الفصل السادس
لم تهدأ روح نور منذ ليلة اكتشاف الصندوق القديم. "هذه الرسائل... إنها مفتاح فهمه." همست لنفسها في غرفة المكتبة الباردة، وهي تتذكر ما قرأته. كان كلام المشرفة نرجس يتردد في أذنيها: "الفضول هنا قد يكلفكِ حياتكِ." لكن الفضول لم يكن ليُكبح، خاصة عندما شعرت أن حياة عز الدين نفسه في خطر. "لا يمكنني أن أتركه يواجه هذا وحده."
في الأيام التالية، أصبحت نور أكثر حذرًا. كانت تتسلل إلى مكتبة عز الدين في الأوقات التي تعلم أنه لن يكون موجودًا، لتبحث عن أي دليل إضافي. "يجب أن أربط الخيوط،" قالت وهي تتفحص الخرائط والوثائق القديمة التي لم تلقِ لها بالًا من قبل. اكتشفت مراسلات مشفرة، وتواريخ غامضة، وأسماء لم تُذكر في الرواية بوضوح، لكنها بدأت تتردد في أحاديث الخدم المتسربة.
ذات ليلة، بينما كانت تعود إلى غرفتها، سمعت صوتين خافتًا من خلف باب مغلق في أحد الممرات المظلمة. توقفت نور، والتصقت بالجدار، تحاول التقاط الكلمات.
"الخطة ستُنفذ ليلة اكتمال القمر،" قال صوتٌ خشن، تعرفه نور كصوت "القائد غياث"، أحد أقرب مستشاري عز الدين وأشدهم قسوة. "الأمير لن يرى فجر اليوم التالي."
رد عليه صوتٌ آخر، أكثر نعومة لكنه مليء بالسم: "وهذه الفتاة، خادمة المكتبة، أصبحت تُمثل خطرًا. الأمير أصبح يوليها اهتمامًا أكثر من اللازم. يجب أن نتخلص منها."
تجمد الدم في عروق نور. "مؤامرة ضده! وضدي أنا أيضًا!" شعرت بالرعب يلتف حول قلبها. "ماذا أفعل؟ هل أحذره؟" بدأت تناقش نفسها بصوتٍ خافت، كأنها في حوار مع شخص غير مرئي. "لكن... هل هذا سيغير مسار الرواية بالكامل؟ هل أنا أتدخل في قدره؟" تذكرت الرواية وكيف انتهى مصير عز الدين. "الرواية لم تكن واضحة... لكنني لا أستطيع الوقوف مكتوفة الأيدي."
كان الصراع داخليًا ينهشها. هل تبقى على الحياد وتترك القدر يأخذ مجراه كما قرأت، أم تخاطر بكل شيء وتتدخل لتنقذ الرجل الذي أحبته روحيًا؟ "هذه ليست مجرد قصة بعد الآن،" قالت لنفسها بعزم، "هذه حياتي، وحياته." قررت أن تخاطر. "نعم، سأحذره، مهما كلف الأمر."
في الصباح التالي، انتظرت نور فرصة مناسبة. وجدت عز الدين وحده في قاعة الحكم، يراجع بعض الأوراق. تقدمت منه بخطوات ثابتة، رغم دقات قلبها العنيفة.
"مولاي،" قالت نور بصوتٍ واضح، حاولت أن تخفي رعشتها.
نظر عز الدين إليها، عيناه لا تحملان أي تعبير. "ماذا تريدين يا نور؟ هل وجدتِ شيئًا جديدًا في المكتبة؟"
"أجل،" قالت نور، ثم ترددَت للحظة. "لكن ليس في الكتب، بل خلف الجدران... هناك مؤامرة تُحاك ضدك يا مولاي."
نظر إليها عز الدين ببرود. "مؤامرة؟ أنتِ تتحدثين عن الخيانة يا فتاة. هذه تهمة خطيرة."
"أعلم يا مولاي،" قالت نور، تحاول أن تجمع شجاعتها. "لكنني سمعتُ القائد غياث يتحدث عن خطة لتخليصك... ليلة اكتمال القمر."
ضحك عز الدين ضحكة قصيرة لا تحمل أي مرح. "القائد غياث؟ إنه أحد أوفى رجالي. هل فقدتِ صوابكِ بسبب كثرة القراءة؟" كان يبدو متشككًا، بل مستاءً من هذا الادعاء.
"يا مولاي، أرجوكَ، صدقني!" توسلت نور، "لقد سمعتُه يتحدث عن نهايتك. ورأيتُ رسائل في المكتبة تشير إلى خيانات سابقة، وكأن هناك نمطًا يتكرر." أخرجت نور بسرعة بعض المخطوطات التي كانت قد خبأتها، والتي تحتوي على رموز متشابهة لتلك الموجودة في الصندوق القديم. "هذه الرموز... إنها مرتبطة بشبكة من الخونة داخل القصر."
