد اللي ماكانش بيظهر كتير كان سفير عشان بقى يروح مع ناجد الشركة.
بس حتى كده، كانت بتحس إن وجوده في البيت، حتى لو ساعة واحدة، بيكمل اللوحة.
الجميل إن مافيش حد فيهم حسّسها إنها دخيلة أو غريبة.
بالعكس، كانت بتحس إنها منهم... إنهم بيحبوها، بيتعاملوا معاها كأنهم يعرفوها من سنين.
وهي كمان، من غير ما تحس، بدأت تفتح قلبها ليهم، مش عشان تِكسبهم، مش عشان تخطط للي جاي...
لكن لأنها فعلًا استمتعت. الجو العائلي، الدفا، القعدة حوالين السفرة، صوت ملاك وهي بتضحك على نكتة مافيهاش أي حاجة تضحك لابوها، نعيمة وهي بتحكيلها على أيامها مع أبو ناجد… كل ده كان حقيقي، بسيط، وبيطمن.
ومع الوقت، بدأت ربى تفتكر.
تفتكر حياتها الأولى معاهم، إزاي كانت بتقفل على نفسها باب أوضتها، تنام، تاكل لوحدها.
كانت بتقول لنفسها ساعتها إنهم بيتجاهلوها، إنهم مش طايقين وجودها.
لكن دلوقتي... دلوقتي بدأت تفكر
"هو أنا اللي كنت مأفولة؟ هو أنا اللي مكنتِش بدّيهم فرصة يقربوا؟"
بدأت تحس إنهم ماغلطوش فيها. يمكن ساعتها كانوا بيسيبوها على راحتها، زي ما كانت دايمًا بتطلب.
وهي فسّرت سُكوتهم إنه بُعد، وإنهم مش بيحبوها.
يمكن اللي حصل زمان ماكنش بسببهم... يمكن كانت هي السبب.
ولأول مرة، اعترفت لنفسها بده.
مش بلوم، لكن بفهم.
ولأول مرة، كمان، ماحسّتش إنها عايزة تهرب من ده...
بالعكس، حسّت إنها عايزة تكمل، وعايزة تعيش اللحظة دي، من غير حسابات.
كانت بتضحك من قلبها.
وبتحس إن اليوم اللي بيعدي معاهم، بيصلّح يوم قديم ضاع منها.
واللي كان غريب بجد...
إنها بقت مبسوطة، من غير ما تكون محتاجة تبرر السبب.
بس هي كانت حاسة، جواها، إن اللي جاي ممكن يكون أحلى.
______
كانت الساعة قربت على السابعة مساءً، البيت هادي وريحته فيها خبيز ناعم طالع من المطبخ، واضح إن نعيمة كانت بتجهز عشا خفيف كعادتها كل يوم مع المساعدة نهلة . الدنيا برد شوية، ونسمة هادية بتعدي من شباك الصالة المفتوح.
ربى خرجت من أوضتها، لابسة فستان قطن رمادي وبادي طويل فوقها بلون كحلي، وشعرها ملموم كعكة سريعة فوق راسها، ماكانش في نيتها تعمل حاجة غير إنها تنزل تشرب كوباية شاي وتطمن على العشا.
وهي نازلة من السلم، لمحت بعينها باب مكتب ناجد اللي في أول الممر مفتوح.
استغربت.
"غريبة... هو مش كان معايا فوق؟! قام من شوية وقال رايح يغيّر هدومه. إزاي الباب مفتوح؟"
نزلت درجة كمان، وقربت ناحية الباب بهدوء. كانت ناوية تقفله، مجرد كده، بس قبل ما تمد إيدها، لمحت حد جوا.
اتجمدت مكانها.
سفير.
كان واقف وسط المكتب، ووشه باين عليه توتر، بيقلّب في أوراق على المكتب بسرعة كأنه بيدوّر على حاجة مهمة جدًا.
ربى شالت حاجبها شوية، وسكتت.
ماقالتش ولا كلمة... بس نظرتها كانت صريحة جدًا:
"بتعمل إيه هنا؟"
سفير حسّ بيها، ورفع راسه فجأة.
