سيدة الوحش ( رواية مصرية خيالية رومانسية ) - الفصل الثاني عشر : - بقلم mayah - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: سيدة الوحش ( رواية مصرية خيالية رومانسية )
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثاني عشر :

الفصل الثاني عشر :

في يوم مشمس، كانت ربى ماشية في أرجاء الفيلا الواسعة، حافية، بتلف في الصالة مرّة، وتدخل المطبخ مرّة، وتطل من الشباك مرّة تانية. كل شوية تبص على الساعة، ووشها باين عليه التوتر. "ناجد راح يستقبل أهله من المطار… يعني خلاص على وصول. يا ترى هيتعاملوا معايا إزاي؟ لازم أبان لطيفة، مؤدبة، ودودة… لازم أحبّبهم فيّ… لو نجحت، يبقى خلاص الطريق مفتوح إن ناجد يكتبلي الفيلا. بس… "طب لو ما حبونيش؟ لو حصل زي زمان… تجاهل، برود، نظرات مش مريحة؟ يا ترى هعرف أندمج؟" وقفت قدام المراية في الصالة، رتّبت طرحتها، بصّت في عنيها "ركّزي يا ربى… انتي دلوقتي في بداية جديدة. اتغيري، خليكي أحسن… عشان تستاهلي الحياة اللي بتحلمي بيها." وفجأة، رنّ الجرس. ربى استغربت، بصّت ناحية الباب. "هو ناجد معاه مفتاح… ليه بيرن؟!" نزلت بسرعة من الدور اللي فوق، فتحت الباب، وكانت المفاجأة… ست محجبة، شكلها في أواخر الأربعينات، ملامحها هادية، فيها طيبة من أول نظرة. ربى سألتها بدهشة وهي بتفتح الباب أكتر "حضرتك؟" الست ابتسمت وقالت بهدوء "أنا اسمي نهلة… جايه علشان الشغل. اتبعتني وكالة التشغيل اللي كلمها الأستاذ ناجد، قالولي أجي أقابل الأسرة." ربى ابتسمت فورًا وفتحت الباب أكتر "أهلاً وسهلاً يا طنط نهلة، اتفضلي…" دخلت نهلة بخطى هادية، باين عليها ست محترمة ومؤدبة. ربى سألتها وهي بتقفل الباب "تحبي تشربي حاجة؟ كباية مية؟" نهلة ابتسمت "مية كفاية، ربنا يكرمك." جابتها لها ربى بسرعة، وقعدوا سوا في الصالة. ربى وهي بتحاول تبان واثقة، ابتسمت وقالت "أنا ربى… مرات الأستاذ مغراوي. سعيدة بمعرفتك." نهلة ابتسمت، لكن قبل ما تكمل ربى كلامها، رّن تليفونها… ناجد بيتصل. استأذنت بلطف "ثواني بس يا عمتو نهلة، دي مكالمة مهمة." ردّت ربى "أيوه يا ناجد؟" صوت ناجد كان هادي لكن مباشر "المساعدة وصلت؟" ربى "أيوه، وصلت، وقاعدة معايا دلوقتي." ناجد "كويس. اتكلمي معاها، لو ارتحتي ليها شغّليها، انتي اللي هتتعاملِي معاها أكتر مني." ربى "تمام، حاضر. طب انتوا وصلتوا؟" ناجد "إحنا في الطريق، فاضل شوية وهنكون عندك." ربى "ماشي، أنا في انتظاركم." وقبل ما تقفل قالت بابتسامة خفيفة "ربنا يسهل…" قفلوا، ورجعت لنهلة وهي بتضحك بلُطف "آسفة على التأخير، ده كان جوزي. ومعلش، لو مش عندك مانع، أناديكي عمتو نهلة؟" نهلة ضحك: "بالعكس يا بنتي، ده شرف ليا. أنا أصلاً أم لبنت زي القمر، في سنّك برضو." ربى ابتسمت بصدق "ربنا يخليكي ليها. طب قوليلي بقى يا عمتو نهلة، اشتغلتي فين قبل كده؟" نهلة عدّلت قعدتها وقالت "أنا كنت بشتغل مع عيلة فيها تلات أطفال، واشتغلت قبلها في كذا بيت، يعني عندي خبرة كبيرة في كل شغل البيت. نظافة، غسيل، ترتيب، كل حاجة. وكمان بحب أشتغل بهدوء، ومش بحب المشاكل خالص." ربى أومأت بإعجاب "باين