صراع الحب - طريق الاعتراف - بقلم محمود عبد الظاهر - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: صراع الحب
المؤلف / الكاتب: محمود عبد الظاهر
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: طريق الاعتراف

طريق الاعتراف

كان الليل قد بسط عباءته على الغابة، والدروب الملتوية أمامنا لا ترحم خطانا. سكون الغابة كان يخترقه فقط وقع أقدامنا، وهمسات الريح التي تتسلل بين الأشجار. كنت أمشي وأنا أنظر أمامي، ولكن عقلي كان في مكانٍ آخر. بجواري كانت تسير رحمـه، صامتة ولكن ملامحها تنطق بالكثير. قال طيفي - الذي لم يكن أحد يراه أو يسمعه سواي - وهو يتقافز على أحد الأغصان: "هو انت كدا هتفضل ساكت للصبح؟ يعني شايفك بتبصلها وانت مبرجل، بس ساكت؟ يا سلام يا أريان، ده انت فارس الغرام، مش بس فارس المملكة!" نظرت له بحدة دون أن أتفوه بكلمة، لكنه فقط ضحك بصوته الخافت وتلاشى وسط الظلال. رحمـه نظرت لي فجأة وقالت: "أحياناً... السكون بيبقى أهدى من أي كلام، بس برضو صعب." رفعت حاجبي بدهشة فسألتها: "تقصدِ إيه؟" ابتسمت بخفة وقالت: "قصدي إنك ساكت من ساعة ما مشينا، ومعرفش إذا كنت بتفكر في الهروب ولا فيّ." ابتسمت ابتسامة باهتة وقلت: "أنا بفكر في اللي اتنين... وبصراحة، أكتر حاجة بفكر فيها دلوقتي... انتي." توقفت رحمـه عن المشي لوهلة، نظرت إلي بعينين فيهما مزيج من الدهشة والخجل، ثم قالت بصوتٍ خافت: "هو في حد ممكن يهرب مع واحدة معرفهاش، غير لو كان قلبه... حس؟" نظرت لها طويلاً، ثم قلت: "أنا مش فاهم قلبي، بس أول مرة أحس بالهدوء وأنا في حضرة شخص... يمكن انتي غير." جلست على صخرة قرب جدول ماء صغير، فأشرت لها بالجلوس وقلت: "إحكيلي عنك... عن بيتك، عن حياتك، عن كل اللي فقدتيه." بدأت تتحدث، بصوتٍ متقطع، عيناها تترقرق فيهما الدموع وهي تحكي عن والدها الذي تم أخذه أسيرًا، عن أمها التي لا تعلم إن كانت حية أم لا، عن إخوتها الصغار الذين اختفوا في الفوضى. كنت أنصت وأنا أشعر أن قلبي يتمزق من الداخل، إحساس بالذنب بدأ يخترقني كسهم مسموم، هل كنت أنا أحد أسباب ألمها؟ هل نصرنا كان ثمنه دمار حياة فتاة مثلها؟ قالت رحمـه: "أنا كنت بكرهك... كنت بكره كل اللي من مملكتك. بس دلوقتي، معرفش ليه مش قادرة أشوفك كعدو." نظرت لها، ثم قلت بصوتٍ مشوش: "الحب بالنسبالي كان كلمة في الكتب... كنت بفتكر إنه ضعف. إنما دلوقتي، مش متأكد. يمكن الحب هو إنك تلاقي شخص، يربك حساباتك، يخليك تتراجع عن خططك... بس مش تندم." صمتنا قليلًا، ثم سألَتني: "وانت؟ احكيلي عنك، عن طفولتك، عن أحلامك." تنهدت بعمق، وقلت: "كنت طفل وحيد، دايمًا بحاول أثبت نفسي، أتفوق على كل التوقعات... كل حاجة كانت مجرد درجات في سلم السلطة. بس عمري ما حسيت إني عشت فعلاً، لحد دلوقتي. يمكن الهروب ده، هو أول قرار خدت فيه قلبي معايا مش بس عقلي." ضحكت رحمـه وقالت: "يعني مش بس فارس... ده طلع عندك قلب كمان." ضحكت معها، لأول مرة من قلبى. وقبل أن نكمل السير، همس طيفي في أذني: "شكلك هتغرق يا أريان... بس ما تقلقش، أنا جنبك. حتى لو معرفتش تسبح." ومضينا في الطريق... لا نعرف ما ينتظرنا، ولكننا نعرف أننا لسنا وحدنا.