إغلانسيا - أمسية - بقلم Nesrine | روايتك

اسم الرواية: إغلانسيا
المؤلف / الكاتب: Nesrine
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: أمسية

أمسية

•باريس1885• جلست روزالين داخل العربة، متأملة الشوارع التي بدأت تستيقظ مع ضوء الصباح المتسلل عبر ضباب الشتاء الخفيف. كانت باريس في هذا الوقت نابضة بالحياة، عربات تجرّها الأحصنة، سعاة البريد يهرولون بين الأزقة، وباعة الزهور يعرضون سلعهم على الأرصفة. لكن روزالين لم تكن تراقب المدينة بقدر ما كانت تراقب أفكارها. الأمسية الليلة القادمة لا تفارق عقلها، وذكرى ليوسيان دي مونتريال كانت تتردد داخلها كصدى بعيد. لم تكن تريد مواجهته، لكنها لم تملك رفاهية الاختيار. أخذت نفسًا عميقًا وأغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتها عندما توقفت العربة أمام وجهتها الأولى. المكتبة القديمة - "La Rose Sombre" كانت هذه واحدة من الأماكن القليلة التي تشعر فيها روزالين بالراحة الحقيقية. نزلت من العربة بخطوات هادئة، ولحق بها ليون، لكنه بقي عند المدخل بينما دخلت هي وحدها. كان المكان يعج برائحة الورق القديم والحبر الطازج، وبالكاد كان هناك زبائن في هذا الوقت المبكر. صاحب المكتبة، رجل مسن يدعى مسيو لامبرت، ابتسم عندما رآها، وانحنى قليلًا باحترام. "كونتيسة ࢪوزالين، صباح الخير، وصلت. دفعة جديدة من الكتب، أعتقد أن بعضها سينال إعجابك. " أومأت له بابتسامة خفيفة، ثم تجولت بين الرفوف الخشبية، أصابعها تمر على أغلفة الكتب كأنها تختار بينها بعناية. وجدت في النهاية ما كانت تبحث عنه - رواية حديثة، طبعة محدودة، تحمل توقيع كاتب مجهول. أثارها العنوان، وبدون تفكير، أخذت الكتاب وتوجهت للدفع. لكن قبل أن تغادر، سألها لامبرت بصوت خافت: "هل صحيح أن البارونة دو شاتيل تنظم أمسية الليلة؟ سمعت أن الحضور سيكون مميزا." لم تردّ مباشرة، فقط رمقته بنظرة جانبية، ثم قالت ببرود: "يبدو أن الأخبار تنتشر بسرعة في باريس." غادرت بعدها المكتبة، عائدة إلى العربة، حيث كان ليون ينتظرها دون أن يطرح أي أسئلة. "إلى أين الآن آنستي؟" سألها بنبرة معتادة. تأملت الكتاب في يدها للحظة، ثم قالت بهدوء: "إلى مصنع العطور." --- مصنع العطور - "Parfums de Vermont" كان المصنع أحد ممتلكات عائلتها، لكنه كان أكثر من مجرد عمل تجاري بالنسبة لها. هنا، بين الزجاجات الصغيرة والروائح المركزة، كانت تجد نفسها بعيدًا عن حياة النبلاء. ما إن دخلت، حتى استقبلها كبير صانعي العطور، رجل في منتصف الأربعينات يدعى مسيو لوران. "كونتيسةࢪوازالين،لم أكن أتوقع رؤيتك اليوم." "ولا أنا،لكن شعرت أنني بحاجة للمجئ." خلعت قفازاتها، ثم توجهت مباشرة إلى طاولة التجارب، حيث الزيوت العطرية موضوعة بانتظام. أخذت زجاجة صغيرة تحتوي على خلاصة الفراولة البرية، واستنشقت الرائحة ببطء. ثم همست، كما لو كانت تحدث نفسها: "شيئ ناقص..." أخذت قارورة صغيرة أخرى، تحتوي على المسك الأبيض، وأضافت منه بضع قطرات. خلطت العطر بتركيز، ثم جربته على معصمها. ابتسمت برضا خفيف. "الآن أصبح قريباًمما أريد." كان العطر يشبهها، نغمة دافئة من الفراولة، تليها لمسة غامضة من المسك، تمامًا كما هي - مزيج من الرقة والسرّ." بعد ساعتين من التجارب والملاحظات، غادرت