عليكي، بصراحة كده أنا مرتاحة لك من أول لحظة. ومافيش مانع نبتدي الشغل مع بعض، وأنا كمان هساعدك على قد ما أقدر، يعني وقت الجامعة مش هبقى فاضية، بس لما أكون هنا، إيدك في إيدي." نهلة ضحكت وقالت "تسلمي يا ربى، كتر خيرك." ربى كملت "وبالنسبة للمرتب… أنا بصراحة مقدرش أقول رقم، لأن ناجد هو اللي بيتكفّل بالحاجات دي. بس ما تقلقيش، هو محترم، وهيقدّرك أكيد." نهلة أومأت بثقة "أنا موافقة. واللي تشوفوه مناسب أنا راضية بيه." ربى ابتسمت، ومدّت إيدها "اتفقنا، شرفتينا يا عمتو. يلا أوريكي الفيلا، وهاعرّفك على الأماكن، أصل النهاردة كمان مستنيين عيلة جوزي، لسه راجعين من السفر." ونهلة قامت، ومشت ورا ربى وهي بتبص حواليها بإعجاب خفي. ______ في لحظة، اتبدّل هدوء الفيلا برنة جرس الباب. ربى كانت واقفة عند باب المطبخ، بتتظاهر إنها بتراجع آخر حاجة في الصينية، بس في الحقيقة كانت بتحاول تظبط أنفاسها. "دي اللحظة... أول مرة أقابلهم من جديد... أول اختبار فعلي." هي شافتهم قبل كده… بس هم ما يعرفوش. في حياتها الأولى، كانت تقف بعيد… تتجنبهم… كانوا دايمًا غرب عنها، وهي عمرها ما حاولت تقرب. افتكرت الأيام اللي قعدوا فيها كام ليلة بعد الجواز، وبعدين اختفوا، وما رجعوش… كانت فاكرة إنهم مش بيحبوها. لكن دلوقتي… هتحاول من جديد. مشت بخطوات متزنة لحد الباب، وشالت خصلة من شعرها البني الناعم اللي نزلت على خدها. فستانها بسيط، أنيق، وبيفكرها بنفسها الجديدة اللي بتحاول تكونها. فتحت الباب. المنظر كان مختلف عن المرة اللي فاتت... راغد :راجل في أواخر الخمسينات، ملامحه فيها دفء وابتسامة واسعة، صوته عالي وهو بيقول: "يا أهلاً يا أهلاً بالعروسة!" وراهم نعيمة ست هادية، شيك، نظراتها متفحصة بس مش جارحة، وفيه جواها فضول واضح. ملاك بنت في اوائل العشرينات، شعرها مرفوع بعناية، لبسها أنيق، وعينيها بترقب كل تفاصيل المكان. وأخيرًا سفير أخو ناجد، طويل شوية، شيك، بس عينيه فيها لمعة مراقبة... ربى لمحته بيتأملها شوية بس وقف بسرعة لما عينه جات في عينها. ربى بابتسامة خفيفة "أهلاً وسهلاً بيكم… نورتوا البيت." راغد بضحك "ده بيتك انتي ياعروسة " نعيمة بنبرة خافتة فيها حيادية "إن شاء الله دايمًا عامر." ربى وهي بتفتح الباب أكتر "اتفضلوا، تعالوا ارتاحوا في الصالة، القهوة قربت تجهز." دخلوا… وكل واحد منهم خد مكانه في الصالة، وبدأوا يتكلموا مع بعض. ربى دخلت وراهم، وقعدت جنب ناجد… كانت بتحاول تكون طبيعية، لكن جواها كان فيه حالة استعداد قصوى. "كل كلمة محسوبة… كل حركة لازم تكون محسوبة… لازم أكون مهذبة بس مش متصنعة… منفتحة بس مش متجاوزة… يا رب ما أغلطش." كانت بتبتسم كل شوية، وتحرك راسها باهتمام وهي بتسمع راغد بيحكي عن مواقف من السفر، بصوته العالي وضحكته اللي بتملأ المكان. وفي لحظة، ربى لمحت المشهد اللي عمرها ما ركزت فيه قبل كده… راغد بيبص على ناجد بنظرة فخر واضحة… "عارفين لما سافرنا، ناجد فضل صاحي طول الطريق عشان يتأكد إن كل حاجة ماشية تمام… الراجل ده كأن عليه مسؤولية الكوكب!" ضحك راغد، ونعيمة هزت راسها بابتسامة. ربى ابتسمت، لأول مرة بصدق من قلبها. "يااه… هو بيحب ابنه فعلًا… يمكن أكتر من ما كنت فاكرة." لكنها لحظت حاجة تانية… سفير كان ساكت، عينيه بتتحرك بين راغد وناجد، وفيها حاجة... حاجة مش مريحة. تكشيرة خفيفة ظهرت، شبه غيرة، أو يمكن استياء؟ بس لما سفير لاحظ إن ربى بتبص له، غيّر ملامحه بسرعة، واتدخل في الكلام سفير بصوت مازح "هو ناجد دايمًا بيحب يكون مسؤول، من وإحنا صغيرين وهو بيسكت ويتصرف… ما يحبش يزعق، بس لما يتكلم الكل يسمع." ربى أومأت بابتسامة خفيفة، وبصت لناجد بعينين فيها فخر، وهو قاعد ساكت لكن حضوره واضح. وبعد شوية، قالت بلطافة "عن إذنكم، هقوم أجهز الضيافة…" نهضت، ووقفت، ومشيت بخفة باتجاه المطبخ. نهلة كانت واقفة في انتظارها، أول زيارة رسمية ليها كمدبرة منزل. "يلا بينا يا عمتو، نضيف الناس الكرام." نهلة "عينيا يا ربى هانم… ما شاء الله ضيوفكم منورين البيت." رجعت ربى وهي شايلة صينية فيها فناجين القهوة، وورق العنب، وكعك صغير – حاجات بسيطة بس مُحضّرة بعناية. وفي اللحظة دي… ناجد وقف فجأة من مكانه، ومشي ناحيتها، ومد إيده ياخد منها الصينية التانية. ربى اتفاجئت، لكن نظرتها ليه كانت فيها لمعة… مش بس امتنان، دي كانت لمحة دفء. ناجد وهو بياخد الصينية "خليني أساعدك." ربى بابتسامة خفيفة "تمام… شكراً." وفي اللحظة دي، ملاك بصّت لمامتها ناعمة، وابتسمت وهي تهمس لها بحماس "شفتي ابيه ناجد ؟!" نعيمة بابتسامة جانبية، بدون ما تبص لملاك "واضح إنه عاجباه." ضحكة خفيفة اتبادلت بينهم… فيها مزيج من المفاجأة والاهتمام. راغد وهو بياخد الفنجان من ناجد "هي دي الضيافة الحلوة! مش بس القهوة، كمان الروح الطيبة." ربى جلست مرة تانية جنب ناجد، وبدأت تحس إن الجو بقى أخف… مش كل حاجة تمام، بس أول خطوة اتخطت. _______ وقت العشاء في غرفة السفرة، كلهم قاعدين حوالين الطاولة، الأكل متنوع ورائحته بتفتح النفس. ربى قاعدة جنب ناجد، وناهدة عينيها على راغد ونعيمة وكل حركة منهم. ربى بابتسامة لطيفة "أنا طبخت المحشي بنفسي… لو ماعجبكوش عادي قولولي" راغد ضحك بصوت عالي "طب ولو طلع حلو؟" ربى برمشات خفيفة "يبقى أكيد أنا اللي طبخته طبعًا." ضحكوا كلهم، حتى نعيمة ابتسمت بخفة. ملاك "طيب إحنا ندوّق ونحكم." راغد وهو بياخد معلقة "ده اختبار رسمي بقى… يا إما جوازكم هيفضل، يا إما ناخد ناجد ونمشي." ربى ضحكت وقالت "لاا استنوا لما تدوقوا السلطة الأول… دي بقى اللي فيها سري الحقيقي." ناجد كان ساكت، لكن عينه كانت بتلمح كل حاجة… حتى المبالغة في خفة دمها، شايفها… ومش رافضها… بس بيراقب. وقت التحلية في الصالة، ربى قدمت صينية فيها بسبوسة باللوز وكنافة بالنوتيلا. ربى بابتسامة بريئة "دي كانت المفاجأة… عارفة إن الكنافة بالنوتيلا غريبة، بس قولت أجرب أواكب الجيل الجديد، خصوصًا لملاك." ملاك تضحك "هو أنا فعلاً بحب النوتيلا… بس دي جديدة عليّا." _____ كانت الساعة عَدت العشرة، والكل لسه مش عايز يقوم… الجو في الصالة بقى دافي وهادي، بس فيه صوت ضحك يتسلل من وقت للتاني كأنه بيرنّي على أوتار قديمة في قلب ربى. ناجد كان ناوي يروح شغله، حتى وقف وقال "أنا