الفصل الرابع
تجمدت نور ، تكاد لا تتنفس. "يا إلهي، إنه هو!" همست لنفسها، وقلبها يدق بعنف كقرع الطبول. رأت موكب عز الدين يمر، جنوده يمشون بخطوات منتظمة، وخيولهم السوداء تثير الغبار. كانت هيبته طاغية حتى من بعيد. "يا له من حضور مرعب!" فكرت، وعيناها تراقبان آخر جندي يختفي في الأفق. لم تشعر بالخطر يحدق بها هكذا من قبل، ورغم ذلك، لم تستطع إنكار الجاذبية الغريبة التي شعرت بها تجاهه.
خرجت من مخبئها ببطء، تشعر بالبرد يتسلل إلى عظامها مع حلول الظلام. "لا يمكنني البقاء هنا." قالت لنفسها بعزم، "يجب أن أجد مكانًا آمنًا." تذكرت حديث الرجل المسن عن القصر. "القصر... نعم، هو خطير، لكنه قد يكون الفرصة الوحيدة."
قضت نور ما تبقى من الليل تتجول بحذر في أزقة المدينة الخلفية، بعيدًا عن الشوارع الرئيسية التي قد يمر بها جنود الأمير. "كل شيء مختلف هنا، حتى رائحة الليل." تمتمت، تشم مزيجًا من الدخان، وروائح غريبة لم تعرفها. "هل سأقضي الليلة في الشارع؟" تساءلت بخوف، وهي ترى أبواب المنازل موصدة بإحكام.
مع بزوغ الفجر، وبعد ليلة مليئة بالأرق والتوتر، وصلت نور إلى أطراف المدينة، حيث بدأت ترى قصر الأمير يلوح في الأفق بشكل أوضح. كان بناءً هائلاً، أحجاره سوداء، أبراجها شامخة كأنها جزء من الجبل نفسه. "إنه أكبر بكثير مما تخيلت، وأكثر قتامة." همست نور لنفسها. وبينما كانت تسير بحذر في أحد الشوارع القريبة من القصر، سمعت فجأة صرخة عالية. "أمسكوا به! لا تدعوه يهرب!"
نظرت نور لترى فوضى عارمة. رجل عجوز، يبدو عليه الإعياء، كان يحاول الهرب من ثلاثة من حراس الأمير الأشداء. كان يحمل كيساً صغيراً بيده. "إنه يسرق الخبز!" صاح أحد الحراس، وسرعان ما انقضوا عليه. سقط الرجل أرضًا، وتناثر ما في الكيس. رأت نور بعض أرغفة الخبز اليابسة. "يا إلهي، من أجل الخبز؟" قالت بصوتٍ مسموع، شعرت بالغضب يغمرها. "هذا جنون!"
"ما هذا الهراء؟" جاء صوتٌ جهوريٌّ وقويٌّ من خلفها. ارتجفت نور والتفتت ببطء. كان واقفًا هناك. لم يكن هناك شك. عز الدين.
كانت هيبته أكبر بكثير مما تخيلت. قامة طويلة، أكتاف عريضة، وعباءة سوداء فاخرة تنسدل عليه كظل ليلي. وجهه كان منحوتًا كالصخر، عيناه عميقتان، مظلمتان، تحملان بريقًا حادًا كحد السيف. صوته كان كهدير الرعد، يهز الأجواء. "من هذه الفتاة؟" سأل حراسه بنبرة لم تقبل الجدال.
توقف الحراس عن ضرب الرجل العجوز ونظروا إلى عز الدين. "مولاي، إنها غريبة، وجدناها تتسكع هنا وتتدخل في شؤوننا."
نظرت نور إلى عز الدين مباشرة، وشعرت بشجاعة غريبة تتملكها. "إنه... إنه هو!" فكرت، وعيناها مثبتتان على عينيه. كانت الرواية تصف قسوته، لكن رؤيته مباشرة كانت شيئًا آخر. لم يكن فقط قاسيًا، بل كان يحمل هالة من القوة والجاذبية لا تُقاوم. كان بالضبط كما وصفته الرواية: طاغية، مهيب، لكنه في الحين ذاته، يمتلك شيئًا غامضًا يجذبها إليه بقوة.
"وما الذي يدفعك للتسكع في هذا المكان وتُبدي اهتمامًا بما لا يعنيك؟" سألها عز الدين، صوته يخترق عظامها.
"كنتُ أبحث عن عمل يا مولاي." أجابت نور، صوتها يرتجف قليلًا، لكنها حافظت على رباطة جأشها. "أحتاج عملًا لأعيش. وهذا الرجل... كان يسرق الخبز لشدة جوعه."
تغيرت نظرة عز الدين للحظة، من القسوة إلى شيء يشبه الفضول. "عمل؟ وأي عمل تظنين أنكِ تستطيعين القيام به في قصري؟" سأل ببرود.
"أنا أستطيع القراءة والكتابة يا مولاي،" قالت نور بسرعة، متذكرة موهبتها الوحيدة التي قد تكون ذات فائدة هنا. "أعرف لغات متعددة. قرأتُ كثيرًا عن الممالك القديمة."