المصنع وهي تحمل معها عينة صغيرة من العطر الجديد. --- ظهيرة في حديقة "تويلري" بعد مغادرتها المصنع، قررت روزالين أن تأخذ استراحة قصيرة. طلبت من ليون أن يقود العربة إلى حديقة التويلري، حيث نزلت وسارت بين الأشجار العارية، مستمتعة بلحظات من العزلة. جلست على مقعد حجري، أخرجت كتابها الجديد، وحاولت أن تغرق في الصفحات. لكنها بالكاد قرأت بضعة سطور، قبل أن تدرك أن أفكارها تسبح في مكان آخر. ليوسيان سيكون هناك الليلة. وضعت الكتاب جانبًا، ومررت أصابعها فوق زجاجة العطر في جيبها. كان عليها أن تستعد، ليس فقط لمقابلته، بل لما قد يعنيه لقاؤهما بعد كل هذه السنوات. كان المساء يقترب، ومعه شعور غريب بالترقب. •قصر مونتريال- بين الجدران العتيقة والقدر المعلّق• كان قصر ليوسـيان دي مونتريال شامخًا في قلب باريس، بواجهته الكلاسيكية ونوافذه العالية التي تعكس ضوء المصابيح المتلألئة مع اقتراب المساء. خلف تلك الجدران المذهبة، كانت عائلة ليوسيـان تستعد للحضور إلى الأمسية التي نظمتها البارونة دو شاتيل-أمسية كانت باريس كلها تتحدث عنها. في الطابق العلوي، جلست كاثرين دي مونتريال أمام مرآتها، تمشط شعرها البني برفق، بينما تأمل انعكاسها بنظرة هادئة. كانت قد تجاوزت الثامنة والعشرين من عمرها، ولم تفقد شيئًا من جمالها، لكنها حملت في عينيها لمحة من النضج الذي لا يأتي إلا بعد سنوات من المسؤولية. تزوجت من دوق فرنسي قبل خمس سنوات، ورغم حياتها المستقرة، لم تتخلَّ عن إخوتها، خصوصًا ليوسيـان، الذي كان بالنسبة لها أكثر من مجرد أخ، كان مسؤوليتها الكبرى. أما إليز دي مونتريال فكانت جالسة في زاوية غرفتها، نصف غارقة في كتاب، ونصف مستغرقة في أفكارها. ذات الخمسة والعشرين عامًا، لم تكن كاثرين، ولم تكن ليوسيـان، كانت شيئًا آخر تمامًا. امرأة هادئة، غامضة، نظراتها الثاقبة تقرأ ما وراء الكلمات، وصمتها يقول أكثر مما قد تنطق به شفاهها. كانت تعرف أن هذه الأمسية ستكون مهمة، لكنها لم تكن تهتم بذلك حقًا، فهي لم تكن مثل كاثرين، التي ترى في المجتمع لعبة يجب لعبها بحكمة، ولا مثل إتيان، الذي يرى الحياة مغامرة دائمة. إتيان دي مونتريال الأصغر بينهم، كان عاصفة لا تهدأ. عند السادسة عشرة، كان يفيض بالحياة، بروح مرحة ومندفعة، وكثيرًا ما كان مصدر صداع ليوسيـان. لكنه، رغم تهوره، كان يحمل في داخله ذكاءً خفيًا، نظرة شديدة الإدراك للأشياء، حتى لو لم يكن يستخدمها دائمًا بحكمة. كان يعشق أخاه الأكبر، يراه كقدوة، وربما كظل لا يمكن تجاوزه. أما الماركيز ليوسـيان دي مونتريال ، فقد كان يقف أمام النافذة، ينظر إلى باريس المترامية تحت ضوء الشفق. في الثانية والعشرين من عمره، كان يحمل على كتفيه أكثر مما يجب لرجل في سنه. وريث العائلة، الشخص الذي يحمل الاسم واللقب، والذي يُنتظر منه أن يكون امتدادًا لسلالة من النبلاء الذين لا يسمح لهم المجتمع بالضعف. لكنه، في داخله، كان يعرف أن شيئًا ما ينقصه. شيء لا يستطيع حتى أن يسميه. أمسية اليوم كانت أكثر من مجرد مناسبة اجتماعية. كان يعلم أن روزالين دي فيرمونت ستكون هناك. ولم يكن متأكدًا ممايعنيه ذلك عادت روزالين إلى القصر مع اقتراب الغروب، العربة تتوقف أمام البوابة الحديدية السوداء، والخدم يهرعون لفتح الباب. كانت باريس في ذلك