أصوات متداخلة
كانت ريڤين تتقدّم ببطء نحو مكتبها، عيناها حذرتان، خطواتها متثاقلة. لا أحد لاحظ ذلك، لكنها كانت تعاني بصمت.
صوت الأرواح لم يعد خافتًا… بل كأن كل شبح في المدينة قرر الحديث دفعة واحدة، وبنفس اللحظة.
همسات، صراخ، بكاء، رجاء، تهديد.
كلها كانت تتدفق إلى عقلها بلا نظام، بلا ترتيب، بلا رحمة.
وكلما اقتربت من "آدم"، كانت الأصوات تزداد.
جلس آدم على مكتبه المقابل، يدوّن شيئًا، لكنه لم ينظر نحوها. ومع ذلك، حين رفعت عينيها نحوه، رأت أنه أيضًا يُمسك رأسه بخفة، كأن الصداع يفتك به.
لمحت في عينيه وهجًا خفيًا… شيئًا مألوفًا، كأنه يعاني من الشيء ذاته، لكنه اعتاد عليه أكثر منها.
...
دخل رئيس القسم فجأة وقال:
– "جريمة جديدة. التفاصيل غير واضحة، لكن القاتل ترك شيئًا على الجثة…"
مدّ يده، كان يحمل ظرفًا شفافًا فيه ريشة سوداء واحدة.
ريڤين شحب وجهها.
آدم لم يُظهر أي رد فعل، لكنه نظر للريشة طويلاً.
...
في مسرح الجريمة، تقدّما معًا بخطى صامتة.
المكان هذه المرة كان مظلمًا، منزل مهجور على أطراف المدينة، تغلّفه الرطوبة والعفن.
الجثة كانت لرجل في الخمسينات، علامات الاختناق واضحة، وعلى صدره نُقشت بشفرة كلمة: "حُكمكما تأخر."
ريڤين اقتربت من الجثة ببطء، قلبها ينبض بقوة.
الصوت الأول جاء ضعيفًا، مكسورًا، متردّدًا:
> حاولوا ان توقف هذا قبل فوات الأوان…"
الصوت الثاني، صارخ، متداخل:
> "لم يكن عليكما الالتقاء!"
"نحن نحذّركما!"
لتلي هذه التحذيرات ، صرخات ، يسبب طنين قوي لها :
أمسكت ريڤين رأسها، أنينها بالكاد خرج:
– "توقفوا… أرجوكم… صوتكم… لا أستطيع..."
اقترب آدم، همس:
– "ارخي عقلك. لا تحاولي الإصغاء دفعة واحدة. دعيهم يتصارعون وحدهم."
نظرت إليه بعينين دامعتين، وداخلها سؤال خفي: "كيف يعرف؟ من أين له هذه النصيحة؟"
ثم، كما لو أن أحدهم قرأ أفكارها، جاء صوت آخر، أقوى من البقية، صوت امرأة هذه المرة:
> "اثنان من السامعين في نفس المكان… هذا خطر."
> "إحداهما لا تعرف، والآخر… يعرف ولا يتراجع."
> "من منكما سننقتل أولًا؟"
ثم انفجر الألم.
صرخة مكتومة خرجت من ريڤين، سقطت على جانبها.
آدم تقدّم بخطوتين، يده على جبينه، وأنفاسه ثقيلة… ثم قال للهواء:
– "أوقفوا هذا. لقد اخترتمونا ، والآن ترفضون النتيجة؟!"
صمت.
ثم صوت واحد، هادئ، مخيف:
> "لقد كسرتم الميزان ، لم يكن عليكما الالتقاء "
> "وسنُعيده… ولو بالقوة."
في المستشفى، كانت ريڤين نائمة، موصولة بجهاز مراقبة القلب.
آدم جلس قربها، وصوت الأرواح في ذهنه صامت… مؤقتًا.
قال في سرّه:
– لن أدعهم يشوّهوا ما بدأت... و سوف احميك كي لا أكون السبب في موت بريئ "
«يتبع»