خيط دم في الملعب - ظل في المدرجات | روايتك

اسم الرواية: خيط دم في الملعب
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: ظل في المدرجات

ظل في المدرجات

كان صباح نابولي يحمل زبد البحر ورائحة القهوة المركزة، مع ضجيج المدينة الذي لا يهدأ. الشمس الذهبية تسللت لتضيء ممرات حيّ "سباكانابولي" الضيقة. في أحد الأزقة الخلفية، حيث تلاشت ألوان الجدران، كان إنزو يركض. ركضه لم يكن مجرد تدريب، بل كان رقصة متناغمة مع إيقاع المدينة، قدميه النحيلتين تتحركان ببراعة بين أكياس القمامة وزحام الأطفال الصغار الذين يركلون كرة بالية. قميصه القطني باهت وشورته قصير، لكن كل حركة من جسده كانت تصرخ بموهبة فطرية. توقف إنزو ليلتقط أنفاسه بجوار حائط مغطى برسومات جرافيتي لفريق نابولي. رفع عينيه نحو السماء الزرقاء، وتخيل نفسه في ملعب "سان باولو"، يهتف باسمه آلاف المشجعين. كان هذا حلمه الأبدي. لم يكن يعلم أن عينين أخريين تراقبه من نافذة مقهى شعبي يطل على الزقاق. كان دوماستكو، الساعد الأيمن لـفيرجيو، يرتشف قهوته السوداء، ونظراته مثبتة على إنزو. وجهه كان خاليًا من أي تعبير. إلى جواره، كان جوفاني يقلّب صفحات جريدة رياضية، بينما كان كارمين يتحدث بصوت منخفض في هاتفه. ارتسمت على وجه دوماستكو ابتسامة بالكاد تُرى، ابتسامة لا تصل إلى عينيه. رفع قهوته إلى شفتيه، وفي لمحة سريعة، أشار بإصبعه نحو إنزو. لم يكن ذلك لإنزو، بل لجوفاني الذي أومأ برأسه قبل أن يختفي سريعًا. فيرجيو لم يكن في "سباكانابولي". كان يجلس في مكتبه ، . كان مكتبه يجمع بين الأناقة الكلاسيكية والتكنولوجيا الحديثة؛ شاشات خفية تعرض أسهم المراهنات، وخطوط هاتف مشفرة. بجانبه، وقف ريكاردو، يراجع ملفًا سميكًا. "آخر التقارير، الدون." قال ريكاردو، صوته هادئ لكنه يحمل دقة الكلمات. "كل شيء جاهز للمباراة الافتتاحية. فريق "الأشباح" واثق من الفوز، وهم لا يدركون أنهم يراهنون ضد أنفسهم." ابتسم فيرجيو ابتسامة هادئة، يده تمرر عبر صفحة في ملف مطبوع يضم أرقامًا معقدة. "ليست الأرقام فقط ما يهمني يا ريكاردو. أريد الانهيار. الانهيار الكامل للخصم. أريدهم أن يفقدوا الأمل قبل حتى أن يسددوا الكرة الأولى." في هذه اللحظة، رن هاتف فيرجيو. كانت مكالمة من دوماستكو، بكلمات قصيرة وموجزة. "وجدنا الشبل يا دون. مناسب." لم يتغير تعبير فيرجيو. أومأ برأسه لدوماستكو عبر الهاتف، ثم نظر إلى ريكاردو. "جهّز عقود اللاعبين الجدد. يبدو أننا سنحتاج إلى بضعة وجوه جديدة قبل نهاية الأسبوع. نريد لاعبين موهوبين بما يكفي ليصرفوا الأنظار." كانت الشمس تشرق على نابولي، مدينة الأحلام القديمة. لكن تحت أضوائها، كانت شبكة من الظلال تُحاك، بعد أن أغلق فيرجيو المكالمة مع دوماستكو بكلمات قصيرة مقتضبة، ترك هاتفه على المكتب الزجاجي الثقيل. كان يرتشف قهوة الإسبريسو من فنجان مطبوع عليه شعار "الأشباح" الجديد، فريقهم الصاعد حديثًا في الدرجة الثالثة من الدوري الإيطالي. بدأت