الوقت تشع بألوان المساء الهادئة، والسماء تتلون بتدرجات وردية وبرتقالية. دخلت بهدوء، وصعدت إلى جناحها دون أن تعطي اهتمامًا لمن قد يكون بانتظارها. أغلقت باب غرفتها، وألقت بمعطفها على الكرسي القريب، ثم وقفت أمام المرآة، تتأمل انعكاسها بصمت. كانت تعلم أن هذه الليلة لن تمر دون تأثير. بعد لحظات، دخلت خادمتها، تحمل بين يديها صندوقًا خشبيًا أنيقًا. "الكونتيسة، الفستان جاهز." تنهدت روزالين بصمت، ثم فتحت الصندوق. داخل القماش المخملي الداكن، كان الفستان يظهر بكل فخامته. كان مصنوعًا من الساتان الأسود العميق، مزينًا بتطريزات ذهبية دقيقة على الأكمام والصدر، مشدودًا عند الخصر ليبرز رشاقتها، وتنتهي تنورته بانسيابية راقية. كان ثقيلاً بعض الشيء، لكنه لم يكن مجرد فستان، بل درعٌ من الأناقة، شيء ترتديه لتخفي خلفه أفكارها. رفعت شعرها الطويل، وربطته في تسريحة كلاسيكية منخفضة، تاركة خصلات منه تنساب على كتفها. أما المجوهرات، فاختارت أقراطًا ذهبية صغيرة، وسوارًا يحمل حجرًا كريمًا أحمر، كانت تعلم أنه كان من مقتنيات والدتها. لم تكن تؤمن بالحظ، لكن ارتداء هذا السوار جعلها تشعر بشيء من الطمأنينة. ••••• عندما نزلت، وجدت الجميع قد اجتمعوا في الصالة الكبرى. والدها، الكونت أدريان دي فيرمونت، كان واقفًا قرب المدفأة، يرتدي معطفًا أسود من المخمل، ونظراته الحادة تتفحصها بمجرد أن دخلت. كان رجلاً صارمًا، لكنه لم يكن قاسيًا، فقط رجل يرى العالم بطريقة لا تقبل الكثير من المجاملات. جدتها، الدوقة جوزفين دي فيرمونت، كانت تجلس في زاوية، تمسك بعصاها العاجية، ترتدي فستانًا أرجوانيًا غامقًا، وغطاء رأس مزينًا بدبابيس فضية. كانت امرأة صارمة، لكنها كانت تحب روزالين، وإن لم تظهر ذلك بالكلمات كثيرًا. عمتها، السيدة ماريان، كانت واقفة بجوار ابنتها سيلفي، التي كانت في التاسعة عشرة من عمرها. سيلفي كانت فتاة مرحة، حديثها لا يتوقف عن آخر الصيحات والأخبار، وكانت متحمسة بشكل واضح للأمسية. أما زوج سيلفي، الدوق فيليب، فقد كان رجلاً أنيقًا، بدا عليه أنه لم يكن متحمسًا لحضور الأمسية بقدر زوجته. وبعيدًا عنهم قليلاً، كانت صديقتاها، ماتيلد وفلور، تتبادلان الأحاديث بينما تنتظرانها. ••••• في تلك الأثناء، كان أفراد عائلة ليوسـيان يستعدون أيضًا. كاثرين ارتدت فستانًا كحليًا داكنًا، بأكمام من الدانتيل، وزينت شعرها بمشبك فضي. كان اختيارها كلاسيكيًا، مثل شخصيتها تمامًا. إليز اختارت اللون الأخضر الزمردي، فستان بسيط لكن أنيق، يعكس طبيعتها الهادئة. أما إتيان، فقد بدا متململًا في بدلته الرسمية، ربطة العنق تخنقه لكنه لم يملك خيارًا. وأخيرًا، ليوسيـان، الذي ارتدى معطفًا أسود أنيقًا، قميصًا أبيض، وربطة عنق حريرية داكنة، لم يكن يحتاج إلى الكثير ليبدو كأحد أكثر الرجال أناقة في باريس. حين صعد إلى العربة، لم يقل شيئًا. فقط نظر من النافذة، يدرك أن هذه الليلة ستكون نقطة تحول، بطريقة أو بأخرى. ••••• كانت باريس تضيء بأنوار المساء، والقدر يكتب صفحة جديدة، بينما الجميع يتجه إلى الأمسية التي ستغير كل شيء. •أمسية البارونة دو شاتيل، قصر "بيل أورا" - التاسعة مساءً• كانت السماء تنثر قطرات خفيفة من المطر، وكأنها تغسل باريس من تعب النهار، حين توقفت عربة الكونتيسة