الفثل السابع
تجمعت الغيوم الداكنة في سماء المملكة، كأنها تعكس العاصفة التي كانت على وشك أن تضرب القصر. "الليلة... ليلة اكتمال القمر،" همس عز الدين لنور، وعيناه تشتعلان ببريق حاد. "هل أنتِ مستعدة؟"
أومأت نور، قلبها يدق بعنف، لكنها شعرت بقوة غريبة تسري في عروقها. "أنا مستعدة يا مولاي. لن ندعهم ينتصرون." كانت ترتدي ثيابًا داكنة، وتحمل خنجرًا صغيرًا أخفته تحت ردائها. "كل ما تعلمته من الروايات... سيُختبر اليوم."
"تذكرِ الخطة جيداً،" قال عز الدين، صوته يهمس في أذنها، "أنتِ تعرفين الممرات أفضل من أي أحد آخر هنا." كانت الخطة محكمة. عز الدين ورجاله المخلصون سيتربصون بالقائد غياث والمتآمرين في القاعة الكبرى أثناء اجتماعهم السري. "سيظنون أنني مشغول في احتفالية القمر،" قال عز الدين. "لن يتوقعوا حضوري."
ومع حلول منتصف الليل، اشتد الظلام. تسللت نور مع عز الدين ومجموعة صغيرة من الجنود الأوفياء عبر الممرات الخلفية للقصر. "الصمت... الصمت هو مفتاحنا،" همس عز الدين لنور، وشد على يدها. كانت يده قوية لكن لمستها كانت حانية، لمسة ثقة وحماية.
وصلوا إلى مدخل القاعة الكبرى. سمعت نور أصواتًا خافتة من الداخل. "هذا هو الوقت،" قال عز الدين، ثم أشار لرجاله. اندفعت الأبواب فجأة.
"الخيانة!" صاح عز الدين بصوتٍ يهز القاعة، "لقد انكشف أمركم أيها الخونة!"
داخل القاعة، كان القائد غياث يقف أمام مجموعة من القادة والمستشارين، يرتدون أوشحة سوداء مميزة. "عز الدين!" صرخ غياث، وجهه يتشوه بالغضب. "كيف اكتشفت أمرنا؟"
"بفضل بصيرة لم تملكها أنت أيها الخائن!" رد عز الدين، واندلعت المعركة. سيوف تتصادم، أصوات صرخات، وفوضى عارمة.
اختبأت نور خلف أحد الأعمدة، تتبع الأحداث بعينيها. رأت القائد غياث يقاتل بضراوة، ويحاول الوصول إلى عز الدين. "يجب أن أساعده!" فكرت نور. تذكرت مقطعًا في الرواية يصف ممرًا سريًا خلف العرش، يستخدمه الأمير للهرب في حالات الطوارئ. "ربما يستخدمه غياث أيضًا للهرب بعد فعلته!"
اندفعت نور وسط الفوضى، متجنبة السيوف المتطايرة. "مولاي!" صرخت لعز الدين وهو يقاتل غياث. "الممر خلف العرش! احذر!"
نظر عز الدين إليها للحظة، فهم رسالتها، ودفعه ذلك لتغيير تكتيكه. بينما كان يتبادل الضربات مع غياث، قام بحركة سريعة، ودفعه بعيدًا عن العرش، نحو الممر السري.
كانت المعركة قاسية، وخسر عز الدين بعض رجاله الأوفياء. "الموت هو ثمن الخيانة!" صرخ أحد جنود غياث وهو يطعن جنديًا من رجال عز الدين. "الخسائر كانت فادحة،" فكرت نور، تشعر بغصة في حلقها.
في لحظة فارقة، رأى عز الدين غياث يهاجمه بكل قوته. كانت فرصة غياث الأخيرة. وبينما كان غياث يرفع سيفه ليطعن عز الدين، اندفعت نور فجأة، مستخدمة خنجرها الصغير لتشتيت انتباه غياث للحظة. "لن تفلت!" صرخت، وهي ترمي الخنجر نحو سيفه.
التفت غياث نحوها بدهشة، واستغل عز الدين اللحظة ليطعن غياث سيفه في صدره. سقط القائد الخائن على الأرض، أنفاسه الأخيرة تتلاشى.
توقفت المعركة فجأة. عم الصمت القاعة، باستثناء أنين الجرحى. التفت عز الدين نحو نور، ورمى سيفه جانبًا. تقدم منها بخطوات سريعة، وعيناه تشتعلان بمزيج من الغضب والتقدير.
"لقد أنقذتِ حياتي، للمرة الثانية يا نور،" قال عز الدين بصوتٍ خافت، وقد خفّت نبرته القاسية. كانت عيناه تحملان ضعفًا لم تره نور من قبل. "لماذا؟"
"لأنني أرى فيك أكثر مما يراه الآخرون،" قالت نور، وعيناها تدمعان. "أنت لست مجرد طاغية يا عز الدين. أنت رجل يحمل جراحًا عميقة. وأنا... أنا أرى هذه الجراح."
في تلك اللحظة، لم تعد نور ترى الطاغية، بل رأت الرجل الذي أحبته روحيًا من خلال صفحات كتاب. اقترب عز الدين منها، وضع يده على خدها بلطف، كانت يده قوية لكن لمستها كانت حانية. "لقد غيرتِ كل شيء يا نور." قال بصوتٍ أجش، وهو يقرب وجهه منها. "أنا... أنا لا أعرف كيف أشكركِ."
تلاقت عيناهما، وانجذبا لبعضهما البعض كقطبين مغناطيسيين. كانت لحظة ضعف، لحظة انكشاف روحي كامل. اقترب عز الدين أكثر، ونظر إليها بعمق، ثم خفض رأسه وقبلها. كانت قبلة دافئة ثم عميقة، تعكس مشاعر دفينة، سنوات من الوحدة والقسوة، وحبًا غير متوقع نما في خضم الخطر. كانت هذه القبلة اعترافًا صامتًا بكل ما لم يستطيعا قوله بالكلمات. "لم أكن أعرف أنني أبحث عنكِ." همس عز الدين وهو يبتعد قليلًا، لكنه لم يترك يدها.