ابتعاد ثم نار العوده
الهواء كان أثقل من المعتاد. النسيم فقد رقّته، وكأن الغابة التي شهدت رقصة القمر أصبحت الآن غابةً للصمت والخذلان.
كانت رحمة تسير وحدها، خطواتها متعثرة، والدموع عالقة بين رمشٍ وندم. منذ الليلة الماضية، منذ تلك النظرة الطويلة من أريان بعد الرقصة... شعرت بشيءٍ لا تقدر على احتماله.
أهو خوف؟
أم عتاب على قلبها الذي بدأ يضعف؟
أم مجرد ألم ذكرى لبيتٍ لم يعد موجودًا، ووطنٍ تحول إلى رماد؟
"أنت مش فاهم، أريان… مش قادر تفهمني!"
هكذا صاحت عليه ليلتها حين حاول الاقتراب أكثر.
ابتعدت عنه، وقررت أن تترك المخيم السري وتبتعد قليلًا… ولكن المسافة كانت خطأ قاتل.
---
لحظة الأسر
لم تمر ساعة حتى وجدت نفسها محاطة بمجموعة من الرجال، وجوههم ملثمة، وسكاكينهم لامعة، وعيونهم مملوءة بالجشع.
"شايفين؟ بنت ملوك… دي تساوي ذهب!"
قال أحدهم وهو يمسك بذراعها بعنف.
قاومت، صرخت، حاولت الهرب… ولكنهم قيدوها، وسحبوها معهم إلى أحد الكهوف المهجورة على أطراف الغابة.
في نفس اللحظة، كان أريان يجلس وحيدًا على جذع شجرة، صامتًا، لكنه لم يكن هادئًا.
كان يشعر بشيء يخزه في قلبه... إحساس بالخطر.
"رحمة... فين؟ ليه اتأخرت؟"
همس لنفسه.
ثم جاءه الطيف، قافزًا من شجرة لشجرة وهو يصيح:
"أريان! اتخطفت! شفتهم ساحبينها! لازم نتحرك حالًا!"
قفز أريان من مكانه كأنه سهم أُطلق. عينيه اشتعلتا كأن كل مشاعره عادت لتشتعل من جديد.
"محدش هيقرب منها… طول ما أنا حي."
وصل إلى الكهف متخفيًا. راقبهم من بعيد. كانو ستة. مسلحين.
لكن قلبه... كان أقوى.
تسلّل. ضرب الأول بخنجر الطيف الذي ظهر من الهواء فجأة، ضحك وقال:
"كنت وحشتني حركات الأكشن دي!"
تحرك بسرعة البرق. ضرب الثاني والثالث.
واستدرج الرابع لطعنة وهمية، ثم قفز على الخامس وأفقده وعيه.
السادس؟ هرب مذعورًا وهو يصرخ:
"دا جني! جني بيطير!"
ثم دخل إلى الكهف.
كانت رحمة جالسة على الأرض، يداها مكبلتان، وجهها ملطخ بالدموع والتراب.
فتح القيد ببطء، ثم قال بصوت خافت:
"أسف… كنت المفروض أمنعك تمشي لوحدك. بس… كنت خايف أقرّب زيادة فتبعدي أكتر."
نظرت إليه بصمت، ثم… بكت.
بكت كما لم تبكِ من قبل، وألقت رأسها على صدره.
قالت وهي ترتجف:
"أنا… كنت خايفة من اللي ببدأ أحس بيه… مش منك. منك بالذات كنت حاسة بالأمان."
ربت على شعرها، وهمس:
"ابقِ قريبة… أرجوكِ."
---
في القصر:
في جناح داخلي من قصر المملكة، كان رايفن يقف أمام ليانا، عينيه ممتلئتان بشجاعة طال انتظارها.
"أنا… بحبك، ليانا. من زمان. بس دايمًا كنت ساكت… علشان شايف إن أريان مهم ليكي. بس دلوقتي... لازم أقولها."
سكتت ليانا، نظرت إليه طويلًا، ثم قالت بهدوء: "رايفن… أنا مقدرة كل كلمة قلتها. بس… مش قادرة أرد عليك دلوقتي. الوضع حوالينا مرعب. والمشاعر دي… مش وقته. مش وأنا مش عارفة حتى بكرة هنعيش ولا لأ."
ابتسم بمرارة، وقال: "فهمت... بس على الأقل بقيتي تعرفي."
---
خلف الأبواب المغلقة:
زيرون كان يُمسك بخريطة جديدة، وعلامة حمراء تحيط بموقع يُعتقد أن أريان فيه.
ابتسم ابتسامة خبيثة وقال: "كل خطوة ليه… برصدها. والمملكة؟ خلاص بدأت تشك. خطوة كمان، وهتقع كل أوراقه."
ثم التفت لقائده وقال: "استعد… لازم نتحرك قبل ما يسبقنا
في الغابة، عاد أريان ورحمة للطريق، يدًا بيد.
وفي قلب كلٍ منهما… لمعة لم تكن موجودة من قبل.
لكن خلف الأشجار… طيف كان ينظر إليهما ويهمس:
"دي لسه البداية… والقمر هيشهد على حاجات أكبر."