بين سطور العشق ينبض قلبي لأمير طاغ - الفصل الثالث - بقلم شهد جباب - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: بين سطور العشق ينبض قلبي لأمير طاغ
المؤلف / الكاتب: شهد جباب
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثالث

الفصل الثالث

فتحت نور عينيها ببطء، لم تكن تلك سقف غرفتها المألوف. بدلًا من اللون الأبيض الهادئ، رأت أحجارًا داكنة متراصة، تشكل سقفًا عاليًا ضخمًا يختفي في الظل. "أين أنا؟" همست الكلمات بصوتٍ بالكاد مسموع، اختفى أثره في الهواء الثقيل. كانت راقدة على أرضية صلبة، خشنة الملمس، تفوح منها رائحة غريبة؛ مزيج من تراب قديم، وخشب مُعتق، ورائحة معدن صدئ. "هذه ليست غرفتي!" نهضت ببطء، تشعر بالدوار يلف رأسها. الهواء هنا كان أثقل، يحمل رطوبة غريبة، وأصواتًا لم تعتدها. "ما هذا الصوت؟" تساءلت بصوتٍ خافت، تسمع همهمات بعيدة، وصليل معادن متقطع. نظرت حولها. لم تكن في قصر، بل في زقاق ضيق، تحيط بها مبانٍ حجرية شاهقة تتلاشى في سماء بلون بنفسجي قاتم. "هذه المدن التي وصفتها الرواية... هل يمكن أن يكون هذا حقيقيًا؟" لم تستطع أن تصدق عينيها. خطت خطواتها الأولى بحذر، تتلمس الجدران الباردة. كل تفصيلة كانت تصرخ باسم "مملكة الظل". الأضواء الخافتة التي تخرج من النوافذ الصغيرة، النوافذ ذات الأشكال الغريبة، وحتى أصوات أقدام المارة البعيدة كانت تبدو مألوفة من وصف الكاتب. "أنا... أنا حقًا هنا!" انفجر صوتها المرتعش، وهي تدرك حجم الصدمة. "كيف وصلت إلى هنا؟" خرجت من الزقاق الضيق إلى ما بدا وكأنه سوق قديم. اكتظ المكان بالناس، يرتدون ملابس غريبة ا، ألوانها داكنة وباهتة. يتحدثون بلغة لم تفهمها تمامًا، لكن بعض الكلمات كانت مألوفة من قراءتها. "يا إلهي، إنه نفس الوصف تمامًا!" رأت باعة يعرضون بضائع غريبة، وفلاحين يحملون سلالًا ثقيلة، وجنودًا يرتدون دروعًا سوداء لامعة، سيوفهم الطويلة تتدلى على خواصرهم. شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. "هل أنتِ بخير يا فتاة؟ تبدين ضائعة." التفتت نور على صوت خشن. كان رجلًا مسنًا، وجهه مجعد، وعيناه تحملان نظرة حانية. "أنا... أنا بخير، شكرًا لك." قالت نور بتردد، متفاجئةً بأنها استطاعت أن تتحدث بلغتهم. "أين أنا بالضبط؟" ابتسم الرجل ابتسامة حزينة. "أنتِ في عاصمة الظلام، يا ابنتي. في قلب مملكة عز الدين." تجمد الدم في عروق نور. "عز الدين!" كررت الاسم وكأنه تعويذة. "إذًا... إنه حقيقي؟" أومأ الرجل برأسه. "أكثر حقيقة من أي شيء آخر هنا. ظلّه يخيم على كل شيء." ثم أضاف بنبرة خافتة: "لكن انتبهي، لا تتحدثي عنه بصوت عالٍ." أدركت نور خطورة وضعها. هذا ليس حلمًا، إنها عالقة في رواية، في عالم قاسٍ تحت حكم طاغية أحبته في صفحات كتاب. شعرت بمزيج غريب من الخوف الذي يضغط على صدرها، وحماس غريب يدغدغ روحها. "لقد كنت أحلم بهذا العالم، والآن أنا فيه!" فكرت بمرارة، "لكن