أخذ عز الدين المخطوطات، وتغيرت نظراته تدريجيًا. بدأ الشك يتسرب إلى عينيه. كان يعرف أن نور ليست من النوع الذي يخترع القصص. "هذه الرموز..." تمتم، ثم نظر إلى نور نظرة حادة. "هل تتجرئين على قولي إن رجالي المقربين خونة؟"
"الخيانة تأتي من حيث لا يتوقعها أحد يا مولاي،" قالت نور بهدوء، تذكرت دروس رواياتها. "خاصة من الأوفياء ظاهريًا."
صمت عز الدين للحظة طويلة، يدرس كلماتها، ويقارنها بالرموز. ثم أومأ برأسه ببطء. "لنفترض أن كلامكِ صحيح. ما الذي يجعلكِ تخاطرين بحياتكِ لتحذير طاغية مثلي؟" سألها، عيناه تخترقان روحها.
"لأنني أرى فيك أكثر مما يراه الآخرون،" قالت نور بصوتٍ خافت، شعرت بخجل خفيف، لكنها أصرت على قول الحقيقة. "ولأنني أرى هذا الظلم ينهش قلب المملكة، وأنتَ... أنتَ الوحيد القادر على إنقاذها."
كانت إجابتها صادقة جدا. في تلك اللحظة، شعر عز الدين بشيء يتغير بداخله. لم يعد يرى فيها مجرد خادمة فضولية، بل امرأة تمتلك بصيرة وشجاعة لا تتناسب مع مظهرها. "حسنًا يا نور،" قال عز الدين، نبرته تحمل ثقة لم تكن موجودة قبل قليل. "إذا كانت هذه المؤامرة حقيقية، فسنكشفها معا.
"ماذا تقترحين أن نبدأ به؟" سألها، وهو يعرض عليها خريطة القصر. "أين يمكن أن تكون الأماكن التي يتجمعون فيها؟"
"يجب أن نركز على الأماكن التي يمكنهم فيها تبادل المعلومات دون لفت الانتباه،" أجابت نور، وهي تشير إلى أجزاء من القصر لم تكن معروفة إلا للقليلين، بناءً على قراءاتها ورؤيتها للأحداث. "الممرات السرية، أو الأقبية القديمة."
بدأ عز الدين ونور في العمل سويًا في سرية تامة. كانت نور تستخدم معرفتها بممرات القصر الخفية، ومهاراتها في قراءة الوثائق المشفرة، بينما كان عز الدين يستخدم قوته وسلطته لجمع المعلومات من مصادر موثوقة دون إثارة الشبهات. "لقد وجدتها!" صاحت نور ذات ليلة، وهي تشير إلى وثيقة قديمة. "القائد غياث يرسل رسائل مشفرة إلى قائد الجيش في المقاطعة الشمالية! هذا يؤكد خطته."
"هذا يؤكد خيانته،" قال عز الدين، نبرته مليئة بالغضب، لكنه نظر إلى نور بتقدير واضح. "لم أكن لأكتشف هذا بدونكِ."
شعرت نور بأن مشاعرها تجاه عز الدين تتصاعد بشكل لا يمكن إنكاره. "إنني أقع في حبك يا طاغية،" فكرت نور، وهي تحدق في عينيه في إحدى لحظات العمل المتأخرة. كانت ترى الآن وراء القسوة، رجلًا معقدًا، ربما وحيدًا، وربما كان يبحث عن شخص يفهمه. "هل هذا هو الحب الذي قرأتُ عنه في الروايات؟ حبٌ يتجاوز المنطق؟"
ذات صباح، وبينما كان عز الدين ونور يتبعان إحدى الخيوط، اكتشفا مخبأً سريًا في أحد الأقبية تحت القصر. وعندما دخلا، وجدا أحد حراس القائد غياث وهو يرسل رسالة.
"من أنت؟!" صاح عز الدين، سيفه في يده.
حاول الحارس الهرب، لكن جنود عز الدين أحاطوا به. "لن تنجوا بفعلتكم!" صرخ الحارس قبل أن يُلقى القبض عليه. "القائد غياث سينهي كل شيء!"
"الآن لدي الدليل الكافي يا نور،" قال عز الدين، عيناه تشتعلان بغضب بارد. "سأنهي هذه المؤامرة قبل أن تبدأ." نظر إلى نور بنظرة حملت مزيجًا من الشكر العميق والشيء الذي لم يجرؤ على تسميته بعد. "لقد أنقذتِ حياتي، وحياة هذه المملكة."