كان باين عليه إنه ماكانش متوقع وجودها. اتوتر، اتحرج، وكأن لسانه اتربط لحظة، وبعدين قال بصوت حاول يخليه طبيعي
"آه... مساء الخير، ربى... أنا... كنت بدوّر على شوية أوراق... حاجات بتاعة الشغل يعني."
صوته كان مهزوز شوية، مش شبه طريقته المعتادة الواثقة، وكأنه بيخبي حاجة.
ربى ما ردّتش، فضلت بصاه له بنفس النظرة، مش عدوانية، لكن كلها تساؤل وريبة.
فجأة، سمعوا صوت خطوات نازلة على السلم.
ناجد.
كان لابس تيشيرت رمادي وبنطلون رياضي، شكله مريح، بس ملامحه لأ.
وشه كان متجهم، ونظراته أول ما وقعت على المشهد: أخوه في مكتبه، ومراته واقفة عند الباب، كانت كفيلة تخلي الدنيا تتكهرب.
واقف على أول السلم، وبصّ لهم بشك.
هو عارف إن أخوه مايغلطش، وعارف إن مراته مش من النوع اللي يتحط عليه علامة استفهام، لكن...
هو رجالة كده.
الغيرة مش دايمًا منطقية.
في حاجة في قلبه اتلسعت.
ومشي بخطوات تقيلة ناحيتهم، عينه ثابتة عليهم، وسأل بنبرة رخيمة بس فيها جمود
"في إيه؟"
ربى، أول ما شافته، وشها نوّر، ابتسمت تلقائي، مافيش في بالها حاجة
"ولا حاجة... سفير كان بيدوّر عليك، وسألني لو شفتك."
سفير بسرعة أومأ وهو بيعدّل وضعه
"أيوه، كنت بدوّر عليك فعلاً."
ناجد وقف قُدامهم، وفضل باصص لأخوه، وسأل من غير ما يغير نبرته
"بتدوّر عليا؟ ليه؟"
سفير اتحرج شوية، وبان عليه التوتر، وبص حوالينه كأنه بيدوّر على جملة تنقذه
"كان... كان في ورق ناقص من التقارير، وافتكرت يمكن يكون في مكتبك... بس واضح إني غلطان."
ربى حسّت إن الجو بقى مش لطيف، والعيون كلها مش مرتاحة، فقالت بابتسامة صغيرة
"طيب أنا هسيبكم تتكلموا براحتكم... هشوف ماما نعيمة في المطبخ عايزة حاجة؟"
ولحقت نفسها وخرجت، سايبة وراها سكوت غريب.
ناجد لسه باصص لسفير.
كان شكله بيسأل نفسه
"هو فعلًا كان بيدوّر على ورق؟
ولا في حاجة تانية؟
ولو حتى مافيش... أنا ليه مش مرتاح؟"
سفير اتنحنح، وبدأ يتكلم عالسريع
"كنت بفكر ناخد النسخ اللي على السيرفر، ونبدأ نشتغل على التقارير الجديدة. كلمت المحاسب، وقال إن ممكن نعتمد على النسخة القديمة مؤقتًا... بس يعني، محتاجين نجتمع بكره بدري."
ناجد سكت لحظة، وبعدين أومأ برأسه
"ماشي... نشوف بكرة."
وكل واحد راح في طريقه.
سفير طلع فوق، وناجد دخل المكتب، وقفل الباب وراه بهدوء.
لكن جوّه قلبه...
كان في نار صغيرة بتتكوّن.
اسمها: "غيرة لأول مرة."
_______
ليلة دافئة في بيت عيلة ناجد، بعد العشاء، الكل كان شبه مرتاح، كل واحد رايح لزاويته.
ملاك كانت في المطبخ واقفة قدّام الحوض، مرفعة كمّها وبتغني بصوت واطي وهي بتغسل الصحون.
ربى دخلت تلم الأطباق زي ما اتفقوا، الضحك بينهم، والجو بين البنات كان حلو.
في لحظة بسيطة كده، حست إن دي واحدة من الليالي اللي الواحد ما يحبّش تنتهي.
ربى خدت طبقين، وطلعت من المطبخ ناحيّة السفرة، بس وهي ماشية، كانت قرب الشرفة الجانبية.