هدخل أراجع شوية أوراق… عندي كذا ملف لازم أخلصهم النهاردة بعد اذنكم" بس راغد قالها بنبرة خالية من النقاش "لا يا ابني… النهاردة ملكنا. خلي الملفات للصبح، تعالى اقعد معانا، مفيش حاجة أهم من الليلة دي." ساعتها ربى بصّت لناجد تلقائي، زي اللي مستنية تشوف رد فعله… هو ما اعترضش، سكت بس، ورجع قعد جنبها، وإن كان لسه مفيهوش ارتخاء العيلة، بس وجوده نفسه كان له طعم. الفيلم بدأ، وكانت أول عشر دقايق هادية… راغد كان بيعلق على كل مشهد كأنه المخرج وملاك بترد بتنهيدة وتقول "بابااا… اسكت بقى شويه نسمع." نعيمة كانت منسجمة مع الفيلم ، اما سفير فكان بين الحين والثاني يبص على موبايله . ربى؟ كانت بتضحك بصوت خافت، تحاول تمشي مع الجو… بس كانت لسه متوترة، كل عضلة في جسمها مشدودة كأنها بتستعد ترد على سؤال امتحان. لكن أول لقطة كوميدية سخيفة عدت، ورد فعل راغد كان مبالغ لدرجة إنه ضرب كف بكف وهو بيضحك، وردة فعل ملاك كانت إنها قالت له "يا بابا حرام عليك، ده مش كده خالص!" وأخدوا يضحكوا مع بعض كأنهم في مسرحية مرتجلة… وساعتها… ربى ضحكت، ضحكة حقيقية، من اللي بتطلع فجأة من غير فلتر، وملأت الصالة. ومش بس كده… لما راغد قال نكتة عن البطلة وإنها شبه واحدة قريبتهم ونعيمة علقت ، ربى خدت الكلمة من بقه وكملت عليها، وحسّت نفسها لأول مرة… مش مجرد ضيفة، لأ، جزء من النكتة… من اللمة. نهدت بجسمها كأنها أخيرًا اتنفّست. نسيت تتصنّع، نسيت تخطط تقول إيه، وتضحك إمتى، وتتجنب نظرة نعيمة الجو جرّها، سحبها سحب. في لحظة معينة، وهي بتضحك جامد، دمعت عنيها، مش من التأثر… من كتر الضحك. مدّت إيدها تمسح دمعتها بطرف الكم، وقالت بخفوت "أنا مش فاكرة آخر مرة ضحكت كده إمتى…" قالتها لنفسها، بس راغد سمع، وبصّ لها بابتسامة صغيرة، شبه فخر الطفل لما ينجح يضحّك حد كبير. أما ناجد… فكان ساب كل حاجة، وبقى يتأمل فيها. وهي بتضحك، كانت باصة للشاشة… بس هو كان باصص لها. نسي الشغل ، نسي الموبايل، ونسي الفيلم، وكل حاجة، وقعد يراقب ضحكتها… طريقة وشها وهو بيتحوّل في كل لقطة … اللمعة في عينيها وهي بترد على هزار ابوه وتتفاعل معاه والراحة اللي بقت باينة في جسمها وهي متكورة جنب المخدة، وشعرها مفكوك شوية، ووشها منور من غير ما تحس. لحظة خفيفة، بس كانت صادقة بشكل نادر. ونعيمة، من بعيد، لمحت نظرة ناجد… شافت إزاي عينه مثبتة على ربى، مش بتتغيّر وشافت الخفوت اللي في ابتسامته اللي عمره ما طلع غير لما بيكون شايف حاجة فعلاً لمساه… من جوّه. ما علّقتش، بس لاحظت. ربى كانت اتكأت على الكنبة، جسمها خف من التعب ومن الرغبة إنها تبان بشكل معين وبدل ما تبص للكل وتراقب، بقت بتشاركهم… تضحك، ترد، تدي تعليق، وتاخد هزارهم بضحك حقيقي مش مجاملة. وداخلها؟ فيه نغمة هادية بدأت تتردد "هو ده… اللي كنت دايمًا بتخيله… لمة… عيلة… حد بيهزر معايا من قلبه… وبيتخانق معايا على الفيلم وبيطلب مني أبطل أتكلم وقت المشهد المهم." ربى كانت عارفة كويس إن ده مش دايم وإن فيه واقع تاني بيستنّاها أول ما الباب يتقفل بس الليلة دي كانت ليها لوحدها زي حلم مؤقت… بتحاول ما تصحاش منه بسرعة.