رقصه تحت القمر
كانت السماء صافية على غير عادتها، والقمر ناصعًا كأنّه جاء خصيصًا ليشهد على شيءٍ لا يتكرر كثيرًا في عُمر القلب. أريان كان يسير ببطءٍ إلى جوار رحمة، بين الأشجار المتراقصة على أنغام النسيم، والطيف يلوّح لهما من فوق غصنٍ عالٍ ضاحكًا:
"الجو دا مش بيتساب كده... دا بيتكتب فيه قصائد حب!"
ضحك أريان بخفوت، لكن داخله لم يكن ساخرًا. كان هناك شيء يتغيّر... شيء لا يفهمه تمامًا. قلبه الذي ظل صامتًا طوال سنوات، بدأ ينبض بإيقاعٍ غريب، كأنّه يستجيب لابتسامة رحمة، أو لطريقتها في النظر إليه عندما تتكلم... بنظرة لم يرَ فيها عداوة، ولا خوفًا، بل دفء نقي.
توقفت رحمة فجأة وسط مساحة خالية من الأشجار، حيث انكشفت السماء، وقالت بابتسامةٍ خجولة: "عارف... أول مرة من سنين أحس بالأمان زي كده... وبالرغم من كل اللي بيحصل حوالينا، اللحظة دي... حقيقي مش عاوزاها تخلص."
أريان نظر إليها طويلًا، ثم رفع نظره للقمر، وسأل نفسه بصمت:
هل هذا هو الحب؟
هل هذا هو ما كان يهرب منه، ويظن أنه لا يحتاجه؟
أم أنه كان ينتظره في هيئة فتاة من مملكة الأعداء، تختبئ خلف عينيها قصة وجعٍ يشبه وجعه؟
اقترب منها ببطء، مد يده وقال: "هترقصي؟"
نظرت إليه بدهشة: "في وسط الغابة؟"
رد وهو يضحك: "القمر شاهد... والطيف عزّال موسيقى."
فجأة، الطيف قفز من على الغصن، ومد يديه في الهواء: "دقيقة، هديكم موسيقى، استنوا عليا..."
وبدأ يقلد صوت الناي، وصوت الطبول، ويردد نغمات مرحة بطريقة مضحكة، جعلت رحمة تضحك من قلبها. أمسكت يد أريان بخجل، وبدأا يدوران ببطء، خطوات بسيطة، رقيقة... كأن الوقت توقّف احترامًا للحظة.
رقصا بلا كلمات، فقط العيون كانت تتحدث، والأنفاس تهمس، والقلوب تنبض بقوة…
وبينما كانت هي تضع رأسها برقة على كتفه، همس أريان في نفسه: "ليه؟ ليه لما بكون جنبك بحس إن في حاجة بتتغير جوايا؟"
لكن السكينة لم تدُم.
---
في القصر:
كان زيرون يجلس في غرفةٍ مضاءة بنور الشموع، وأمامه خريطة كبيرة للمنطقة المحيطة. أشار إلى موقع الغابة وقال لقائد وحدته الخاص: "هو هناك. أنا متأكد. ما كانش هيسيب البنت تهرب لوحدها… ورايفن بيغطي عليه، وليانا اختفت فجأة، والمستشارة اسيا مش بتتكلم كتير اليومين دول… كلهم بيخبّوا عليه."
ثم ضرب الطاولة بيده: "بس مش هتفضلوا كده. قريب جدًا، كل الأوراق هتقلب… والمملكة هتعرف إن اللي كانت بتثق فيه… خانها."
---
رايفن وليانا:
كان الاثنان يتحركان في صمتٍ داخل القصر، يتبادلان رسائل سرية مع المستشارة اسيا، التي تحاول بكل جهدٍ تهدئة الأمور عند الملك، دون أن تكشف كثيرًا.
قال رايفن هامسًا: "لو زيرون عرف مكانه، مش بس هيقتله… ده هيتهمنا كلنا."
ردت ليانا بقلق: "أنا عارفة… بس أريان مش خائن. وعمري ما شفته بيحس بحاجة زي كده. البنت دي… غيرته."
ثم ابتسمت بسخرية: "بس ياريته يعرف اني كنت بحبه بقدر حبها ليها."
قال رايفن بصوتٍ منخفض: "هو عارف… بس واضح إن قلبه بدأ يسمع للمرة الأولى."
كانت رقصة الغابة انتهت، وهدأ الطيف، وجلس بجوار شجرة يصفق لنفسه بفخر. أما أريان، فكان ينظر لرحمة وهي تبتسم له تحت ضوء القمر، ثم قال في نفسه: "هفضل جنبك… حتى لو العالم كله ضدي."
لكن في الأعماق… كانت خطوات زيرون تقترب، ومع كل لحظة… كانت الأرض تهتز، والسماء تراقب.