صراع الحب - ضوء فى العتمة - بقلم محمود عبد الظاهر - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: صراع الحب
المؤلف / الكاتب: محمود عبد الظاهر
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: ضوء فى العتمة

ضوء فى العتمة

لم تكن تلك الليلة كباقي الليالي. الغابة التي اعتدتُ السير فيها مع طيفي بدت أكثر هدوءًا من المعتاد، حتى بدا لي أن الأشجار تحبس أنفاسها، والأرض تتنفس ببطء. كنت أمشي بخطى هادئة، وطيفي يثرثر كعادته، يقفز بين الأغصان ويقاطع أفكاري بتعليقاته الساخرة: "أتعلم، أريان؟ لو كنت في مكانك لتركت كل شيء وذهبت أعيش في هذا المكان! الأشجار هنا أذكى من بعض الفرسان الذين أعرفهم." ضحكت دون حماس، لكنني توقفت فجأة حين سمعت صوت حركة خفيفة، كأن أحدًا يختبئ بين الشجيرات. رفعت يدي للطيف كي يصمت، وتقدمت بخطى حذرة حتى لمحتها. كانت تجلس على الأرض، ضامّة ركبتيها إلى صدرها، ووجهها المغطى بشعرها الأشقر المهمل يرتجف. نظراتها لم تكن نظرات فتاة ضائعة... بل كانت نظرات من نجا بأعجوبة. سألتها بلطف وأنا أقترب: "أنتِ بخير؟ لا تخافي، لن أؤذيك." رفعت رأسها ببطء، وعيناها كانتا أكثر حديثًا من كلماتها المرتعشة: "أنا من... من لوسينا... رجاءً، لا تسلمني... هم سيقتلونني... كما قتلوا غيري." لم أجب. للحظة شعرت أن الهواء انقطع عن صدري. مملكة لوسينا. نحن من هزمناهم. نظرتُ إليها، وجدتُ في ملامحها ارتباكًا وخوفًا وضعفًا... لكنها كانت جميلة... بشكل لم أرَه من قبل. مشاعري لم تكن حبًا. لم تكن انجذابًا حتى... لكنها كانت ارتياحًا غريبًا لم أفهمه. اقتربت منها أكثر، وقلت بهدوء: "لن أؤذيك. أنا أريان... وسآخذك لمكان آمن." أومأت برأسها، فوضعت عباءتي فوق كتفيها وساعدتها على الوقوف. طيفي كان صامتًا للمرة الأولى. عدنا للقصر سرًا. لم أخبر سوى أمي، وليانا، ورايفن. جلسنا في جناحي الخاص، وأحضرت لها الطعام والماء، وبعد ساعات من الراحة بدأت تحكي. اسمها: رحمه. حكت لنا عن مصير سكان لوسينا بعد الهزيمة، عن الأطفال الذين سُحبوا من أمهاتهم، والرجال الذين بيعوا كالعبيد، عن والدتها التي صُفّدت أمام عينيها، وهروبها بأعجوبة من الأسر. كنت أستمع وأنا أشعر بشيء يحترق في داخلي. هل فعلنا هذا؟ هل كانت هذه نتيجة نصري؟ شعرتُ بغصّة. للحظة تمنّيت لو خسرنا. في تلك الليلة، بعد أن نام الجميع، جلست مع طيفي عند النافذة. قال لي: "أحيانًا، أريان... النصر لا يُقاس بعدد الأعداء الذين هزمتهم... بل بعدد الأرواح التي أنقذتها." نظرت إليه صامتًا، ثم همست: "سأعيدها إلى وطنها... مهما كلفني الأمر." في الصباح، ناقشت الأمر مع رايفن وليانا. اعترضوا، خافوا عليّ، حاولوا إقناعي أن ذلك قد يُعد خيانة، لكن قراري كان قد اتخذ. ليانا، رغم غيرتها، قالت بصوت مرتعش: "أنت تعلم ماذا يعني هذا؟ ستفقد كل شيء." "أفضل أن أفقد لقبي... من أن أفقد إنسانيتي." كنت أظن أننا وحدنا. لكن في آخر الممر، حيث كان الظل كثيفًا... كان زيرون يقف صامتًا، يراقب، ويبتسم ابتسامة تحمل نذير خطرٍ لا نعلمه بعد... يتبع........