روزالين دي فيرمونت أمام القصر المضاء بعشرات المشاعل والثريات الكريستالية. صعدت درجات الرخام بخفة، كأن الريح تحمل خطواتها. فستانها الكحلي المطرّز بالخيوط الفضية انساب خلفها كظلها، ووشاح المسك والفراولة يسبقها كأغنية مألوفة في ذاكرة من يمرّ بها. داخل القاعة الكبرى، اجتمع النبلاء ، السادة والليديّات، تحت قبابٍ ذهبية تعكس أنوار الشموع على بلورات الكؤوس وخرز الفساتين. كانت البارونة دو شاتيل في استقبال الضيوف، ببسمتها المعتادة وعيونها التي لا تفوّت شيئًا. وحين لمحت روزالين، تقدّمت بخطوتين وقالت بصوتها المخملي: "كونتيسة فيريمونت.. باريس أكثر أناقة الليلة بفضل حضورك." اكتفت روزالين بانحناءة خفيفة، وابتسامة بالكاد تُرى، قبل أن تترك الكلمة تذوب على لسانها: "البارونة دو شاتيل... كرم الضيافة فاق التوقع." مرّت دقائق، ثم ساعات قصيرة، وكلّ شيء كان يسير وفق الإتيكيت، حتى اللحظة التي دخل فيها الماركيز ليوسـيان دي مونتريال . كان دخوله لا يشبه دخول أي رجل آخر. كأن الغرفة توقفت عن التنفس لوهلة. بدلة سوداء مفصلة بإتقان، وشعر داكن أطول بقليل مما يسمح به العُرف، ونظرة تحمل ما يكفي من التحدي والضجر ليُربك أكثر النساء ثقةً. روزالين لم تلتفت، لكنها شعرت به. كأن الأرض تحت كعبها العالي نبضت فجأة. من بعيد، كانت نظراته تتنقّل بين الوجوه حتى استقرّت عليها، دون أن يعبّر عن دهشة، أو إعجاب، أو حتى تردد. فقط نظرة طويلة، هادئة، قرأت ملامحها كما تُقرأ قصيدة حزينة من الزمن الفيكتوري. •قاعة "فالنتين"، في جناح الشرف - بعد نصف ساعة• البارونة دو شاتيل دعت الحضور الأرفع مقامًا للانتقال إلى الجناح الشرقي، حيث تقام الرقصة الرسمية، وتُقدَّم التحايا الأولى بين العائلات النبيلة. الجو كان مثقلًا بالعطر الفرنسي الفاخر، والهمسات، والابتسامات المشحونة بالمعاني. وقفت روزالين إلى جانب والدها الكونت أدريان دي فيرمونت، بوقفته الصارمة ونظرته التي لا تترك مجالًا للعبث. كان يحمل شرف عائلة دي فيرمونت كما يحمل سيفًا قديمًا تحت معطفه المخملي. وفي الجهة المقابلة، وقف الماركيز ليوسيـان بجانب شقيقته الكبرى كاثرين، التي كانت تتبادل المجاملات بمهارة لاعبة شطرنج. إلى يسارهم، كان اللورد فيليب دي مونتريال، خال ليوسـيان، رجل بارد العينين، صاحب تاريخٍ طويل من الخصومات الدبلوماسية، خصوصًا مع بعض العائلات المتحالفة مع آل فيرمونت. تقدّمت البارونة، بابتسامة متمكنة، وقالت: " ليكون هذا المساء خطوة أولى نحو تقارب افتقدناه طويلا. " أومأ الكونت أدريان، وردّ بصوت خافت لكن واضح: "شرف لنا أن نكون في هذا الجمع.... رغم أن الذاكرة لاتنسى بسهولة." تجمدت لحظة من الصمت، قبل أن تتقدّم كاثرين دي مونتريال بخطوة أنيقة، وتخاطب روزالين مباشرة: "اخبروني أنكِ تصنعين العطور، كونتيسة... لطالما كانت العطور لغتنا نحن النساء حين يعجز الرجال عن التعبير." روزالين نظرت إليها بعينين هادئتين، وأجابت: "وأحيانا، تكون سلاحا أكثر فتكا من الكلمات، ليدي كاترين." في الزاوية الأخرى من القاعة، كانت مدام دي ريفوار، أرملة أحد كبار آل ريفوار، تهمس إلى السيد ديمونت دي مارسيه: "عائلة فيريمونت مازالت تظن أن اسمها يكفي ليغفر لها ما فعلته والدتهم البريطانية.... خلط الأنساب لايمحى ." في