صراع الحب - اللقاء المنتظر - بقلم محمود عبد الظاهر - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: صراع الحب
المؤلف / الكاتب: محمود عبد الظاهر
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: اللقاء المنتظر

اللقاء المنتظر

كانت النسائم تعبث بردائي وأنا أسير في طرقات العاصمة القديمة، أنظر إلى الناس وهم يحتفلون بانتصارنا. رأيت أطفالًا يركضون بأعلام المملكة، وأمهات يوزعن الخبز والماء على الجنود العائدين. رغم كل شيء، قلبي كان يشعر بفراغ لا يملأه النصر. فجأة، بينما أمرّ بأحد الأزقة الضيقة حيث يمتزج عبق الياسمين برائحة الخبز، لمحت وجهًا مألوفًا. توقفت، حدقت، ظننت أنني أتوهم. صوت داخلي همس: "أريان... تلك... تلك أمك." اتسعت عيناي، خطوت خطوات مترددة، ثم ركضت نحوها. كانت تبيع بعض الأعشاب الطبية في أحد الأكشاك البسيطة، ترتدي عباءة رمادية تخفي ملامح الزمن، لكن عينيها... تلك العيون التي لطالما حلمت أن أراها. "أمي؟" نطقتها بصوت مرتعش، بالكاد خرج من حلقي. توقفت هي عن ترتيب الأعشاب، نظرت إليّ، جفلت، ثم حملقت في وجهي طويلًا... كانت الصدمة تسيطر على ملامحها، ثم تهاوت الدموع من عينيها. "أريان... أهذا أنت حقًا؟" لم أجب، بل رميت نفسي في حضنها، وانفجرت بالبكاء كطفل صغير عاد إلى حضن الأمان بعد سنوات التيه. "أين كنتِ؟ لماذا تركتني؟ قالوا إنك متِ! دفنوكِ...!" أخذت تمسح دموعي بكفها المرتجف، وهمست بصوت متهدج: "لم أتركك بإرادتي، لقد أُخذت قسرًا. كانت مؤامرة... لم أستطع حتى أن أودّعك، خطفوني حينها بحجة الخيانة، وأجبروني على الاختفاء." "ولكن لماذا لم تعودي؟! لماذا كل هذا الصمت؟!" أطرقت رأسها، ثم رفعت عينيها نحوي وقد امتلأتا بالدموع: "كنتُ أتابع أخبارك من بعيد، يا بني. كنت أراك تكبر، وتنجح، وتصبح من كنت تحلم أن تكونه. لكنني خفت أن يكون ظهوري خطرًا عليك... خفت أن أفقدك مرة أخرى." أخذت يديها بين يديّ، وقلت بانفعال: "لا يهمني شيء الآن. لا الخطر، ولا العواقب. أنتِ أمي، وهذا وحده يكفي." اقترب رايفن في تلك اللحظة، وقد رأى المشهد من بعيد، ثم وقف بصمت يحترم اللحظة. "رايفن، هذه... هذه أمي." انحنى لها احترامًا، وقال: "سعدت بلقائكِ، سيدتي. لقد ربيتِ أعظم رجل عرفته المملكة." ابتسمت والدتي بحياء، ولمعت دمعة في عينيها، ثم التفتت إليّ: "أريان... أتعِدني؟ ألا تتركني مجددًا؟" وضعت يدي على قلبها، وقلت: "أعدك... لن تفرّقنا قوة في الأرض بعد اليوم." صمتت اللحظة، وشعرت كأن الزمن توقف، ثم استدرت نحو السماء، وكان القمر يضيء بلطف، وكأنه يشهد لقاءً كُتب له أن يحدث رغم كل المستحيلات. --- في المساء، جلست مع أمي في غرفتي، وأخبرتها عن كل شيء: عن الأكاديمية، عن ليانا، عن رايفن، عن الطيف الذي لا يراني سواه، وعن صراعي الدائم بين الواجب والحلم. وكانت تستمع إليّ بعينين دامعتين، وفخر لا يخفيه الزمن. قالت لي في نهاية الحديث: "لقد خُلقت لتقود يا أريان... لكن لا تنسَ أن القلب أحيانًا، هو من يقود العقل." أومأت، وقبلت يدها، ثم غلبني النعاس، ونمت للمرة الأولى منذ سنوات، على صوت أمي تدعو لي، وتمسح على رأسي كما كانت تفعل في الماضي...