الليل الطويل
انبعثت رائحة الدم والبارود من المكان. كان إنزو لا يزال في مكانه، مكبّل الأيدي، وعيناه مثبتتان على بقعة الدم الحمراء القانية التي كانت تنتشر على الحائط خلف ما تبقى من جوليو. لم يعد يرى زميله، بل كتلة مشوهة من اللحم والعظام. جسده كله يرتجف، والصدمة تجعله غير قادر على الحركة أو حتى الصراخ.
تقدم دوماستكو بهدوء، يمرر عينه على المكان ليتأكد من إنجاز المهمة. أشار بيده إلى اثنين من رجاله الضخام. "احملوا هذا الطفل، وضعوه في الفان. وغطّوا عينيه." ثم وجه كلامه لثلاثة آخرين: "تخلصوا من الجثة. لا أريد أي أثر يُذكر.."
انتفض إنزو عندما أحاطت به أيادٍ قوية. دُفع بعنف إلى الأرض، وشُدّت قطعة قماش خشنة فوق عينيه، ليغرق عالمه في الظلام الدامس. شعر بالدفع والسحب، ثم أُلقي به في مؤخرة الفان الباردة. سمع صوت الباب يُغلق بعنف، ثم انطلقت الشاحنة مسرعة، تتهادى به بعنف في شوارع نابولي المظلمة.
داخل الظلام المخيف للفان، ومع كل اهتزازة، كان إنزو يعيش كابوسًا. لم يكن هناك صوت سوى همهمات خافتة، وأنفاس ثقيلة. شعر بالجسد كله يؤلمه من آثار السحل والرمي، بينما تتراقص صور جوليو المشوهة في ذهنه. كان الخوف يتجمد في عروقه، ليترك مكانه شعورًا بالعجز المطلق. صمت الأنفاس الثقيلة من حوله كان أثقل من أي صراخ، وكل لحظة مرت كانت تزيد من وحشة التجربة، تحوّل جسده من مجرد وعاء لأحلامه إلى سجن من الألم . لم يقاوم. لم يصرخ. فقط انكمش على نفسه،
توقفت الشاحنة أخيرًا، وشعر إنزو بأن جسده لم يعد ملكه. دُفع بقسوة إلى خارجها، ثم أُلقي به على أرضية باردة. أُزيلت قطعة القماش عن عينيه، لتُكشف له أضواء خافتة لمقر العصابة، الذي كان يقع في الطابق العلوي من البناية القريبة من الملهى الليلي. كان جسده يؤلمه بشدة، وروحه ممزقة.
تقدم فيرجيو ببطء، وقف أمامه مباشرة، ملامح وجهه لا تحمل أي تعبير سوى البرود. كان ينظر إلى إنزو الذي كان لا يزال ملقى على الأرض، وعيناه لا تلمعان إلا بالصوف والحقد.
"أنت لست أول شخص يتعرض لهذا يا إنزو." قال فيرجيو بصوت خافت، لكنه كان كالصوت المدوي في أذني إنزو المجهدتين. "كان قراري الأول أن أقتل أحد والديك أمام عينيك. لكن دوماستكو غير رأيي. قال إن مجرد قتل شخص من فريقك أمامك يكفي لإيصال الرسالة."
توقف فيرجيو للحظة، ثم انحنى قليلاً ليصبح أقرب إلى إنزو. "لكني لن أتردد في المستقبل. لن أتردد في قتل أي شخص تحبه، إذا حاولت الخروج عن الخط. أو تبليغ. أو مساعدة أي كان هو. هل فهمت كلامي؟"
لم يستطع إنزو الرد. كان الألم الجسدي والإرهاق الشديد يمنعانه من النطق بكلمة واحدة. كانت عيناه فقط تحدقان في وجه فيرجيو القاسي.
اندفع أحد رجال دوماستكو الضخام، ووجه لكمة قوية إلى صدر إنزو المنهك. "أجب الدون!" صرخ الرجل.
تأوه إنزو، ووقع على جنبه، بالكاد يجد أنفاسه.
نظر فيرجيو إلى الرجل الذي ضرب إنزو بإشارة خفيفة، ثم عاد بوجهه إلى إنزو. "سأسألك مرة أخرى. هل فهمت كلامي؟"
بصعوبة بالغة، وبصوت بالكاد يُسمع، تمتم إنزو: "نعم."
ابتسم فيرجيو ابتسامة باردة، كأنها لم تصل إلى عينيه. كانت إشارة منه لرجاله. أمسك اثنان من الرجال بإنزو، ورفعاه بقوة، ثم دُفع به إلى الخارج، وأُلقي به بقسوة أمام باب منزله في ظلام الليل.
"لا تخبر أحدًا بما حدث لك." قال صوت دوماستكو الأجش وهو يغادر، يتبعه رجاله في الظلام. "والا العواقب ستكون وخيمة جداً."
اختفى الفان في جنح الليل، تاركًا إنزو وحيدًا، ملقى على الأرض، يرتجف من الألم والخوف، وقد تحول عالمه إلى رماد.