المباراة و كان إنزو يشعر بقلبه يخفق في صدره بإيقاع طبول الجماهير الصاخبة. ملعب سان باولو يغصّ بالمشجعين، يهتفون ويطلقون الألعاب النارية، دخانها يلوّن سماء نابولي المضيئة. كان هذا هو حلمه، أن يلعب في هذا الملعب. لقد انضم إلى فريق "الأشباح" قبل أيام فقط، بعد صفقة غريبة لم يفهم تفاصيلها، لكنها فتحت له أبواب الجنة التي طالما تخيلها. لم يكن يعلم أن هذه الجنة كانت بوابتها تمر عبر الجحيم. اصطف اللاعبون. إنزو في قلبه شعور غامر بالحماسة والرهبة في آن واحد. رأى المدرب، وجهه مشدود، لكنه بدا كعادته يمتلك زمام الأمور. تبادل النظرات مع زملائه الجدد، بعضهم بدا ودودًا، وبعضهم الآخر يحمل في عينيه برودًا غريبًا. أطلقت صافرة البداية. انطلقت المباراة كالعاصفة. "الأسود النابولية" كانت تهاجم بقوة، مدفوعة بمهارات إنزو وسرعته التي أربكت دفاعات الفريق المنافس. في الدقيقة العاشرة، مرر إنزو كرة سحرية اخترقت خط الدفاع، ليسجل زميله هدفًا مبكرًا وسط هدير جنوني من الجماهير. بينما كان اللاعبون يحتفلون بالهدف، حدث شيء غريب على خط التماس. رأى إنزو مدرب الفريق المنافس، الذي كان حتى لحظة الهدف يصرخ ويعطي التوجيهات بحماس، يتلقى مكالمة على هاتفه المحمول. كان صوته خافتًا من بعيد، لكن تغيرًا جذريًا طرأ على ملامح المدرب. عينيه جحظتا، وشحبت بشرته، ثم أسقط الهاتف من يده كشيء ساخن يحرق كفه. ارتجف جسده للحظة، وبدا وكأنه انكمش على نفسه. حاول مساعدوه الاقتراب منه، لكنه دفعهم بعيدًا بغضب، صرخات مكتومة تخرج من حلقه. كان ذهنه بعيدًا تمامًا عن المباراة، عن اللاعبين، عن كل شيء. جلس على مقعد البدلاء، غارقًا في صمته المطبق، وعيناه تحملان نظرة مفقودة. توقفت المباراة لبضع دقائق بسبب ارتباك طاقم الفريق المنافس. همست شائعات في الأجواء بأن هناك "شيئًا مريعًا" قد حدث. تناهى لإنزو بعض الكلمات من الجماهير المتجاورة: "والدة المدرب... ماتت فجأة...". شعر إنزو ببعض الحزن على الرجل الذي فقد والدته في هذه اللحظة، لكنه لم يشك في أن هناك شيئًا غير طبيعي في توقيت الخبر أو طريقة وصوله. وبينما كانت الصدمة تسيطر على مدرب الخصم، تاركًا فريقه بلا قائد، بدأت فوضى عارمة تسود أرض الملعب. تشتت اللاعبون، فقدوا تركيزهم، وتوالت الأخطاء. كان "الاشباح" يسيطرون بالكامل على مجريات اللعب، ليس فقط بسبب مهاراتهم، بل بسبب غياب أي توجيه أو روح للفريق المنافس. من بعيد، في أحد المقصورات الخاصة، كان فيرجيو يتابع المشهد على شاشة ضخمة، ابتسامة خافتة ارتسمت على شفتيه وهو يرشف من كأسه. إلى جانبه، كان دوماستكو يبتسم ابتسامة عريضة، بينما ريكاردو كان يحدّث الأرقام على شاشته اللوحية بسرعة، يشاهد أرباح المراهنات تتضاعف. فيرجيو لم ينطق بكلمة. كانت عينيه تتحدثان عن انتصار بارد ومحسوب، الهدف الأول كان مجرد بداية، لكن الانهيار النفسي للمدرب كان هو الضربة القاضية، المباراة كانت قد انتهت بالفعل، حتى قبل أن تُطلق صافرة النهاية.