العرش المسموم
السماء كانت تمطر ليلًا، كأنها تبكي على المملكة التي فقدت قلبها الحقيقي.
في أحد أزقة العاصمة المهجورة، كانت أقدام أريان تلامس الطين بصمتٍ ثقيل، يتلفت حوله بينما عباءة رمادية تخفي ملامحه، وقلبه يضج بالأسى والخوف على ما حلّ ببلاده… وعلى من يحب.
كان كل شيء قد تغير.
منذ تلك الليلة…
الليلة التي سقط فيها الملك، وسقط معها كل شيء.
زيرون — صديقه القديم، والعدو الكامن — أمسك بالحكم كما كان يخطط دومًا، بخطوات ناعمة وكلمات معسولة، حتى انقلب على الجميع، حتى على من رباهم معه.
صرخات الجنود في الشوارع، صور أريان تُعلق كخائنٍ عظيم، مكافأة معلنة لكل من يدل عليه حيًا أو ميتًا.
وكانت المملكة… صامتة.
"هل تظنه سيبحث عنا هنا؟" — قالتها رحمه بصوت خافت، وهي تقف خلفه، يديها ترتجف من البرد والخوف.
التفت إليها أريان، وقد بدا عليه الإنهاك، لكنه أجبر نفسه على الابتسام:
"زيرون لا يكل، ولا يرحم… لكنه لا يعرفني كما يظن."
اقتربت منه خطوة. كانت عيناها تلتمعان في ظلال الليل.
"لِم كل هذا من أجلي؟ أنت تخاطر بكل شيء… حياتك، أصدقاؤك، وطنك."
تنهد أريان، نظر إلى السماء، ثم همس كمن يهمس بحقيقة كتمها طويلًا:
"لأنك علمتني ما لم تعلمني إياه الحروب… أن هناك ما يستحق أن أعيش لأجله، لا فقط أن أموت من أجله."
كان الطيف يراقبهم بصمت، واقفًا على جذع شجرة ميتة. رفع حاجبيه وقال في سخرية خفيفة:
"لو كنتما أقل شاعرية بقليل، لكنّا في مأمن منذ ساعتين."
ابتسمت رحمه، رغم التعب، وأخفضت رأسها.
لكن اللحظة لم تطل.
فجأة…
ارتفعت أصوات الخيول… اقتربت مشاعل… وصوت قائد عسكري يصرخ:
"فتشوا المكان! أريان قد شوهد هنا!"
شد أريان يد رحمه، وهمس:
"اركضي… إلى الغابة، سألهيهم!"
"لا! مش هسيبك!" — تمسكت بيده بقوة.
لكن الطيف اقترب منهما بسرعة:
"فيه مخرج صغير في الجهة الغربية من التل، لو تحركتوا دلوقتي ممكن تلحقوا."
بقيت عيناهما معلقتين ببعض لحظة، وكأن العالم توقف.
ثم انطلقا معًا، يُلاحقهم الخطر من كل زاوية.
---
في القصر الملكي…
جلس زيرون على العرش الجديد، المصنوع من الحديد والنار.
القاعة مليئة برجاله، لكنه بدا وحيدًا.
ورقة صغيرة في يده، وعليها اسم: أريان.
تمتم لنفسه:
"كنت أعلم أنك لن تموت بسهولة… لكني سأجعل موتك أسطورة."
---
في مكان آخر…
كان رايفن يقف بجانب ليانا، وجبينه متجعد من القلق.
"أقسم إننا لازم نلاقيه… أريان مش خائن، والملك الحقيقي هو اللي بيخاف على شعبه، مش اللي يبطش بيهم."
نظرت ليانا إلى الأفق، وقالت بهدوء، لكنها بعينين مضطربتين:
"لو قدرنا نوصله… لازم نخطط لثورة مضادة. الشعب مش هيسكت كتير."