الشرفة دي صغيرة، بابها شبه مفتوح، والستاير مزاحة شوية كأن حد طالع أو لسه داخل.
في الأول كانت ماشية عادي، لحد ما سمعت صوت... صوت رجولي بيتكلم في الموبايل.
ما وقفتش.
هي أصلاً مش من الناس اللي بتتصنّت على مكالمات، وبتحس دايمًا إن دي حاجة مش لطيفة.
لكن وهي بتعدي، كلمة واحدة وقفتها مكانها
"أوراق ناجد..."
كأن قلبها خبط في ضلوعها.
رجعت بخطوة بطيئة، قربت شوية بس من غير ما تدخل الشرفة، وقفت على طرف الحيطة، مافيهاش مجال تشوف اللي جوه، بس الصوت كان واضح.
نبرة الصوت... كانت نبرة سفير، شقيق ناجد.
كان صوته واطي، بس فيه توتر... حاجة مش مريحة.
سمعته بيقول
"أيوه، لقيت الأوراق بالضبط زي ما قلتلي... الأسعار مكتوبة كلها... صورتهم بالموبايل وهبعتهم لك..."
ربى رفعت حاجبها، قلبها بدأ يدق بسرعة.
"صور إيه؟ أسعار إيه؟! هو بيبعت صور من أوراق ناجد؟!"
حاولت تبرر لنفسها
"يمكن بينقلها لمشروع مشترك؟
يمكن بيشتغلوا مع بعض؟
يمكن ناجد عارف؟"
لكن كلام سفير كمل
"مش فاهم هتفيدكوا في إيه بصراحة، بس ماشي... أنا واثق فيك، خلينا نشوف."
"فيكوا؟" مين؟
مين اللي مع الشخص اللي بيكلمه؟
ليه بيتكلم بحذر؟
وليه بيقول إنه مش فاهم؟ "
كانت واقفة ساكتة، مش قادرة تبلع ريقها.
جواها حاجة اتفتحت فجأة. شعور مش واضح، لا هو شك كامل ولا هو ضيق.
بس هو مزيج من الخوف، والقلق، والريبة.
نظرت حواليها، الشرفة فاضية، بس النور لسه شغّال.
سفير لسه جوه، صوته بدأ يوطي أكتر، كأنه بيقفل المكالمة.
قبل ما يتحرك، رجعت ربى خطوتين بسرعة، وراحت على السفرة لمّ الباقي كأن ماحصلش حاجة.
بس جواها، الدنيا مابقَتش زي الأول.
رجعت المطبخ بالأطباق، وملاك أول ما شافتها، بصّت لها بإبتسامة
"إيه ده؟ اتأخرتي كده ليه؟ أنا كنت هغسل كبايات الشاي كمان!"
ربى حاولت ترسم ابتسامة على وشها
"اتأخرت؟ لا... بس كنت سرحانة شوية."
ملاك ضحكت
"سرحانة؟ في إيه؟ حلو السرحان بعد الأكل، بس ده وقت شغل، عشان نشرب شاي سوا بعدين."
ربى ضحكت برقة، لكنها كانت ضحكة فاضية،
عينها فقدت لمعتها لحظة، قلبها مشغول... عقلها مليان صوت سفير، وجملته الأخيرة
"أنا واثق فيك... نشوف."
بس في إيه؟
وليه يحس بالتردد لو كل حاجة تمام؟
ليه يخبي؟
وليه كان بيقلّب في أوراق ناجد النهاردة؟
ربى كانت طول الوقت حريصة تبعد عن التدخل، عن تغيير مجرى الأحداث اللي ماتخصهاش ، لكن دلوقتي حست إن القدر نفسه جايبها علشان تشوف الموقف ده.
هل ده معناه إن فيه حاجة في طريقها هتتغير؟
هل دي الفرصة اللي ممكن تحصل فيها كارثة؟
ولا هتبقى مجرد شاهدة صامتة ومش هتتغير حاجة؟
مسحت إيديها في المريول، وساعدت ملاك تسند الصحون النظيفة،
بس عقلها... كان في الشرفة، مع سفير، ومع الصور اللي تصورّت،
ومع إحساس غريب، أول مرة تحس بيه، بيقولها
"في حاجة غلط."