الفصل الأخير الانتقام و النور
سكونٌ غريب خيّم على القصر… لا ضوضاء، لا ضحكات أريان، لا مشاكسات الطيف، لا دفء ذلك القلب الذي كان يُشع أملاً في أوقاتٍ حتى الموت فيها بدا خيارًا أسهل.
وقفت رحمة أمام بوابة القصر، والدموع تتسابق في عينيها، ليست فقط دموع الحزن على من فقدت… بل دموع من لم تتمكن من قول "أحبك" كما أرادت، من لم تلحق أن تحتفظ بحضنه الأخير.
وفي الخلف، جلست أم أريان، مكسورة الظهر، ترتدي ثوبًا بسيطًا أسودًا، لا يليق بمقامها كأم مستشار المملكة، لكنّه يليق بمصابها… ابنها، نبضها، قُطع أمام أعينها دون أن تقدر على إنقاذه.
أما رايفن وليانا، فكانا أكثر هدوءًا… لكن ليس لأن الحزن أقل، بل لأن العزيمة أصبحت أقوى. كانا يعلمان أنّ أريان لم يمت حقًا… لا يمكن لذلك الذي أضاء دروب الجميع أن يُنسى بسهولة.
> "لازم نبدأ نتحرك، مش هنسيب اللي حصل كدا يضيع،"
قالها رايفن وهو يضغط على قبضته، يوجه نظره نحو القصر الذي كان يومًا بيتًا لذكرياتهم.
ليانا تنهدت، ثم نظرت له بتعب:
> "أنا مش عاوزة انتقام… بس عاوزة الناس كلها تعرف أريان كان إيه… عمل إيه… وضحّى بإيه."
هزّت رحمة رأسها ببطء، وقد جفّت دموعها وتحولت إلى نار تشتعل في القلب:
> "هنبدأ من الشهود، من الناس اللي ساعدهم… من اللي أنقذهم… من اللي كانوا موجودين في لحظاته الأخيرة… ونخلّي كل كلمة قالها تكون سيف على رقبة زيرون."
وهكذا بدأوا.
---
لم يكن الأمر سهلاً… لكن الشهادات بدأت تتجمّع، من الجنود الذين شكّوا في أوامر زيرون، إلى الخدم الذين سمعوا همسات عن مكائد في الظلام.
ظهر شاهدٌ خفي — أحد الجنود الذين كانوا شهودًا على اتفاق زيرون السري مع مملكة لوسينا — وأدلى بشهادته في الخفاء.
ثم ظهر السلاح الحقيقي…
خطابٌ بخط يد أريان، كتبه قبل رحلته الأخيرة مع رحمة، وكأنه كان يعرف أن النهاية تقترب. وكتب فيه:
> "إذا متُّ، فلا تجعلوا موتي صمتًا… بل بداية لصوت جديد… للحق، للرحمة، للسلام.
فإنّي لم أحمل سيفًا لأقتل… بل لأحمي.
وإن أحببت… فقد أحببت وطنًا، وأمًا، وأصدقاءً، ووجهًا من نور… اسمه رحمة."
اجتمع الناس، وخرجت الحقيقة إلى النور، في الساحات والميادين.
هتف الشعب باسمه: "أريان! أريان!"
وسقط زيرون، بعد أن انقلب عليه من وثقوا به يومًا.
وسُجِن، وأمره الشعب بمواجهة العدالة التي هرب منها طويلًا.
وقفت رحمة أمام العرش، مرتدية زيًا ملكيًا بسيطًا، وعيونها دامعة.
أم أريان وضعت التاج على رأسها، وسط تصفيقٍ من الناس، وابتسامات من الأصدقاء.
همست ليانا لرايفن:
> "فاكر لما قلتلي الحب مش وقته؟ يمكن كان لازم الوقت ده عشان نعرف قيمته."
ابتسم رايفن، وقال بهدوء:
> "وأنا عرفت قيمتك، مهما طال الوقت."
وهي، لأول مرة، ابتسمت له دون تردد:
> "وأنا كمان."
اجتمعوا عند قبره، في ذلك المكان الهادئ المليء بالورود.
رحمة وضعت وردة بيضاء، وهمست:
> "أنا لسه بحبك… ومش هنسى أبدًا."
الطيف، الذي لم يسمعه أو يره أحد، جلس بجانبه… وهمس لأريان:
> "عملتها يا صاحبي… حلمك كمل، حتى بعد ما رحلت."
ثم رفع بصره للسماء وقال:
> "اللي زيه ميموتش… بيفضل حي في قلوبنا… في ضحكاتنا… وفي كل مرة نختار فيها الحق بدل الخوف."
انتهى الفصل… وبدأ عهد جديد.
بعيدًا عن أريان الجسد… قريبًا من أريان الروح، الذي لم يرحل أبدًا.
تم بحمد الله
بقلم محمود عبد الظاهر