هذا ليس حلمًا جميلًا، بل كابوسًا واقعيًا." "هل أنتِ جديدة في المدينة؟" سأل الرجل المسن. "أجل،" أجابت نور بسرعة، "أتيتُ من قرية بعيدة، بحثًا عن عمل." هذا كان أفضل كذب يمكن أن تخبره. "العمل صعب هنا،" قال الرجل بتنهيدة. "خاصة لمن لا يملكون مهارة واضحة. الحياة قاسية تحت حكم الأمير عز الدين." بدأت نور تستمع إلى أحاديث الناس من حولها، كيف يتناقلون القصص عن قسوته، عن جباية الضرائب الباهظة، عن العقوبات الصارمة التي يفرضها. "لقد أعدم اليوم سبعة رجال بسبب التمرد،" سمعت امرأة تهمس لأخرى. "قلت لكِ، لا أمان معه!" "يا إلهي، هذا أسوأ مما قرأتُ بكثير،" فكرت نور، تشعر ببرودة تسري في عظامها. الرواية كانت تصف القسوة، لكن رؤيتها بأم عينيها كانت مختلفة تمامًا. "عز الدين... هل هذا هو الرجل الذي أحببته في رواية؟" همست نور لنفسها،وهي تشعر بغصة في حلقها. "عليكِ أن تجدي مأوى بسرعة يا ابنتي،" نصحها الرجل المسن. "الشوارع خطيرة بعد حلول الظلام." فكرت نور. تحتاج إلى مكان آمن. لا تملك المال، ولا تعرف أحدًا. "هل هناك أي عمل يمكنني القيام به؟ أي شيء؟" سألت الرجل بتوسل. "لا أدري يا بنيتي. القصر يبحث أحيانًا عن خادمات، لكن الحياة هناك... ليست سهلة." شعرت نور بارتفاع مفاجئ في الأدرينالين. القصر! مكان عز الدين. هذا قد يكون فرصتها للنجاة، أو هلاكها. "القصر؟" كررت بتردد، "هل هو بعيد؟" "ليس كثيرًا. انظري إلى تلك الأبراج الشاهقة هناك." أشار الرجل بإصبعه نحو مجموعة من الأبراج السوداء المخيفة التي تلوح في الأفق. "هناك يُقيم الأمير." قضت نور ما تبقى من النهار تتجول بحذر في أزقة المدينة الخلفية، تحاول أن تتأقلم مع هذه الأجواء، وتفهم طبيعة الحياة هنا. كانت تشعر بعيون غريبة تتبعها أحيانًا، لكنها تجاهلتها. البحث عن مأوى لم يكن سهلًا. كل الأبواب كانت موصدة، وكل الوجوه تحمل علامات القلق. "هل سأقضي الليلة في الشارع؟" تساءلت بخوف، تشعر بالبرد يتسلل إلى عظامها. عندما بدأ الظلام يخيم على المدينة، وأصبحت الأبراج السوداء أكثر وضوحًا في الأفق، سمعت صوتًا مدويًا يقترب. صوت حوافر الخيل المنتظمة، وصليل الدروع. نظرت نحو مصدر الصوت. قافلة من الجنود بملابس سوداء كاملة، على خيول سوداء قوية، كانت تمر في الشارع الرئيسي. أعلام سوداء تحمل رمزًا غريبًا كانت ترفرف في الهواء. "هؤلاء... هؤلاء جنود عز الدين!" ارتجفت نور، وتراجعت بسرعة خلف برميل خشبي مهمل. كانت القافلة تمر مهيبة، تحمل معها هالة من القوة والرعب. وفي قلب القافلة، رأته. لم يكن وجهه واضحًا تمامًا بسبب الظلام والخوذة، لكن هيبته كانت طاغية. حضوره وحده كان يملأ المكان بالرهبة. "عز الدين!" همست نور، وهي تشاهد موكبه يمر أمامها. شعرت بقلبها يخفق بعنف، بمزيج من الخوف الذي كاد أن يجمدها، والإثارة التي لم تستطع كبتها. هي الآن أقرب إليه من أي وقت مضى. أقرب بكثير مما تخيلت، وعالقة في عالمه الذي أحبته.