اغصان حزينه
بين أروقة القصر الملكي، خيّم الصمتُ المهيب، فقط خطوات الجنود وهدير طبول التنبيه كانت تقطع السكون. أريان، مستشار الملك والذراع الأيمن له، وقف أمام خريطة ضخمة تمتد على الطاولة أمامه، وعيناه تتنقلان بثبات بين حدود مملكته "إيليريا" ومملكة العدو "لوسينا".
في غرفة الاجتماعات الكبرى، جلس أعيان المملكة وقادة الجيش، وإلى جانبهم صديقيّ المخلصين: رايفن، ذلك الشاب القوي مفتول العضلات ذو القلب الخفيف والابتسامة العابثة، وليانا، الصديقة العنيدة سريعة الغضب التي رغم صرامتها كانت تحمل وفاءً لا مثيل له.
دخل الملك في وقاره وهيبته، وجلس على مقعده المزخرف، ثم قال بصوتٍ هادئ:
"لقد حاولنا المفاوضات مرارًا، لكن لوسينا لا تسعى للسلام، بل للهيمنة. أريان، ما الخطة؟"
تنفّست بعمق، ونظرت للجميع:
"سنقسم الجيش إلى ثلاثة فرق رئيسية. الأولى بقيادة الجنرال كادور ستهاجم من الشمال، حيث أقل الدفاعات. الثانية بقيادة رايفن ستنفذ مناورة التفاف من الشرق، حيث الغابات تمنحنا غطاءً ممتازًا. أما الثالثة، فستكون بقيادتي أنا، وهدفنا صد الهجوم المباشر من الجنوب وإجبارهم على ترك موقعهم الدفاعي."
نظر لي رايفن وهو يعض شفته العليا:
"وأين ستكون ليانا في الخطة؟"
أجابت ليانا بنفسها، وعيناها تتقدان حماسًا:
"سأقود الكتيبة السحرية، ونستهدف نقاط إمدادهم السحرية. إن دمرناها، سيفقدون تفوقهم علينا."
ضحك رايفن ساخرًا:
"بس يا ترى مش هتنفجري وإنتي بتزعقي على العدو؟"
نظرت له ليانا بحدة، ثم رمقته بنظرة قاتلة، وضحكنا جميعًا.
بعد الاجتماع، خرجت مع طيفي، الذي لا يراه ولا يسمعه أحد سواي، وسار إلى جانبي كعادته وهو يتأمل السماء:
"عارف يا أريان، أنت بتكبر بسرعة. كنت فاكر أول يوم في الأكاديمية، وها أنت دلوقتي بتقود مملكة كاملة."
"كبرت غصب عني، الحرب بتكبرنا يا صديقي."
ابتسم وقال بخفة:
"بس متنساش تضحك شوية، حتى لو وسط الصراخ."
حلّ الليل، وبدأت تجهيزات المعركة. الجنود يصطفّون، السيوف تُشحذ، الأرواح تشتعل.
ساعة الصفر
انطلقت الأبواق، وتحركت الجيوش.
في المعركة، كانت السيوف تصطدم، والسحر يملأ السماء بألوانه. رايفن كان يقاتل بشراسة، صوته يعلو بالضحكات وسط الصراخ:
"أنا جائع! لو كسبنا الحرب، عايز حفلة مشويات!"
ضحكت ليانا وهي تطلق موجة نارية على برج مراقبة للعدو:
"أكسب الأول وبعدين فكر في الأكل!"
أما أنا، فقد كنت في عمق القتال، أقاتل بجانب الجنود وأخطط في الوقت ذاته، وطيفي يصرخ:
"خد بالك من وراك! لا مش هناك، هناك! آه، متشكر إنك صدّقني أخيرًا!"
في لحظة حرجة، اقترب منا قائد لوسينا بنفسه. كان عملاقًا يكسوه درع أسود، ووجهه يخفي غضبًا قديمًا.
"أنت أريان، الفتى الذي ظن نفسه ملكًا؟"
أجبته بثبات:
"بل أنا من يرفض أن تنكسر بلاده."
دار قتال شرس بيني وبينه، لكنه انتهى بسقوطي على الأرض منهكًا، وقبل أن يوجه ضربته القاضية، ظهر رايفن كالصاعقة، وصرخ:
"هو ده وقتك يا زعيم! قوم!"
استجمعت قواي ونهضت، وهجمنا معًا حتى هزمناه.
نهاية الحرب
بعد ساعات من القتال، أعلنت الأبواق النصر. مملكة لوسينا تراجعت، ومملكة إيليريا ارتفعت راياتها مجددًا.
عدنا للقصر وسط فرح الناس وهتافاتهم. ليانا كانت تمشي في صمت، وعيونها دامعة رغم الابتسامة:
"مش قادره أصدق إننا لسه عايشين."
أجبتها:
"العيش الحقيقي لسه هيبدأ."
أما طيفي فكان يقفز بجانبي صارخًا:
"أنا عايز تمثال! أيوه، صغير كده على جنب، مكتوب عليه: طيف النصر!"
ضحكت بصوت عالٍ وسط زحام النصر، ولم أعلم أن هذا النصر، هو أول طريق للفقد.........