لمح عز الدين في عينيها شيئًا لم يعتده. ربما كانت تلك هي اللحظة التي لفتت انتباهه. لم تكن تخشى النظر إليه، وكانت تتحدث بثقة غريبة رغم وضعها. "القراءة والكتابة؟ والغات؟" قال بتفكير. "نادراً ما نجد من يملك هذه المهارة بين العامة. خاصة فتاة مثلكِ." ثم نظر إلى أحد حراسه. "خذوها إلى القصر. لترى رئيسة الخدم ماذا يمكنها أن تفعل بها. وتخلصوا من هذا الرجل بالطريقة المعتادة."
"لا!" صاحت نور فجأة، "لا تفعلوا به شيئًا! إنه مجرد جائع!"
توقف عز الدين ونظر إليها بدهشة. "تتجرئين على مقاطعتي؟" نبرته كانت تحمل تهديدًا.
"أنا آسفة يا مولاي،" قالت نور، لكن عينيها كانتا تشعان بإصرار. "لكن الظلم... الظلم يولد التمرد. وهذا الرجل لم يفعل شيئًا يستحق العقاب الشديد."
لم يتوقع عز الدين هذا الرد منها. ظل صامتًا للحظة، يدرس تعابير وجهها. ثم أومأ لرئيس الحراس. "دعوا الرجل يذهب. لكن لا أرى وجهه في المدينة مرة أخرى." التفت إلى نور. "يبدو أنكِ تحملين آراءً كثيرة. لعل القصر سيهذبها."
"يا له من قرار غريب!" فكرت نور وهي تُقتاد إلى القصر. "هل أنا محظوظة؟ أم أنني وقعت في الفخ الأكبر؟ لقد تكلمتُ معه! غيرت قراره!"
كان القصر عالمًا آخر بذاته. جدرانه الحجرية الباردة، الممرات الطويلة المظلمة، والجنود المتجهمون في كل زاوية. شعرت نور وكأنها دخلت قلب الرواية، بل أصبحت جزءًا منها. "مرحباً بكِ في جحيمنا الصغير،" قالت لها رئيسة الخدم العجوز، امرأة ذات وجه صارم، بابتسامة بالكاد تظهر. "اسمكِ نور، أليس كذلك؟ ستقومين بترتيب مكتبة الأمير وتنظيم وثائقه. عمل مرهق، لكنه يحتاج لعقلٍ يقظ. لكن انتبهي، لا تلمسي شيئًا دون إذن."
بدأت نور عملها في القصر. كانت الأيام طويلة، مليئة بالترتيب والتنظيف في المكتبة الضخمة التي كانت باردة ومهيبة مثل عز الدين نفسه. "علي أن أكون حذرة،" كانت تحدث نفسها، "هنا كل خطأ قد يكلفني حياتي." النظام كان صارمًا، وكل خطوة محسوبة. الحراس كانوا في كل مكان، نظراتهم حادة، والأجواء مشحونة بالتوتر. كان عز الدين يمضي معظم وقته في غرفته الخاصة أو في قاعة الحكم.
لكن عز الدين بدأ يلاحظ نور أكثر من غيرها. "تلك الفتاة... فيها شيء مختلف." كان يقول لأحد مستشاريه. لم تكن مجرد خادمة عادية. كانت هادئة، تعمل بتركيز، وكانت نظراتها تحمل فضولًا لم يره في عيون الآخرين. أحيانًا، كانت تُفاجئه وهي تحدق في إحدى الخرائط القديمة أو الكتب التي يملكها.
"هل تفهمين ما تقرأين؟" سألها ذات مرة، كان صوته مفاجئًا كصيحة مفاجئة، وهي تنظر إلى مخطوطة قديمة.
"أحاول يا مولاي،" أجابت نور، "اللغات القديمة معقدة بعض الشيء، لكنني أستمتع بالتحدي. هذه المخطوطة تتحدث عن تاريخ السلالات القديمة، شيق جدًا."
نظر إليها عز الدين لوهلة أطول من المعتاد، كان هناك شيء في عينيها لم يستطع فهمه، ربما إصرار خفي، أو ربما بريق من المعرفة لم يتوقعه. "مثير للاهتمام،" تمتم، ثم انصرف دون أن يضيف كلمة.
كانت تلك اللحظات القليلة التي يمر بها عز الدين في المكتبة، أو حين يطلب منها إحضار وثيقة معينة، هي فرصتها لرؤيته عن قرب. كانت تشعر بخفقان قلبها كلما اقترب. "إنه ليس مجرد شخصية من كتاب بعد الآن؛ إنه رجل من لحم ودم،" فكرت. ورغم قسوته الظاهرة، كانت ترى لمحات من تعقيد لم تكن الرواية قادرة على وصفها بالكامل. "هل يمكن أن يكون هذا الرجل هو نفسه الذي أحببته؟"
انتهى يوم آخر في القصر، و كانت نور تجلس وحيدة في غرفتها الصغيرة التي خُصصت لها، تراجع أحداث اليوم في رأسها. و أنها تفك رموزه. "هذا العالم حقيقي، وعز الدين حقيقي،" همست لنفسها في الظلام. "وماذا بعد؟"