حين أن البارون دي بيلانكور، من أصدقاء آل دي مونتريال، قال بصوت أقرب للسخرية: "آل مونتريال يقدمون أنفسهم على أنهم مثال لنزاهة، لكننا نعلم جميعا من أدار ظهره لتحالف الملكي منذ ثلاتة أعوام...." التوتر كان يمشي في أرجاء القاعة كالعطر، لا يُرى... لكن يُحس. وفي خضم كل هذا، وقفت روزالين وليوسـيان وجهًا لوجه، لأول مرة. لا انحناءة رسمية... لا تبادل كلمات. فقط نظرة... طويلة، متبادلة، حذرة... كأن كليهما يرى في الآخر مرآة لنفسه، لكن في زمن مختلف. كان الجو في القاعة مشحونًا بالأجواء الثقيلة، وكل عائلة تحاول أن تظهر قوتها وتستعرض مكانتها الاجتماعية، في نفس الوقت كان الجميع يراقب بعضهم بحذر. الصمت الثقيل كان يتخلله همسات وابتسامات سطحية تحمل معاني متناقضة. ماركيز دو لافوا ابتسم بسخرية عندما مر بجانب أدريان دي فيرمونت، وقال: "يبدو أن عائلتكم لم تتمكن من الحفاظ على سمعتها كما حافظت عائلتي على الأرض، أكيد كان بالإمكان التصرف أفضل لو أنكم أخدتم نصيحة جيدة من البداية." أدريان حاول أن يتجاهل الكلام، لكن الجرح الذي أحدثه ماركيز دو لافوا في قلبه كان عميقًا. في الجهة المقابلة، كانت دوقة لوما تتبادل الحديث مع ماركيزة دي مونتريال، وعينها تلمع بازدراء، قالت: "من المفترض أن نحتفل بمجدكم العريق اليوم، ولكن يبدو أن المجدضاع بين أيدينا كما تضيع الحبات بين أصابع الرمال." ماركيزة دي مونتريال ردت بهدوء، ولكن كلماتها كانت مشحونة بالمرارة: "أنتِ أفضل من يعرفن أن المجد لايقاس بالألقاب فقط، بل بالأفعال. ولكن، دعيني أقول لك شيئا، دوقة أن الألقاب في النهاية لاتعني شيئا عندما تضيع القيم،" ثم، وقبل أن ينفجر أحدهم من الغضب، تدخلت إليز دي مونتريال أخت الماركيز ليوسيـان، بهدوء شديد قائلة: "لاداعي للحديث عن الماضي أبدا، هناك أشياء أكثر أهمية اليوم، مثل الطعام والمحادثات الجميلة، لنهدئ الأمور قليلا." ولكن التوتر لم ينتهِ، بل كان يزداد اشتعالاً في هذه اللحظات، حيث كانت العائلات الأخرى تراقب الموقف عن كثب. الجميع كان يعلم أن هذه الجلسة ليست سوى بداية لمزيد من الصراعات القادمة. --- على الرغم من الجو المشحون، قرر الجميع الجلوس على المائدة، حيث كانت الأطباق الفاخرة تُقدم في جو من التكلف والمراسم. كانت المائدة غنية بأنواع الطعام الفاخرة، وكان كل شخص يتظاهر بالاستمتاع بالطعام بينما يعمّ الصمت المزعج بين الجميع. ماركيز ليوسيـان بدأ يتحرك على المائدة، وهو يحاول أن يستجمع أفكاره، ولكن روزالين كانت قد لاحظت تَصَرفات الجميع، وكان وجهها يعكس حالة من التوتر، كانت تعيش بين الحيرة والغضب، وحاولت أن تبتسم لتظهر تماسكها. بينما كانت الخادمة تقدم الحساء، لم تَكُنْ البارونة دي شاتيل تشعر بأنها في أفضل حالاتها، حيث بدأت تظهر عليها علامات الضعف بشكل مفاجئ. شعر الحضور بشيء غريب، فحتى الضحكات والتعليقات التي كانت تأتي بين الحين والآخر، توقفت بشكل مفاجئ عندما لاحظوا أن البارونة أصبحت شاحبة ووجهها مغطى بألم غير طبيعي. بدأت تتململ على مقعدها، ثم سقطت فجأة على الأرض. الجميع توقّف في لحظة سكون، ولم يستطع أحد التفاعل في البداية. "ماذا يحدث؟" همس أحدهم، بينما اندفعت الخادمات بسرعة لتساعدها، لكن سرعان ما اكتشفوا أن البارونة قد فارقت الحياة.